ما بين قمتَيْ فلاديفوستوك… عهود بوتين ووعود كيم

عرض الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور على محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حين خرج عليه الأمان والعهد والميثاق إن عاد إلى الطاعة والانقياد، فكتب إليه محمد بن عبدالله: “أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي، فأيّ الأمانات تعطيني؟ أمان ابن هبيرة، أم أمان عمّك عبدالله بن علي، أم أمان أبي مسلم [الخراساني]”[1]، وكان المنصور قد أعطى هؤلاء الأمان ثمّ غدر وقتلهم جميعاً.

وقد قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: “إنّه تمّ تبنّي العقوبات الدولية السابقة ضدّ كوريا الشمالية في بيئة جيوسياسية مختلفة تماماً عن الوضع الحالي، …. في تلك الفترة كانت هناك مشاكل، ولكن بعد اعتماد القرار الأخير [في عام 2017] قلنا بحزم أنّه لن يكون هناك المزيد من العقوبات ضدّ كوريا الشمالية”.[2]

غير أنّه في الحقيقة ولدى مراجعة الوقائع عشية وغداة إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 2375 الذي اشتمل على عقوبات أممية قاسية غير مسبوقة على كوريا الشمالية مثل تحديد سقف صادرات الوقود إلى كوريا الشمالية عند 500 ألف طن سنوياً فقط مع مراقبة السفن والموانئ الكورية الشمالية لمنع ذلك، مع فرض حظر على تصدير المعادن والمنتجات والسلع الكورية الشمالية وتجميد أعمالها في الصين وغيرها من البلدان، فإنّ روسيا لم تعترض على صيغة القرار ولا على شدّته ولم تلجأ إلى حقّها في نقض القرار، بل قال وزير الخارجية الروسي لافروف بعد قيام كوريا الشمالية بتجربتها النووية السادسة في سبتمبر 2017 يجب علينا وعلى شركائنا في مجلس الأمن توجيه رسالة مشتركة إلى كوريا الشمالية لمنع انتشار الأسلحة النووية وتجربتها وضرورة الالتزام بقرارات مجلس الأمن التي كانت تحظر على كوريا الشمالية القيام بتجارب نووية وصاروخية وتفرض عليها عقوبات مغلّظة.

وقد تواطأت روسيا مع الدول الغربية عام 2017 على إصدار القرارات الأممية على كوريا الشمالية بسائق من آمال قد بسطتها روسيا لنفسها بالحصول على مكاسب استراتيجية من الولايات المتحدة بعد بلوغ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب البيت الأبيض في يناير 2017، والأماني العريضة التي تأملتها في إدارة ترامب وضعف خبرتها في السياسة والعلاقات الدولية.

وكانت روسيا تسعى إلى بناء شراكة حقيقية مع الولايات المتحدة في عهد ترامب وحلّ كثيرٍ من الأزمات وعُقْد القضايا العصية التي انتقلت من عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما حول سورية وليبيا وأوكرانيا وصربيا وغيرها من المسائل العالقة.

ولذلك سعت روسيا حثيثاً إلى بناء تلك الشراكة معها والتواطؤ في كثير من الأمور لاستدراج إدارة ترامب إلى تعاونٍ معها، ومنها التعاون في المسألة النووية لكوريا الشمالية وبرنامج صواريخها البالستية العابرة للقارات فتمالأت معها في إصدار قرارَيْن أممييْن من مجلس الأمن في عام 2016 وفي عام 2017 وذلك طمعاً في بناء تلك الشراكة.

وكانت روسيا طرفاً في اللجنة السداسية مع الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية منذ عام 2003، وما لبث أن تواطأت الصين والولايات المتحدة على إبعاد روسيا واليابان من اللجنة والاقتصار على الولايات المتحدة والصين والكوريتَيْن، فغضبت روسيا من ذلك. 

ولمّا رأت روسيا انصراف الرئيس الأمريكي السابق عن استراتيجية مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون في استخدام القوة العسكرية للقضاء على البرنامج النووي الكوري الشمالي والتوجه إلى رأي مستشاره الاستراتيجي ستيف بانون الذي أبى الفزع إلى استعمال القوة العسكرية أو تجريد حملة جوية على بيونغ يانغ. وعقد الرئيس ترامب ثلاث قممٍ مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في عامَيْ 2018-2019. أسرع الرئيس الروسي وخفّ إلى دعوة الزعيم أون إلى زيارة روسيا وألحّ عليه بوتين في الدعوة وأبطأ عليه الزعيم أون وذلك لارتيابه في نوايا ومقاصد روسيا في تسخير المسألة الكورية لأخذ إدارة ترامب ضغطة وابتزازه ونيل بعض المكاسب في أوكرانيا ووضع بعض العقوبات عن روسيا التي أثقلت كاهل الاقتصاد الروسي.

وكان الزعيم أون قد التقى أربع مرات مع الزعيم الصيني شي جين بينغ بين مارس 2018 وأبريل 2019، واجتمع ثلاث مرات مع الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن في المدة ذاتها، وأبى لقاء بوتين حتّى أبريل 2019 بعدما ألحّ عليه الرئيس الروسي في تلبية دعوته فركب الزعيم أون قطاره الخاص واجتمع مع الرئيس بوتين في مدينة فلاديفوستوك في 25 أبريل 2019 لمدة خمس ساعات.

وكانت البيئة الجيوسياسية قائمة على الصيغة التالية:

أسرف الرئيس الأمريكي ترامب في استعمال الأدوات الاقتصادية في الفضاء السياسي فوضع عقوبات ورسوماً جمركية هائلة على الصلب والألمنيوم على الصين 25%، 10% على التوالي وفرض رسوماً أخرى بقيمة 300 مليار دولار على واردات صينية أخرى إلى الولايات المتحدة ولم يسلم الاتحاد الأوربي من الرسوم الجمركية لترامب.

وقام ترامب بإعادة هيكلة وهندسة قطاع الطاقة الأحفورية فانخفضت أسعار الخام والغاز إلى نطاق [25 – 40] دولاراً لبرميل برنت ثمّ ارتفع قليلاً وانخفضت عائدات روسيا من الخام.

كما قام ترامب بإعادة صياغة اتفاقيات تجارية سابقة مع شركاء الولايات المتحدة مثل اتفاقية النافتا مع كندا والمكسيك واتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية وانسحب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي.

لقد خلط الرئيس الأمريكي ترامب الاقتصادي بالجيوسياسي والاستراتيجي خلطاً شديداً فاضطربت البيئة الجيوسياسية العالمية، واستفحل الصراع الاقتصادي مع الصين وروسيا وغيرهما.

فأرادت الصين استثمار علاقاتها التاريخية مع كوريا الشمالية لأخذ الولايات المتحدة ضغطة والحصول على مكاسب في المفاوضات التجارية مع وزير الخزانة الأمريكي يومئذ ستيفن منوتشين.

وأرادت روسيا أيضاً استعمال علاقاتها مع كوريا الشمالية للضغط على الولايات المتحدة واستخدامها أداة في التفاوض مع واشنطن.

ولما رأت كوريا الشمالية انصراف الصين وروسيا إلى تحقيق مصالحهما والسعي إلى استخدام البرنامج النووي الكوري الشمالي أداة في مفاوضاتهما مع واشنطن ذهبت بيونغ يانغ إلى التفاوض مباشرة مع واشنطن فالتقى الزعيم كيم يونغ أون بالرئيس الأمريكي في يونيو 2018 في سنغافورة.

ولم يَدَعْ الزعيم الكوري الشمالي الصين ولا روسيا بتسخير برنامج بلاده النووي ليكون وسيلة في سوق الموارد الاستراتيجية للتفاوض عليه مع واشنطن.

ومكث الأمر على حاله حتى فشا وباء كورونا عام 2020 في العالم ثمّ قامت روسيا بتجريد حملتها العسكرية على أوكرانيا منذ فبراير 2022، وغرقت روسيا في مستنقع استنزاف قدراتها ومواردها العسكرية وأشرفت بعض ذخائرها على النفاد وعجز مجمعها الصناعي العسكري عن استدراك ما استهلكته الحرب من أسلحة وذخائر، وعجزت إيران عن رميها بالامدادات العسكرية وخاصة بالطائرات المسيّرة، نظرت روسيا إلى كوريا الشمالية لمدّها ببعض الذخائر وخاصة قذائف المدفعية 155 ميدان الثقيلة التي يعاني الجيش الروسي نقصاً شديداً منها، وقد ألحّ الجيش الأوكراني منذ أشهر في هجومه المضادّ على كسر خطوط الدفاع الروسية في الجنوب والشرق.

فجاءت القمة الثانية بين الرئيس الروسي بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في مدينة فلاديفوستوك ذاتها في 13 سبتمبر 2023 في بيئة جيوسياسية مختلفة عمّا كانت عليه في عام 2019.

لعلّه في عام 2019 لم تكن روسيا ولا الصين تكابدان رهقاً في المجال الاستراتيجي بل اقتصر الضغط على الأفق الاقتصادي الذي ذهب فيه ترامب إلى غاية قصوى.

بينما اليوم أعجزت الولايات المتحدة وحلفاؤها الصين وروسيا وكوريا الشمالية رهقاً في المجال الاستراتيجي، حيث تعاني روسيا شدّة وعجزاً في حربها في أوكرانيا، وتحيط الولايات المتحدة وحلفاؤها الصين بثلاثة أحزمة استراتيجية في جوارها والمحيطَيْن الهادي والهندي (انظر دراستنا السابقة عن حزام AUKUS وحزام كواد وحزام JUSK ففيها مزيد بيان)، وأقامت الولايات المتحدة لأوّل مرة حلفاً يضمّ اليابان وكوريا الجنوبية معها منذ قمة كامب دايفيد في يوليو 2023 بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الكوري الجنوبي يون سيوك يول ورئيس وزراء اليابان فوميو كيشيدا بعد اتفاقية الدفاع المعزّز بين واشنطن وسيول في أبريل 2013 التي تنقل بعض السيادة على الأسلحة النووية الأمريكية عند نقلها إلى كوريا الجنوبية إلى سيول مما يعني المشاركة في المسؤولية النووية، وقد أرسلت واشنطن لأول مرة منذ عام 1992 غواصة نووية إلى كوريا الجنوبية وقاذفات استراتيجية B52، B1B مع حاملات طائرات والقيام بعدّة مناورات وتدريبات بحرية وجوية مشتركة مع كوريا الجنوبية واليابان مما أخاف وأغضب كوريا الشمالية.

إنّ البيئة الجيوسياسية الحالية تدفع الصين وروسيا وكوريا الشمالية للتعاون الاستراتيجي وإقامة تحالف موضوعي بينهم تمليه الوقائع الميدانية.

لقد أكرم الرئيس الروسي بوتين وفادة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وأحسن استقباله ورفعوا الأنخاب، وتحدّث الطرفان عن إقامة تحالف لمدّة 100 عام.

تستطيع روسيا تزويد كوريا الشمالية بالبترول والغاز والحبوب والسلع الغذائية الأخرى التي تحتاجها بيونغ يانغ، وتستطيع تزويدها بطائرات سوخوي بأنواعها وميغ بأنواعها بسبب ضعف سلاح الجو الكوري الشمالي مع حاجة بيونغ يانغ إلى تكنولوجيا الأقمار الصناعية حيث عجزت عن وضع قمر صناعي في مداره وأخفقت في تجربتها في شهر يونيو 2023، كما تستطيع روسيا تزويدها بغواصات حديثة.

بينما تستطيع كوريا الشمالية تزويد روسيا بجميع أنواع الذخائر من مدافع الميدان الثقيلة إلى قذائف الدبابات وقذائف مدافع الهاون وغيرها من أنواع الذخائر التي تحتاجها روسيا في ساحة القتال في أوكرانيا.

ولن يمنع تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على روسيا وكوريا الشمالية عن عقد صفقات سلاح بينهما.

غير أنّه إذا تغيّرت البيئة الجيوسياسية الحالية فهل تأمن كوريا الشمالية ألا تعود روسيا الى سيرتِها عامَيْ 2016 و2017 وما قبلهما، حين سعت روسيا لتحقيق مصالحها مع الولايات المتحدة والغرب وأعرضت عن استعمال حقها في نقض قرارات مجلس الأمن الدولي.

وكما ذكرنا في صدر المقالة قول محمد بن عبدالله لأبي جعفر المنصور عن عهده فلعلّ الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يسأل بوتين عن وعده للرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكا بألّا يمس زعيم مجموعة “فاغنر” يفغيني بريغوجين إذا سعى بالصلح معه، أم عن وعده لبريغوجين ألا يقتله، أم عن إنكاره بغزو أوكرانيا قبل فبراير 2022، أم عن وعده للرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين بالسير على دربه في الحكم حين عهد بالأمر إليه أم… أم…

ولعلّ الرئيس بوتين أيضاً يرتاب في عهود الزعيم أون إن كانت على مثل عهده لزوج عمته غانغ سونغ ثايك الذي وطّأ له المنابر والحكم، حتى إذا صفا له الأمر قتله عام 2013.

أم عهده لأخيه غير الشقيق كيم جونغ نام الذي اغتاله في كوالالمبور بماليزيا عام 2017، أم عهده لرئيس أركان الجيش الكوري ري يونغ جيل الذي قتله عام 2016، وكان من رفاق جدّه الزعيم كيم إيل سونغ.

وكما تجمع البيئة الجيوسياسية الضاغطة الصين وروسيا وكوريا الشمالية في حلف موضوعي فإنّ مصالحهم قد تفرقهم حين تسير كلّ دولة لبلوغ مصالحها في التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، وحينها ينقض كلّ طرف عهده للآخر.


[1] تاريخ الإسلام، المؤرخ الذهبي، م4 ص 13، دار الكتب العلمية – لبنان – بيروت – 2005.

[2] arabic.rt.com, 13-9-2023.

الدكتور محمد وليد يوسف

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الأبحاث والدراسات في السياسة والاقتصاد ونقض التاريخ. وله العديد من الكتب، منها: 1- جوهر النظام الدولي 2- القوانين السياسية المادية 3- أزمة الدولة في العالم الاسلامي 4- تاريخ الادارة و بنى الدولة في الاسلام 5- الأشاعرة والمجتمع والدولة 6- مبادئ السياسة و قواعد الحكم في الاسلام 7- المال في الاسلام 8- السياسة … القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية
زر الذهاب إلى الأعلى