الممر الهندي – الأوربي… وآثاره الاستراتيجية على الجوار

لعلّ ما شغل الناس وملأ الصحف والوسائل الإعلامية الأخرى هو ما جرى من إعلان المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، وجمهورية الهند، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية فرنسا، وجمهورية ألمانيا الاتحادية، وجمهورية إيطاليا، والاتحاد الأوروبي في قمّة G20 في الهند بتاريخ 2023-9-10 عن توقيع مذكرة تفاهم لإقامة ممرّ اقتصادي يربط الهند بأوربا عبر الشرق الأوسط.
وقد سبق إلى ذكر هذا المشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماعه بقبرص مع الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني في 2023-9-3 حين ذهب إلى احتمال ربط أوربا بالهند عبر إسرائيل وبلدان الشرق الأوسط الأخرى وإنشاء كابل ضوئي لنقل البيانات وإقامة خط أنابيب لنقل الغاز ليصل بين إسرائيل وقبرص ثمّ أوربا.
وكذلك نشر موقع “إكسيوس” الخبر قبل إعلان نيودلهي، وزعم الموقع أنّه قد سبق ذلك حوار طويل وتفاوض لمدّة أشهر بين الأطراف.
ولعلّ التدقيق والتمحيص في هذا الإعلان يفضي بنا إلى بيان عدّة أمور:
- لا يزال الأمر مذكّرة تفاهم ولم يبلغ منزلة خطّة أو مشروع تنفيذي أو معاهدة ملزمة. وكم من مذكرات تفاهم جرى التوقيع عليها ثمّ طواها النسيان وغابت في ثنايا الأوراق.
- إن ارتقى هذا الأمر إلى منزلة التنفيذ فإنّ لهذا المشروع مقاصد جيوسياسية وأخرى جيواقتصادية قد تنفع أطرافاً وتضرّ أطرافاً أخرى.
- قد يوطّئ تنفيذ المشروع المنابر ويمهّد السبل لانضمام المملكة العربية السعودية إلى اتفاقيات أبراهام لعام 2020 ويصنع السلام والصلح بينها وبين إسرائيل، وقد ذكر ذلك نتنياهو في قبرص، كما أنّه مقصدٌ استراتيجي للرئيس الأمريكي جو بايدن منذ عام، وقد سعى لتحقيق ذلك سعياً حثيثاً وأرسل مستشاره للأمن القومي جيك سوليفان عدة مرات للقاء وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والتفاوض حول ذلك، واشترط عليه للذهاب في هذا السعي شروطاً منها: تعهّد أمريكي بالدفاع عن المصالح السعودية إذا داهمها خطر أو عدوان، وتزويد المملكة بما تريده من أنواع الأسلحة بما فيها طائرات F-35 ومساعدة المملكة في تأسيس برنامج نووي محلّي بقدرات سعودية.
ولعلّ الممر الاقتصادي ومشروع البنية التحتية قد يكون غطاءً وستاراً لانضمام السعودية إلى اتفاقية أبراهام أسوة بالإمارات والبحرين وتطبيع العلاقات مع إسرائيل برغم أن جيك سوليفان نفى الصلة بين الأمرَيْن.
- ولا يخلو تنفيذ هذا المشروع من أنّه سيكون المعادل الموضوعي والمكافئ الجيوسياسي والجيواقتصادي لمشروع الصين (طريق واحد – حزام واحد)، وهو ما ينقض مزاعم القائلين بانحياز السعودية إلى الصين وروسيا ووهن العلاقة الاستراتيجية السعودية – الأمريكية، لأنّ تنفيذ أحد المشروعَيْن يكون على أنقاض الآخر، ولا سبيل إلى الجمع بينهما لحظر الولايات المتحدة استعمال تكنولوجيا صينية مثل شبكة 5G في البنية التحتية لهذا المشروع، وذلك لعوامل تتصل بالأمن القومي الأمريكي.
- لا ريب أنّ هذا الممر الاقتصادي – إن تمّ إنجازه – ستكون له عواقب اقتصادية على عائدات قناة السويس بسائق من انخفاض تكاليف نقل البضائع عبر هذا الممرّ عن تكاليف النقل في قناة السويس التي تعتبر مورداً أساسياً للعملات الأجنبية لمصر التي تحتاجها بشدّة لإنقاذها من أزمتها الاقتصادية الطويلة ممّا قد يضرّ بالعلاقات السعودية – المصرية.
- كما أنّ هذا الممرّ سيكون بديلاً عن الممرّ (جنوب – شمال) الذي تدعو إليه إيران وروسيا منذ عقد من الزمن، والذي يربط ميناء بومباي الهندي بميناء تشابهار الإيراني ثمّ إلى بحر قزوين عبر الأراضي الإيرانية ثمّ إلى روسيا ثمّ إلى أوربا.
ويبدو أنّ هذا المشروع سيكون وأداً لممرّ (جنوب – شمال) وتعويل إيران وروسيا عليه في نقل البضائع والسلع والأشخاص ورؤوس الأموال والتحرر من العقوبات المفروضة عليهما، قد يضرّ بالعلاقة السعودية – الروسية وإعادة العلاقات مع إيران إلى عهد الاضطراب والأزمة.
- وكذلك فإنّ هذا المشروع قد يبطل العمل على إقامة ممرّ زانجيزور الاستراتيجي الذي تعمل تركيا على إقامته ويصل بين أذربيجان ومقاطعة ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمينية وبين تركيا لربط الصين ووسط آسيا بأوربا عبر تركيا ليكون ممراً اقتصادياً عالمياً لنقل السلع والبضائع عبر السكك الحديدية وموانئ بحر قزوين وموانئ تركيا.
وقد يضرّ هذا بالعلاقة السعودية – التركية التي ما برحت أن صلح أمرها بالأمس القريب.
- كما أنّ لهذا المشروع عواقب على منظّمة بريكس وانضمام الأعضاء الجدد إليها في مطلع عام 2024، بل إنّ الأمر يجاوز ذلك إلى الشكّ في أصل بريكس وجدوى وجودها إن كان أعضاؤها مثل الصين والهند والسعودية على مثل هذا التنافر والاختلاف الجيوسياسي وتناقض المصالح الجيواقتصادية وتنابذ التحالفات وتجاحد المشاريع.
وقد ذكرنا ذلك في دراساتنا السابقة فانظر هناك ففيها مزيد بيانٍ بما يغني عن إعادته هنا.
- غير أنّ الممر الاقتصادي الجديد يحتاج إلى بيان عدّة أمور منها:
- الأموال اللازمة لتمويل هذا الممرّ والموارد الأساسية التي يحتاجها المشروع وتحديد الجهات والأطراف الإقليمية والدولية (دول، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، الصناديق السيادية…) التي ستقوم بتمويله والاستثمار فيه مفصّلاً وذكر عائداته.
- تحديد الإطار الجيوسياسي للمشروع مثل ذكر الموانئ الهندية والخليجية التي سيتمّ الربط بينها، والدول التي ستتشارك مدّ السكك الحديدية فيها (الإمارات، السعودية، عُمان، الأردن وإسرائيل)، ولعلّ في تنفيذ هذا المشروع إحياءٌ لخطّة ذكرت في عام 2019 بإقامة ممرّ يربط دبي بإيلات عبر السعودية ومشروع نيوم ثمّ إلى ميناء حيفا.
ولعلّ بعض المحلّلين سيذهبون مذاهب شتّى في ذكر مناقب هذا المشروع أو بيان مفاسده والزعم بأنّه دعاية وحملة علاقات عامة للولايات المتحدة في وجه الصين وروسيا.
فإن كان هذا المشروع دعاية فإنّ بريكس وانضمام السعودية والإمارات وإيران ومصر وإثيوبيا والأرجنتين دعاية وحملة علاقات عامّة من باب أولى.
وإن كانت بريكس وتوسّعها حقيقة وسعياً استراتيجياً من الصين وروسيا لإقامة عالم متعدد الأقطاب فإنّ هذا المشروع تقويضٌ حقيقي لسعي الصين وروسيا ومشاريعهما الجيوسياسية والاقتصادية من باب أولى لعلّة وقوف الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وكندا معه.
غير أنّه لا بدّ من قول حقّ في ختام المقالة:
إنّ النظر العميق في استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي بايدن القائمة على العمل متعدد الأطراف والاعتماد على الأحلاف لتقويض مشروع الصين الجيوسياسي بخلاف استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب القائمة على الاتفاقيات الثنائية يكشف عن خطر استراتيجي عميق وبعيد الغور.
يقوم هذا الخطر في أنّ الولايات المتحدة إنّما تستعيض وتستبدل خطراً عاجلاً محدقاً بخطر آجل بعيد حين تسعى إلى صنع القطب العالمي الهندي ليكون مكافئاً موضوعياً وبديلاً عن الصين، فما يأمن الولايات المتحدة ألا تصبح الهند خطراً وتحدياً استراتيجياً – بعد أن تتمكّن عالمياً – للمصالح الأمريكية كما حدث الأمر مع الصين حين ساندت الولايات المتحدة الصين منذ ثمانينات القرن العشرين لموازنة الاتحاد السوفياتي يومئذ، حتّى إذا زال الخطر السوفياتي أصبحت الصين – التي ساعدتها واشنطن – تحدّياً استراتيجياً للمصالح الأمريكية منذ عقد من الزمن، فما يأمن الولايات المتحدة في المستقبل ألّا تتحوّل الهند إلى خطر استراتيجي عليها.
والأولى بالولايات المتحدة أن تنخرط بذاتها في المشاريع الاستراتيجية لحفظ مصالحها البعيدة لا أن تلجأ إلى الآخرين.
[1] MEO.com, 9-9-2023.

