الولايات المتحدة تطارد نفوذ حلفائها…. فرنسا في أفريقيا مثالُ ساطعُ

قال علي بن أبي طالب يوم التحكيم في دومة الجندل سنة 37 هـ الموافق لسنة 658 م: “يا ابن عبّاس: ما أصنع؟ إنّما أؤتى من أصحابي، قد ضعفت بينهم وكلّوا من الحرب”[1]، وكان معاوية بن أبي سفيان قد حكّم عمرو بن العاص ولمّا أراد علي بن أبي طالب تحكيم عبد الله بن عباس أو الأحنف بن قيس أبت عليه اليمانية وقالوا: لا ينفرد بالأمر مضريان حتى يكون أحدهما يمانياً.

وكذا فرنسا تؤتى من حلفائها الولايات المتحدة وبريطانيا، وقد وهنت في العالم وفي مستعمراتها السابقة، وهان أمرها في افريقيا حتّى أخرج المجلس العسكري الحاكم في مالي بقيادة الكولونيل آسيما غويتا قوات “برخان” الفرنسية من مالي عام 2022، ثمّ ثنى المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو بقيادة الكولونيل إبراهيم تراوري بإخراج القوات الفرنسية من بلاده في عام 2023، كما يلجّ المجلس العسكري الحاكم في النيجر منذ نهاية يوليو 2023 في رحيل القوات الفرنسية (1600 عنصر) عن أراضيه، وزاد على ذلك بطرد السفير الفرنسي من نيامي عاصمة النيجر. وكلّ ذلك وحلفاء فرنسا في غمرة حيرتها وضعفها وعجزها عن اصلاح أمرها ينتظرون عمّا تنجلي علاقات باريس مع عواصم مستعمراتها السابقة.

وهذه بريطانيا تفتح باب الكومنولث أمام دول فرنكفونية سابقة انتظمت في نسقها مثل الكاميرون وتشاد وتوغو لتزيد في حرج فرنسا.

بينما تتربّص الولايات المتحدة بكلّ سقطة أو إخفاق أو تراجع فرنسي في العالم عامة وفي افريقيا خاصة، فأعرضت واشنطن عن نعت خلع الحرس الرئاسي للرئيس محمد بازوم من منصبه انقلاباً عسكرياً لدرء العواقب القانونية التي تلزم عن ذلك بما فيه تجميد المساعدات العسكرية والمالية والفنية وفرض عقوبات وقيود على القيادات الجديدة وإيقاف الاتصالات الدبلوماسية والعسكرية بهم، وقد زارت وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند النيجر بعد أيام قليلة واجتمعت بضابط الارتباط بين الأمريكيين والنيجر الجنرال موسى بارمو من غير حرج وإن عجزت عن لقاء الرئيس المحجور محمد بازوم والزعيم الجديد عمر عبدالرحمن تشياني[2] وقد رأت فرنسا ذلك غدراً وطعناً في التحالف، وزاد الأمر سوءً إمساك واشنطن عن وصف حركة الضباط في الغابون وخلع الرئيس علي بونغو من الحكم في أغسطس 2023 بالانقلاب العسكري وهو حليف وابن حليف قديم وثابت لفرنسا في افريقيا.

ولعلّ الراصد السياسي يذهب إلى أنّ روسيا حريصة على مطاردة ووأد النفوذ الفرنسي في افريقيا – وهي كذلك ولا بدّ – غير أنّه يغفل عن أنّ الولايات المتحدة الأمريكية أشدّ حرصاً من روسيا والصين على مطاردة النفوذ الفرنسي في افريقيا.

ولا ريب أنّ روسيا من خلال أداتها العسكرية الخاصة فاغنر – قبل أن يضعف أمرها بمقتل قائدها يفغيني بريغوجين في أغسطس 2023 – قد أزالت فرنسا عن بعض مواقعها ومعاقلها التقليدية في افريقيا مثل جمهورية افريقيا الوسطى حتى بلغ نفوذها أن أحاطت الرئيس فوستان آرشانج تواديرا بحماة وحرس من عناصرها الخاصة، وكذلك كشفتها عن أمنع حصونها في مالي وبوركينا فاسو، وتنازعها منذ مدّة في معقلها التقليدي تشاد، حيث نازعها الاتحاد السوفياتي السابق وليبيا في عهد القذافي منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين النفوذ والسيطرة، فناصرت حيناً الرئيس كوكوني عويدي ثمّ ناصرت منافسه الرئيس حسين هبري وأرغمت الجيش الليبي على الانسحاب من شمالي تشاد عام 1987 يجرّ أذيال الهزيمة والخسارة، واستقرّ وسكن الأمر بعد ذلك لحليفها الرئيس إدريس ديبي حتى هلك في أبريل 2021، وتناصر ابنه الجنرال محمد إدريس ديبي منذ ولايته الحكم، إلا أنّ روسيا تنازعها الآن النفوذ في تشاد أيضاً.

إلا أنّها وفي واقعة سياسية كوانتية خالصة تجتمع فرنسا وروسيا وقوات اللواء خليفة حفتر في بنغازي على قتال المعارضة التشادية ودعم حكومة أنجمينا، حين قصف الروس والفرنسيون وقوات حفتر قواعد المعارضة التشادية في جنوب ليبيا وشمال تشاد في شهر أغسطس 2023.

أن تنازع روسيا فرنسا نفوذها في افريقيا فهذا أمر سائغ كلاسيكياً.

أمّا أن تنازع وتطارد الولايات المتحدة النفوذ الفرنسي في افريقيا فليس بسائغ كلاسيكياً.

وهذا ليس بدعاً في تاريخ العلاقات الأمريكية مع حلفائها مذ أن غدت الولايات المتحدة قطباً في النظام الدولي عام 1945.

فقد أبهتت واشنطن لندن في قمّتَيْ يالطا وبوتسدام في شتاء وصيف عام 1945 حين أحبطت سعي بريطانيا بقيادة ونستون تشرشل حينها في حفظ منزلتها كقطب عالمي منذ أكثر من قرنَيْن قبل ذلك، وحرمتها من تقاسم وتشاطر غنائم الحرب العالمية الثانية ومنعتها من تقسم أوربا إلى دوائر نفوذ تكون لبريطانيا دائرة نفوذ حصرية فيها، ومنعتها من بسط نفوذها في البحر المتوسط، وجنحت الولايات المتحدة إلى تقاسم النفوذ والسيطرة مع الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين وأعرضت عن مثل ذلك مع بريطانيا وأقصت فرنسا نهائياً عن ذلك في واقعة سياسية كلاسيكية عجيبة.

ولما قام الرئيس المصري جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس عام 1956 وعزمت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل على غزوها اجتمعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على رفض وإنكار ذلك، وحذر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور الدول الثلاثة من تجريد الحرب على مصر، وأمر بحرمان بريطانيا من القروض الأمريكية وقروض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي كانت بريطانيا بحاجة شديدة إليها لإصلاح أزمتها الاقتصادية العميقة وإصلاح أزمة صرف الجنيه الاسترليني الذي كان يتعرّض لضغوط هائلة، وهدّد الزعيم السوفياتي نيكيتا خرتشوف باستعمال السلاح النووي ضدّهم فانكفأت الدول الثلاثة عن الحرب وظهر عبدالناصر منتصراً.

وكما خيّبت الولايات المتحدة أمل بريطانيا في حماية بقايا إمبراطوريتها في مصر وشرقي السويس وفي آسيا عام 1956، فإنّها كانت قد سبقت إلى قطع رجاء وأمل فرنسا في حماية إمبراطوريتها وخاصة في آسيا والهند – الصينية، حيث أعرضت عن إنقاذ الجيش الفرنسي في معركة ديان بيان فو عام 1954 أمام الجيش الفيتنامي بقيادة هو شي منه، وقد استغاث الفرنسيون بالحلفاء الأمريكيين واستصرخوهم لنجدتهم، فأبى الأمريكيون إغاثتهم وكانت القاذفات الأمريكية في جزيرة غوام قادرة على مساعدتهم وقصف مواقع الجيش الفيتنامي ونصرة الفرنسيين.

غير أنّ الأمريكيين قد وضعوا استراتيجيتهم منذ عام 1945 على قاعدة أن يحلّ النفوذ الأمريكي مكان النفوذَيْن البريطاني والفرنسي اينما كانا بسائق من علم واشنطن بأفول هذَيْن القطبَيْن، وضرورة رحيل قواتهما عن مستعمراتهما المنتشرة حول العالم.

فأما بريطانيا فقد أدركت مرامي الولايات المتحدة وأحاطت علماً بمقاصدها فانقادت لذلك، وألقت إليها بمقاليد النفوذ في دوائرها الجيوسياسية التقليدية، وحسمت أمرها وبدأت بالجلاء عمّا وراء البحار والمحيطات حتّى أكملت انسحابها من مستعمراتها مع مطلع سبعينيات القرن العشرين وحلّ النفوذ الأمريكي مكان النفوذ البريطاني في أكثر مستعمراتها ودوائر نفوذها الجيوسياسي السابق.

وأمّا فرنسا فلا تزال تكابر وتعاند لأسباب جيوسياسية واقتصادية وثقافية، وتصابر على حماية نفوذها فيما وراء البحار والمحيطات عامة وافريقيا خاصة.

لقد حملت الولايات المتحدة فرنسا على الجلاء عن سورية ولبنان والجزائر والسنغال وغيرها من البلدان في الشطر الثاني من القرن العشرين.

وبسائق من الخشبية السياسية الفرنسية منذ عهد الرئيس فرانسوا ميتران (1981 – 1995) ودوامها في عهود جاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرانسوا أولاند ومراهقة سياسية عجيبة وعبثية استراتيجية في عهد إيمانويل ماكرون منذ عام 2017، فإنّ فرنسا تخسر مواقعها ومعاقلها الأخيرة في افريقيا.

لقد أظهر الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مقابلته الشهيرة مع مجلة أتلانتيك عام 2016 التي بسط فيها القول عن العلاقات الدولية والوقائع السياسية العالمية ورأي الإدارة الأمريكية فيها (مبدأ أوباما) الندم على سير الولايات المتحدة في ركاب مخطط الرئيس الفرنسي ساركوزي بقصف ليبيا وإزالة نظام حكم القذافي وتدمير البلاد من غير بديل يحلّ مكانه، وافترقت منذئذ السياسة الأمريكية عن السياسة الفرنسية في ليبيا، فتمالأت واشنطن مع حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج وساندتها في المحافل الدولية، ولما جرّدت قوات اللواء خليفة حفتر حملتها على طرابلس للسيطرة عليها بدعم روسي – فرنسي – سعودي – إماراتي دفعت الولايات المتحدة تركيا لإرسال قواتها إلى طرابلس عبر البحر المتوسط عام 2019 حتى كادت السفن التركية أن تقاتل السفن الفرنسية والألمانية حين فتحت راداراتها وأنذرتها في البحر عندما كانت تلك السفن تقوم بتنفيذ قرار مجلس الأمن بحظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا وتعمل وفق “عملية إيريني” التي توافق فيها البلدان الأوربية بمنع تدفق السلاح والمرتزقة إلى ليبيا.

لقد ساندت واشنطن أنقرة في ليبيا ومنعت فرنسا من السيطرة على ليبيا بمنع سقوط طرابلس بأيدي قوات حفتر عام 2020.

كما أوقعت الولايات المتحدة فرنسا في فخّ قتال الحركات الإسلامية المتشدّدة في منطقة الساحل والصحراء في عملية “برخان” منذ عام 2013، ولم يزل أمر فرنسا في إدبار في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وافريقيا الوسطى وأمر الولايات المتحدة في إقبال، حتى ظهر ذلك ساطعاً في النيجر حيث أعلن الجنرال جيمس هيكر القائد الأعلى للقوات الجوية الأمريكية في أوربا وافريقيا “استئناف الجيش الأمريكي تحليق طائرات دون طيار وطائرات خارج القواعد في النيجر بعد أكثر من شهر على الانقلاب”[3]، وكأن اجتماع فيكتوريا نولاد مع الجنرال موسى بارمو قد أفضى إلى إرساء معادلة إمساك أمريكي عن وصف الحركة في النيجر بالانقلاب العسكري مقابل بقاء القاعدتَيْن العسكريتَيْن الأمريكيتَيْن في نيامي وأغاديز (على بعد 920 كم عن نيامي) مع 1100 جندي أمريكي فيهما واستمرار طلب المجلس العسكري الحاكم برحيل القوات الفرنسية من النيجر حتى تخلو منطقة الساحل والصحراء من النفوذ الفرنسي، ليحلّ مكانه النفوذ الأمريكي، بعد وهن شديد في النفوذ الروسي منذ مقتل قائد مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين وبداية زوال واندثار المجموعة الروسية الخاصة.

ومع غياب المصالح الصينية عن مالي وبوركينا فاسو، وضعف نفوذها في النيجر فإن الولايات المتحدة ستتفرّد بالنفوذ في تلك المنطقة خلال الأعوام القادمة.

وكما فوجئت فرنسا وأُتيت من حلفائها في اتفاق AUKUS في نهاية عام 2021 حين نقضت أستراليا اتفاقية بقيمة 50 مليار دولار مع فرنسا لصنع غواصات لها ودخلت في تحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وتزويدها بغواصات نووية لنشرها في المحيط الهادي ورمي فرنسا الولايات المتحدة وبريطانيا بالغدر والخيانة والكذب ونعتت حلف الناتو بأنّه يحتضر، فإنّ فرنسا تؤتى من قبل حلفائها في افريقيا، كما قال علي بن أبي طالب يوم التحكيم بأنّه إنّما يؤتى من أصحابه.

لقد عزمت الولايات المتحدة على نشر نفوذها الاستراتيجي في افريقيا منذ إنشاء قوة افريكوم مع مطلع الألفية الثالثة وعقد القمم الأمريكية – الافريقية منذ أوّل قمة عام 2014 في عهد الرئيس باراك أوباما وزيادة الاستثمارات والمساعدات والقروض والتعاون التقني والعلمي والتكنولوجي مع بلدان افريقيا ومطاردة النفوذ الصيني والنفوذ الفرنسي واحباط سعي روسيا نشر نفوذها فيها.


[1] تاريخ الإسلام، المؤرخ الذهبي، ص194 م 2، دار الكتب العلمية، لبنان – بيروت، 2005

[2] arabic.cnn.com, 8-8-2023

[3] www.skynewsarabia.com, 14-9-2023.

الدكتور محمد وليد يوسف

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الأبحاث والدراسات في السياسة والاقتصاد ونقض التاريخ. وله العديد من الكتب، منها: 1- جوهر النظام الدولي 2- القوانين السياسية المادية 3- أزمة الدولة في العالم الاسلامي 4- تاريخ الادارة و بنى الدولة في الاسلام 5- الأشاعرة والمجتمع والدولة 6- مبادئ السياسة و قواعد الحكم في الاسلام 7- المال في الاسلام 8- السياسة … القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية
زر الذهاب إلى الأعلى