هل تساهم “دبلوماسية الكوارث” في إنهاء الخلافات الجيوسياسية بين الدول؟

تحمل الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات تحديات كبرى وآلامًا على الإنسان والمجتمعات والدول، بفعل ما تخلفه من أضرار على مستوى الأرواح البشرية والبنية التحتية. إن ما يقع من كوارث طبيعية بحتة، أو بفعل تدخل البشر، يفرض نفسه على العلاقات الدولية، في حركتها التي تدور بين “الصراع” و”التعاون” وبين “التباعد” و”التكامل”.
رغم هول وقباحة تلك الكوارث، الا أنها لا تخلو من التفاؤل بما بات يُعرف في قانون العلاقات الدولية بـ”دبلوماسية الكوارث”؛ فجميع دول العالم معرضة للكوارث الطبيعية، وما يستتبع ذلك من حاجة ماسة للمساعدات العينية والمالية والطبية واللوجستية لتدارك تداعياتها ونتائجها.
ولكن هل يمكن لـ”دبلوماسية الكوارث” أن تنهي الخلافات الجيوسياسية العميقة بين الدول؟ وهل يلعب العامل الإنساني دوراً في كسر حدّة الصراع بين الدول المتخاصمة؟
يوم 8 سبتمبر 2023، ضرب زلزال كارثي المغرب بين مراكش وأكادير وطالت ارتداداته جميع أنحاء البلاد، لقي نتيجته حوالي 3,000 شخصٍ مصرعهم إضافة إلى نحو 5,000 جريحٍ. ونتيجة لهذه الكارثة، تضامنت دول العالم مع المغرب وقدمت المساعدة والدعم في البحث عن ناجين مفقودين تحت الأنقاض.
ولم يمنع الخلاف السياسي والتباين حول مصير “الصحراء الغربية” بين المغرب وجارتها الجزائر الأخيرة من مساندة الرباط في محنتها هذه. ففي بيان أصدرته الرئاسة الجزائرية بعد وقت قصير من وقوع الكارثة، أكدت “بإخلاص تضامنها مع الشعب المغربي”، معربةً عن “استعدادها لتقديم المساعدة وكذلك جميع الموارد البشرية والمادية اللازمة إذا طلب المغرب ذلك”. كما قررت السلطات الجزائرية العليا فتح مجالها الجوي – المغلق أمام المغرب منذ عام 2021 – للرحلات الخاصة بنقل المساعدات الإنسانية والجرحى والمصابين.
وتعود جذور الأزمة القائمة بين المغرب والجزائر الى عام 2021 عندما أعلنت الجزائر عن قرارها بتعليق العلاقات الدبلوماسية مع المغرب واغلاق مجالها الجوي أمامها عندما أعلنت الرباط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل مقابل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المملكة على أراضي الصحراء الغربية، وهو الموقف الذي دفع الجزائر إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب.
وبعد يومين من حدوث الكارثة، أبلغ المديرُ العام لوزارة الشؤون الخارجية المغربية القنصلَ الجزائري في الدار البيضاء أنّه “بعد التقييم، فإنّ الرباط ليست بحاجة إلى المساعدات الانسانية المقترحة من قبل الجزائر”، في حين أنّ المغرب قرر الاستجابة لأربعة عروض مساعدة قدمتها كل من إسبانيا وبريطانيا والإمارات وقطر، لمواجهة تداعيات الزلزال.
أما في ليبيا، يوم 10 سبتمبر، اجتاح المنطقة الشرقية إعصار ضرب مدن بنغازي، والبيضاء، وسوسة، وسرت، ودرنة، وخلّف أكثر من 7,000 قتيل وبلغ عدد المفقودين حوالي 10,000 شخص حتّى تاريخه.
هذا وتعاني ليبيا منذ عام 2011 من الانقسامات والصراعات السياسة والمسلحة. وهذه الصراعات التي لا تكاد تهدأ حتى تشتعل مجدداً، حيث يسعى كل طرف من الأطراف إلى عزل الطرف الآخر من المشهد السياسي للانفراد به وحيداً. وليس لدى ليبيا القدرات والموارد للاستجابة السريعة للكوارث ولا سيما الإعصار “دانيال” الذي اجتاح شرق البلاد وذلك بسبب عدم وجود غرفة عمليات لإدارة أعمال الإنقاذ، كما أنّ مؤسسات الدولة المعنية غير قادرة على التنسيق في ظلّ وجود حكومتَيْن متصارعَتَيْن على السلطة.
الا أنّ التضامن مع ليبيا لم يكن على قدر الكارثة، إذ لا يزال يحكم ليبيا ظلّ الزعيم السابق معمّر القذافي الذي حكم البلاد طيلة 42 عاماً، مما دفع المجلس الرئاسي الليبي للطلب من الدول “الشقيقة والصديقة” والمنظمات الدولية تقديم المساعدة والدعم للمناطق المنكوبة.
وفي بداية العام، في 6 فبراير 2023، خلف زلزالان ضربا جنوب تركيا وشمال سوريا 50,000 من القتلى والجرحى. وعلى الرغم من حجم الكارثة، الا ان البعض اعتبرها فرصة لإظهار قيمة “الدبلوماسية البشرية” في خدمة الشعوب، وتوسيع فرص التعاون بين الدول وتجاوز الخلافات السياسية، خصوصاً في وقت الأزمات مثل الزلازل.
في المقابل، أدى الزلزالان الهائلان اللذان ضربا تركيا وشمال سوريا إلى تقليص احتمالات المصالحة السريعة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد. وكان للزلزالَيْن آثار سلبية على المصالحة، إذ كان أحد المكاسب المحتملة للأسد من المصالحة مع أردوغان هو أنه سيسرّع عملية كسر عزلته الدبلوماسية، فقد بدأ بالفعل في تحقيق ذلك مباشرة بعد الزلازل حيث تمكّن من تحسين علاقاته مع الدول العربية، بينما لم يتمكن من الاستفادة من الكارثة لكسر عزلته مع الغرب. فبالنسبة للأسد، فإن هذه الآفاق الإيجابية لكسر عزلته الدولية تقلل من أهمية المصالحة السياسية مع تركيا.
إنّ عملية إعادة قبول سوريا في العالم العربي كانت جارية بالفعل، لكن أدى الزلزال إلى تسريع هذه العملية. فبعد الكارثة، زار الأسد سلطنة عُمان ودولة الإمارات، وأجرى محادثة هاتفية مع ملك الأردن عبد الله الثاني. كما استقبل الأسد وزير الخارجية المصري سامح شكري في دمشق، وهو أعلى مسؤول مصري يزور سوريا منذ عام 2011. ولعل الأهم من ذلك أن المملكة العربية السعودية قررت إعادة فتح سفارتها في دمشق، كما قامت بدعوة الأسد للمشاركة في القمّة العربية التي انعقدت في الرياض بعد موافقة الجامعة على إعادة سوريا إلى مقعدها فيها.
أما بالنسبة لتركيا، فقد مهدت كارثة الزلزال الطريق لظهور “دبلوماسية الكوارث” معها، فالدول التي كانت علاقاتها مع تركيا غير مستقرّة مثل اليونان وأرمينيا، أظهرت الاستعداد للمساعدة والدعم، فأرسلت اليونان مساعدات على الفور إلى تركيا، على الرغم من أن تركيا واليونان كانتا على شفا مواجهة عسكرية بشأن النزاعات الإقليمية في بحر إيجه، وكان وزير الخارجية اليوناني أول مسؤول أوروبي رفيع المستوى يزور تركيا في أعقاب الزلزال.
وعلى الرغم من قطع تركيا وأرمينيا العلاقات عندما أغلقت أنقرة حدودها في عام 1993 تضامناً مع أذربيجان خلال حرب ناغورني كاراباخ الأولى، وعلى الرغم من دعم تركيا لأذربيجان في حرب ناغورني كاراباخ الثانية في عام 2020، فتح البلدان معبرًا حدوديًا لأول مرة منذ ثلاثين عامًا للسماح لفرق الإنقاذ الأرمنية والمساعدات الإنسانية بدخول تركيا والاستفادة من خبرات أرمينيا في هذا المجال بسبب الخبرة المتراكمة لديها في زلزال عام 1988 الذي أصاب أرمينيا وأفضى إلى خسائر كبيرة في الأرواح والأملاك.
يبدو أن الدول في اللحظات الصعبة تضع الصراعات جانبا، إلا أن آثار ذلك لا تدوم طويلاً، فعلى الرغم من أن الدبلوماسية في حالات الكوارث لديها القدرة على التأثير بشكل إيجابي على العلاقات الدولية وقد توفر فرصة لحل بعض الخلافات، الا أن الوقائع تظهر عدم وجود صلة وثيقة بين دبلوماسية الكوارث وحل النزاعات.
ومع ذلك، وفيما ساهمت الكوارث الطبيعية في جسر الهوّة بين دول متخاصمة، فإنّ القضايا الجذرية للخلافات لا تزال دون معالجة. فعلى الرغم من مبادرة الجزائر تجاه المغرب بعد نكبة الزلزال، الا ان الرباط لم تتجاوب معها. كما أن بادرة حسن النية من اليونان تجاه تركيا بعد زلزال 6 فبراير، لم تضع حداً لخلافاتهما على بحر ايجه والقضية القبرصية. وعلى الرغم من فتح الحدود لأول مرة بين تركيا وأرمينيا منذ ثلاثين عاماً بعد الزلزال، الا أن ذلك لم ينهِ العداء التاريخي بين البلدين ولم يدفع أنقرة الى الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن. فقليلاً ما تمتد نتائج “دبلوماسية الكوارث” إلى ما هو أبعد من الحدث الذي أثارها.

