تركيا… وصدع ما بعد الانتخابات

لعل الصدع الذي سيصيب المجتمع والدولة في تركيا بعد انتخابات 14 مايو 2023 سيكون أوسع وأعمق وأبعد غوراً من صدوع زلزال السادس من فبراير 2023 في ولايات جنوب تركيا.
وليس في الوقائع السياسية واقعة خاضعة للتحليل السياسي الكوانتي كما هي تركيا سواء في تطور الأحداث الداخلية أم في الفضاء الجيوسياسي المحيط بها، حيث يحدث التدفق السياسي الكمي غير التقليدي منذ ثلاثة عقود من الزمن، فتبدل وجه الدولة فيها وروحها وأيديولوجيتها، وانقلبت أحوال المجتمع والمؤسسات على أعقابها حتى يكاد الراصد السياسي التقليدي ينكر هذه الدولة والمجتمع فيها ولا يعرفها.
فمن طرد النائبة مروة قاوقجي الإسلامية عن مدينة إستانبول من البرلمان عام 1999 بسائق من حجابها ثم تجريدها من الجنسية التركية ومطاردتها حتى اضطروها للهروب إلى الولايات المتحدة إلى أن يؤم رئيس الدولة في تركيا منذ حين المصلين في صلاتهم في الجامع، ويحرص وزير الدفاع التركي خلوصي أكار مع بعض الجنرالات ووزراء في المحكمة على حضور صلاة الجمعة.
وما كان هذا شأنه فهو لا يخضع للتحليل السياسي التقليدي، وإن دولة وأمة تقلّبت بين هذين النقيضين في مدة يسيرة من الزمن لا تحتمل وقوع هذا التغيير الجوهري فيها لقصرها لا محالة خاضعة لتدفق سياسي كمومي، حيث يتعذر حصول ذلك في أقل من ثلاثة عقود من الزمن، ويستنفق حدوث مثله في مكان آخر قروناً عديدة من الزمن.
ولننظر في عاقبة هذا التدفق السياسي الكمي باختبار معادلة الاستقرار السياسي الأساسي على تركيا لنعلم حال الأمة والدولة فيها بعد إجراء الانتخابات في 14 مايو 2023.

ولدى حل هذه المعادلة بتعويض القيم العددية فيها نجد:
S=0.3<1
ويبرهن هذا الحل على اضطراب حبل الأمن وانتشار الفتن وشيوع الفوضى السياسية والاجتماعية واستفحال الأزمة الاقتصادية في تركيا بعد الانتخابات.
ولتفصيل القول وشرح وتأويل حل المعادلة المذكورة وتفسير التحليل السياسي الكمومي نعرض لوجوه الأحداث محتملة الوقوع والحدوث:
- احتمال حسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى بنسبة صغيرة بحيث يفوز زعيم حزب الشعب الجمهوري ومرشح تحالف الأمة بأحزابه الستة كمال قليج دار أوغلو بنسبة (52-51) ويحصل رئيس حزب العدالة والتنمية رجب أردوغان على نسبة (49-48)، ويكون بذلك الفرق بينهما صغيراً ويحتمل سد هذا الفتق والثغرة الضيقة بوقوع تزوير وتبديل النتائج بتبديل بعض صناديق الاقتراع في بعض الدوائر الانتخابية واحتساب أصوات لأردوغان وإعلان فوزه بها. فيدفع ذلك تحالف الأمة المعارض ومرشحه كمال قليج دار أوغلو إلى الطعن في النتائج ورمي الحزب الحاكم بالتزوير ورفع الأمر إلى القضاء والمحاكم المحلية التركية التي لن تغني شيئاً لسيطرة حزب العدالة والتنمية عليها، وإلى المحكمة الأوربية التي لن يخضع أردوغان وحزبه لحكمها رغم عضوية تركيا في مجلس أوربا التي تلزمه بالخضوع لقرار المحكمة الأوربية.
وعندها تحشد المعارضة أنصارها للنزول إلى الشوارع والساحات وبدء الفتنة الداخلية الكبرى.
- احتمال حسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى بفارق كبير لصالح مرشح تحالف الأمة كمال قليج دار أوغلو بحيث يعجز الحزب الحاكم عن ردم هذه الهوة وسد الثغرة بالتزوير رغم قدرات وزارة الداخلية التركية بقيادة سليمان صويلو مع رؤساء البلديات من الحزب الحاكم على تجريد حملات الترهيب والتخويف والتزوير، إلا أنها ستعجز عن فعل ذلك إذا بلغ الفرق بين نتائج المرشحين 7% من الأصوات.
وعندها سيضطر أردوغان وحزبه الحاكم إلى إلغاء نتائج الانتخابات بسائق من عدة ذرائع ومبررات لتدخل تركيا بعدها أزمة سياسية عميقة وفتنة كبرى.
- احتمال تقدم مرشح المعارضة كمال قليج دار أوغلو على أردوغان في الجولة الأولى دون حسمها مع الحاجة إلى جولة ثانية فيحشد أردوغان وحزبه الحاكم مؤسسات الدولة الخاضعة له وتعبئة أنصار تحالف الشعب وإعداد جميع وسائل التزوير لحسم الجولة الثانية لأردوغان وإعلان فوزه.
بدأت المعارضة (تحالف الأمة) ببناء السد الجمهوري لمنع إعادة انتخاب أردوغان وبدأ تحالف الشعب ببناء سد التزوير لمنع بلوغ المعارضة الحكم.
سيعلن أردوغان وحزب العدالة والتنمية انتصار أردوغان في الانتخابات الرئاسية على كل حال، مع السعي إلى إثبات ذلك بكل وجه، ولن يقر تحالف الشعب بالهزيمة قط بسائق عاملين:
- أولهما: عامل أيديولوجي يقوم في أصول ومبادئ حزب العدالة والتنمية الإسلامية التي سيفزع إليها أردوغان وقيادات الحزب وتسخير كثير من قواعد الإسلام لتحريك الدواعي وإثارة الهمم عند أنصارهم كما هو دأب أردوغان منذ عقدين من الزمن في كل شأن – واللجوء إلى قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتجاج بتكفير علمانية تحالف الأمة وعدم جواز تسليم السلطة لمن يريد الحكم بغير ما أنزل الله، كما برر أردوغان نهجه الاقتصادي غير المعهود بخفض الفائدة من 20% إلى %8 خلال عامين رغم بلوغ التضخم 85% في نهاية عام 2022 قبل انخفاضه، وذلك بسائق من أن الفائدة أي الربا قد حرمه الإسلام وأغلظ في تحريمه بآيات قرآنية.
وسيلجأ أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى القرآن والحديث لتحريم تسليم السلطة إلى العلمانيين، وكان أردوغان قد صرح منذ أكثر من عقد بأن الديمقراطية كالقطار إذا ركبها شخص فيجوز أن ينزل منها في المحطة التالية، أي أن الديمقراطية لديه مجرد أداة لبلوغ السلطة ثم تركها والإعراض عنها بعد ذلك.
وهذا دأب كل حركة إسلامية، فإنها إن بلغت الحكم عنوة أو بالديمقراطية فإنها لن تخرج من السلطة إلا عنوة وقسراً، ولن تذهب إلى تسليم السلطة إلى غيرها بسائق أيديولوجي يمنعها من تسليم الحكم لمن لا يحكم بما أنزل الله.
- ثانيهما: عامل مصلحي، فإنه لا طاقة بأردوغان وحزبه بتسليم السلطة خوفاً لما ينتظرهم من المحاسبة والتدقيق والتمحيص الذي سيفضي إلى سوق أردوغان وبطانته وآلاف من أعضاء الحزب الحاكم ومن تمالأ وتواطأ في قضايا الفساد إلى السجن وكذا من تعاقد مع مؤسسات الدولة في تنفيذ آلاف المشاريع التي درت أموالاً طائلة وثروات هائلة غير مشروعة عليهم بغير حق، فإنهم شركاء في المصير ذاته.
وعليه فلا سبيل لأردوغان وحزب العدالة والتنمية ولا طاقة بهما بتسليم السلطة إلى المعارضة لما ينتظرهم من السجن وتجريدهم من النفوذ والسطوة وحجز أموالهم وأملاكهم الطائلة التي كسبوها بالفساد وتسخير مؤسسات الدولة ومواردها لصالح الإمبراطوريات الاقتصادية التي أقامها بلال أردوغان وبراءة البيرق وزير المالية التركي السابق صهر أردوغان والمؤسسة الخيرية التي أنشأتها زوجة أردوغان أمينة ونشاطاتها المالية غير المشروعة التي تنظر فيها المحاكم الأمريكية منذ عام 2016.
وقد جنى قيادات حزب العدالة والتنمية وشركاتهم وأفراد عائلاتهم ومن شاركهم من رجال الأعمال والصناعيين والتجار عشرات مليارات الدولارات من مشاريع البنية التحتية والمقاولات التي فازوا بها من مؤسسات الدولة ومواردها المسخرة لهم منذ عقدين من الزمن، حتى ظهرت طبقة من الأوليغارشية التركية المحيطة بأردوغان وحزب العدالة والتنمية.
ولا طاقة بهذه الأوليغارشية الحاكمة اليوم بتسليم السلطة إلى المعارضة حتى تقوم بنصب المحاكم لها وعرضها على القضاء والقانون وتجريدها من ثرواتها وسلطتها وامتيازاتها.
لقد نشأت طبقة حكم جديدة خلال عقدين تمالاً فيها وتواطأ على إقامتها قيادات حزب العدالة والتنمية من الدرجات الأولى والثانية والثالثة مع رجال أعمال ومدراء تنفيذيين وإداريين مرموقين في مؤسسات الدولة، فنشرت هذه الطبقة سيطرتها على مؤسسات الدولة والإدارة العامة قاطبة، وتم تطويع الجيش منذ انقلاب عام 2016، وانضم كثير من جنرالات الجيش إلى تلك الطبقة الناشئة الجديدة فأحكمت سلطتها ووطدت دعائمها في الدولة فانقادت الدولة العميقة الجديدة للحزب الحاكم.
وعند التنازع بين المعارضة والنظام الحاكم في تركيا على نتائج الانتخابات سيظهر الصدع العميق داخل الدولة والمجتمع في تركيا ويظهر الفتق الكبير الذي لا ينفع فيه رتق.
إن الاستقطاب الحاد دفع المجتمع التركي إلى اصطفاف عامودي شق قاعدة الأمة حتى بلغ الصدع ذروتها ليتسلل إلى الدولة حيث تعاني هياكلها أزمة دولة عميقة منذ نشأتها عام 1923 (انظر كتابنا أزمة الدولة في العالم الإسلامي فقد فصلنا القول في ذلك هناك).
وتبرهن هذه الانتخابات انشطار المجتمع التركي إلى شطرين متنافرين متجاحدين يَصْدُرُ كل شطر منهما عن مبادئ وأصول وقيم مناقضة لأصول الشطر الآخر.
وعندما يعجز النظام الحاكم والمعارضة عن اثبات فوزه في الانتخابات الرئاسية ينتقل الصدع من الأمة إلى الدولة، وتنشطر عندها كل مؤسسة على أسس وقواعد أيديولوجوية واثنية ودينية وقومية.
وسيظهر الصدع على الصورة التالية:
- قطب الحزب الحاكم ومعه الحركة القومية التركية وحزب الرفاه وحزب الهدى والمحافظون والإسلاميون من الأتراك والأكراد وغيرهم من المنتفعين وأركان الدولة العميقة الجديدة والأثرياء الجدد الذين ظهروا في عهد حكم حزب العدالة والتنمية وبعض أنصار أحمد داوود أوغلو (رئيس الوزراء السابق) وبعض أنصار علي باباجان (وزير الاقتصاد السابق).
وما سيدفع الأزمة إلى أن تستفحل ويعظم خطرها ويستطير شرها جنوح الحركات الإسلامية المسلحة في سورية والعراق مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية وغيرهما من التنظيمات الإسلامية مثل الإخوان وأحرار الشام وغيرهم إلى هذا القطب.
كما أن الجيش التركي سيصيبه الإنقسام في مرحلة لاحقة من تطور الأزمة إلى حرب داخلية فينشطر إلى جناحين: أحدهما علماني بقيادة بقية باقية من الجنرالات الكبار ممن نجا من حملة التطهير التي قادها حزب العدالة بعد انقلاب عام 2016 لترويض وتدجين الجيش التركي وحمله على الانقياد للحزب الحاكم، وسينضم إليهم بعض من ضباط الصف والجنود العلمانيين. بينما ينضم الشطر الآخر من الجيش التركي بقيادة صغار الضباط إلى قطب الحزب الحاكم وخاصة كان الإسلاميون قد شحنوا منذ عقدين الجيش التركي بكثير من عناصرهم من خريجي مدارس إمام وخطيب، إلا أنهم لا يزالون في درجة الضباط متوسطي الرتبة.
كما سينضم قوى الأمن الداخلي والشرطة والجندرمة والمخابرات إلى هذا القطب بعد أن هيمن المحافظون من الإسلاميين والقوميين على هذه المؤسسات وصنعوا منها جيش ظل جاهز للقتال إلى جانب تحالف الشعب وتجريد الحملات العسكرية على خصومهم من القطب الآخر.
- قطب المعارضة وقوامه من تحالف الأمة ويجنح إليهم الأكراد الذين يبلغون ثلاثين مليوناً في بعض الإحصاءات الحديثة في عام 2022 ومعهم العلويون الذين يبلغون ما بين (12-10) مليوناً في تلك الإحصاءات، وينضم إليهم العلمانيون العاديون ممن لا ينتظمون في الأحزاب.
غير أن هذا القطب يفتقر إلى الجناح العسكري ويفتقد تنظيمات مسلحة بخلاف القطب السابق.
وسيفزع هذا القطب إلى الاحتجاج الشعبي والمظاهرات المدنية والعصيان العام وإغلاق المؤسسات والشركات وشل الحركة وغير ذلك من ضروب العمل السلمي المدني الخالص.
وسيلجأ الحزب الحاكم إلى إعلان حالة الطوارئ والترهيب ومطاردة المعارضة وملاحقتهم بكل وسيلة ووجه.
فإن عجز عن احتواء المعارضة والسيطرة عليها وإعادة الهيمنة لجأ إلى العنف والاغتيالات وسجن قادة المعارضة، لتدخل البلاد بعدها إلى حرب أهلية طاحنة تدور رحاها في المدن الكبرى وفي الأرياف.
ولما كانت الجيوسياسة حاضرة في السياسات الداخلية والخارجية لتركيا منذ مدة طويلة فإن الدول المحيطة بالجيوسياسة التركية ستتدخل لا محالة في الأزمة الداخلية التركية عندها، خاصة وإن دول الجوار تنابذ تركيا الخصومة والعداوة مثل اليونان وأرمينيا وسورية والعراق وإيران وروسيا، كما أن الدول الأوربية ستعود إلى مخططها القديم لتقسيم تركيا وتجزئتها إلى أجزاء كما كان مقرراً بعد الحرب العالمية الأولى.
بينما ستحرص الولايات المتحدة في بداية الأزمة في تركيا على إعادة الاستقرار والهدوء بسائق من عضوية تركيا في حلف الناتو وإشرافها على البحر الأسود والمضائق الاستراتيجية (البوسفور، الدردنيل) وأهميتها في الحرب الأوكرانية واحتواء روسيا.
وكذا لوجود عشرات الرؤوس النووية في قاعدة انجرليك الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلف الناتو.
وبسائق من الخشية الأمريكية من أن تقفز مجموعة إسلامية متطرفة في حال اشتداد الأزمة والحرب في تركيا على هذه القاعدة والسيطرة عليها وما فيها من أسلحة تقليدية ونووية فإن الولايات المتحدة ستسعى إلى حل عقدة الأزمة التي ستظهر بعد الانتخابات ودفع الطرفين إلى التفاوض والحوار.
وإن خضع تحالف الأمة واستسلم لعنف الدولة وإرهابها وقسوة تنظيمات الظل الخفية والدولة العميقة لحزب العدالة والتنمية وانقادت المعارضة الأردوغان فإن ديكتاتورية إسلامية سنية ستظهر على حدود أوربا وحدود روسيا، وستدخل تركيا عهداً طويلاً من نظام الحزب الواحد وعبادة الشخصية وعودة السلطان في هيئة رئيس جمهورية.
وسيدخل بعد ذلك الشرق الأوسط عهد الصراع الطويل بدوافع جيوسياسية وتتزاحم تركيا وإيران والسعودية للتنافس ثم الصراع على المنطقة.
وسيقوم أردوغان بتوريث الحكم لابنة من بعده بسائق من غياب المعارضة ووهنها واندثارها.

