هل تكون الهند أحد بدائل مصر عن أموال الخليج؟

يواجه الاقتصاد المصري تحديات جمة من بينها نقص النقد الأجنبي، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه المصري بشكل سريع أمام الدولار. فقد تراجعت قيمته بنسبة 49% منذ يناير 2022، وتضطر الحكومة إلى تسديد ديونها الخارجية، مما يؤدي إلى ضغط على السيولة ويعيق عمليات الاستيراد.
تسعى مصر إلى تغيير مسار اقتصادها الذي تأثر بشدة بموجات الصدمة الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، والتي أثرت على إمداداتها من القمح والسلع الأخرى. ولهذا الغرض اضطرت مصر للجوء الى صندوق النقد الدولي الذي وافق على منحها قرضاً قيمته 3 مليار دولار لمدة 46 شهراً، ويقدم على شرائح مقترناً بشروط متعددة يراجعها الصندوق وفقًا لجدول زمني وافقت عليه الحكومة. كما تعهد حلفاؤها العرب الخليجيون بالاستثمار بمليارات الدولارات في مصر عند موافقة صندوق النقد الدولي على إقراضها.
وحتى الآن، لم يتم إصدار المراجعة الأولية من قِبَل صندوق النقد الدولي لتقييم مدى تنفيذ مصر لشروط برنامج القرض، والتي كان من المقرر أن تُجرى في 15 مارس. كما لم تجمع الحكومة المصرية حتى الآن المبلغ المطلوب بقيمة ملياري دولار في العملات الأجنبية لزيادة صافي احتياطيات مصر إلى 6 مليارات دولار بحلول نهاية يونيو، وهو أحد شروط الصندوق. وبالتالي، لم تحصل مصر على الشريحة الثانية من القرض التي كان من المفترض أن تُصرف.
وخلال العقد الماضي، ذهبت المملكة العربية السعودية وحلفاؤها الخليجيون مراراً لمساعدة الاقتصاد المصري منذ أن تسلم الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم قبل عشر سنوات، فأرسلت الرياض مساعدات بمليارات الدولارات إلى مصر واتسمت العلاقات المصرية السعودية بالدعم المالي باعتبار القاهرة حليفة إقليمية واستراتيجية مهمة للسعودية. ومع ذلك أعلن المسؤولون السعوديون عن نية تقليص الدعم غير المشروط في مؤتمر دافوس يناير الماضي، وشهدت العلاقة المصرية السعودية تغيراً في الموقف حيث انتقلت الرؤية السعودية تجاه مصر من “مصر أكبر من أن تفشل” إلى “مصر مسؤولة عن أخطائها”.
وهذا الأمر فرض على مصر توسيع نطاق تعاونها على المستوى الإقليمي والدولي، بهدف تحسين الأوضاع في البلاد وتقليص اعتمادها المتنامي على دول الخليج. ونتيجة لذلك، يبدو أن القاهرة في طور البحث عن مصادر تمويل بديلة لحلفائها العرب التقليديين.
وإحدى مظاهر المنحى المصري الجديد، التوجه نحو الهند – التي تعتبر خامس أكبر اقتصاد في العالم – كبديل محتمل عن الغياب الخليجي. فظهر ذلك من خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى مصر تلبيةً لدعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، التي تم تقديمها خلال زيارة السيسي إلى الهند في وقت سابق هذا العام. وأنتجت هذه الزيارة إعلان رفع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، والبحث عن سبل تعزيز العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات. وعبارة “الشراكة الاستراتيجية” تعني أن كلا البلدين يلتزمان بإجراء محادثات دورية بهدف تعميق العلاقات. كما تلقى الرئيس السيسي دعوة من رئيس الوزراء مودي للمشاركة في القمة القادمة لمجموعة العشرين التي ستعقد في 9 و10 سبتمبر المقبل في نيودلهي برئاسة الهند.
وهناك أسباب عدة تدفع مصر إلى تعزيز وتطوير علاقتها مع الهند، منها الأسباب التاريخية والمكاسب الاقتصادية المحتملة التي يمكن أن تنجم عن هذا التعاون.
- العلاقات الهندية المصرية:
تاريخياً، ارتبطت الهند ومصر بعلاقات قوية، وقد أظهرت تلك العلاقة تأثيرًا واضحًا في عدة مواقف في تاريخ البلدين مما ساهم في بناء روابط قوية وتعاون مثمر. وتعود جذور العلاقات المصرية الهندية إلى الفترة الزمنية لزعيم مصر التاريخي سعد زغلول، الذي قام بتأسيس علاقة قوية مع المهاتما غاندي بسائق من خضوع الهند ومصر للاستعمار البريطاني. وتواصلت هذه العلاقة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر مع جواهر لال نهرو، وقد أدت هذه العلاقة إلى توقيع اتفاقية صداقة بين البلدين في عام 1955. كما لعبت مصر والهند دورًا بارزًا في مؤتمر باندونج الافرو-آسيوي عام 1955 وكان لهما دور في تأسيس وتعزيز حركة عدم الانحياز عام 1961.
واستمرت معالم هذه العلاقة حتى اليوم حيث قام الطرفان بعقد العديد من الاتفاقيات الاستراتيجية وخاصة في المجال الاقتصادي. ومن بين هذه الاتفاقيات اتفاق 15 أبريل 2022، حيث وافقت مصر على استيراد القمح من الهند وتم شحن أول شحنة من القمح الهندي إلى مصر في مايو 2022.
- المكاسب الاقتصادية:
اقتصاديا،ً تحاول مصر بعد الحرب الروسية الأوكرانية زيادة وتنويع مصادر اعتمادها على القمح، وكانت الهند من ضمن هذه المصادر باعتبارها دولة رائدة في مجال تصدير القمح. وشهدت التجارة الثنائية والاستثمارات المشتركة بين مصر والهند نموًا لافتًا في السنوات الأخيرة، حيث تم تسجيل زيادة في حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 20.8٪ خلال العشرة أشهر الأولى من عام 2022، مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2021. واستقبلت الأسواق المصرية الشركات الهندية واعتمدت تكنولوجيتها المبتكرة في مجالات مختلفة، بما في ذلك الطاقة المتجددة والأدوية وإنتاج الأغذية والخدمات اللوجيستية والهندسة والنقل، فبلغت قيمة الاستثمارات الهندية في مصر حوالي 3.2 مليار دولار في 52 مشروعاً.
إن تنمية الشراكة وزيادة التعاون بين مصر والهند تعد مفيدة لكلا الطرفين، فبالنسبة لمصر – التي تمر حاليا بأزمة اقتصادية عميقة – فهي تحتاج الى مصدر للحصول على العملة الصعبة التي تشتد الحاجة إليها في خزائنها المستنزفة بشكل كبير. كما أن الهند تدرس حالياً إمكانية السماح بمقايضة السلع ودفع مصر للواردات الهندية بالروبية، مما يسمح لها بالحفاظ على احتياطاتها بالعملة الأجنبية المستنفذة.
وتطمح مصر الى الدخول لمجموعة البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، حيث يقدم بنك التنمية الجديد ومقره في شانغهاي لأعضائه ميزة بأنه يمكنهم من استخدام عملاتهم الوطنية في التبادلات التجارية، مما يوفر المزيد من الراحة لاقتصاد مصر. ففي مارس الماضي، اقتربت مصر خطوة من تحقيق هذا الهدف عندما تم قبولها في بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة البريكس، إلى جانب بنغلادش والإمارات العربية المتحدة.
ومن الناحية الاستراتيجية غالبًا ما تتفق مصر والهند على المستوى السياسي، وتعود تاريخ هذه الصداقة إلى أيام حركة عدم الانحياز. تبقى تأثيرات تلك الشراكة واضحة حتى اليوم، ولا سيما فيما يتعلق بموقفهما المشترك من الحرب الروسية الأوكرانية الحالية.
أما بالنسبة للهند، إضافةً الى زيادة وصولها إلى سوق مصرية كبيرة ومتنامية، تقدم مصر فرصة لزيادة الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة عبر تخصيص مساحة للصناعات الهندية في المنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس، والتي يمكن استخدامها في مصنع الهيدروجين الأخضر الذي تبلغ كلفته 12 مليار دولار والذي أنشأته شركة ACME الهندية.
كما تسعى الهند إلى زيادة استثماراتها في دول آسيا وأفريقيا، وتعتبر الشراكة مع مصر أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لها. تدرك الهند أهمية الموقع الجيوسياسي لمصر، حيث تعتبر رابطًا بين أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط وغرب آسيا وأوروبا. وتهدف الهند إلى الوصول إلى الممرات المائية الحيوية، وعلى وجه الخصوص الوصول إلى قناة السويس، بالإضافة إلى الفرصة المحتملة للوصول إلى منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. هذا سيجعل الهند لاعبًا دوليًا في عملية نقل بضائعها عبر دول الخليج إلى مصر ثم إلى أفريقيا وأوروبا، وهي مكانة تسعى إليها الهند.
يجب النظر الى زيادة التعاون بين مصر والهند كجزء من تحول أوسع في العلاقات الجيواستراتيجية العالمية. وتقوم العديد من الدول التي كان يُنظَر إليها في الماضي كحليفة للدول الغربية بتنويع علاقاتها والسعي للاستقلالية في سياساتها. وأتت زيارة مودي الى مصر مباشرةً بعد زيارته للولايات المتحدة، ومن الملفت للنظر أنه في القاهرة، لم يتطرق أي من الزعيمين إلى الأزمة التي كانت تستفحل في أوروبا بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، بل تركزت المحادثات مباشرةً على المصالح المشتركة بين مصر والهند.
تلك الاهتمامات المشتركة تشير إلى تحركات استراتيجية تهدف إلى توسيع نطاق العلاقات وتعزيز التعاون بين البلدين، وذلك في السياق الجديد الذي يظهر في العلاقات الدولية.

