روسيا تخرج من جنوب القوقاز

قال القعقاع بن عمرو التميمي للزبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله يوم الجمل: “قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة إلا رجلاً، فغضب لهم ستة آلاف، واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم”.[1]
وكذا كانت روسيا قبل عام 2020 وقبل أن تجنح وتتواطأ مع تركيا في سورية حتى أعجز ذلك سورية وحلفاءها سبل إخراج تركيا من الأراضي السورية، وقبل أن تتمالأ معها ومع أذربيجان في حربها على أرمينيا وهزيمتها في مقاطعة قره باخ (آرتساخ)، وقبل أن تجرّد حملتها العسكرية على أوكرانيا في فبراير 2022 وتغرق في حرب استنزاف القدرات والموارد العسكرية والمالية والبشرية والعلمية وغيرها. فإنّها كانت أقرب إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وحفظ الاستقرار الجيوسياسي في القوقاز وعلى حدودها الغربية وفي سورية وأفريقيا.
وكما أفضت حربها على أوكرانيا إلى خلاف مقاصدها قاطبة كما ذكرنا ذلك في دراسة “روسيا واوكرانيا بين النيوتنية والكوانتية… ظهور القطب الاوكراني – البولندي في أوربا” (فانظر هناك ففيها مزيد بيان) فإن تواطؤها منذ عام 2020 مع أذربيجان وتركيا وبعد بلوغ ذلك ذروة غير مسبوقة في 20 سبتمبر 2023 بتجريد أذربيجان حملة “أنشطة مكافحة الإرهاب،…. وتحييد بنية أرمينيا العسكرية، واستعادة النظام الدستوري بجمهورية أذربيجان”[2]، سيفضي إلى خلاف مصالحها الاستراتيجية بخروجها من جنوب القوقاز وإعادة التركيب الجيوسياسي في هذه المنطقة بما يضرّ بمصالح روسيا الحيوية ويقوّض وجودها فيها ويغلق قواعدها العسكرية هناك رغم سعيها وحرصها على إقامتها وتثبيتها لمدة طويلة من الزمن للدفاع عن نفوذها في المنطقة التي تتزاحم فيها المصالح وتتدافع عليها الخصوم والمتنافسون من الإقليم مثل إيران وتركيا وإسرائيل ومن خارجها مثل الصين والولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوربي والهند.
ولعلّ روسيا وجدت في مثال الصراع بين أوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان على موارد المياه والأنهار وإقامة السدود عليها حين أصابت منهم فرصة في إقامة قواعد عسكرية طويلة الأمد إلى عام 2040 في قرغيزستان وطاجيكستان لحمايتهما من السطوة الأوزباكية في عام 2018 لتصنع مثل ذلك في جنوب القوقاز وتصيب فرصة من الصراع بين أذربيجان وأرمينيا على مقاطعة قره باخ (آرتساخ) لإقامة قواعد عسكرية جديدة في المنطقة، حيث ذهب نص اتفاقية وقف إطلاق النار بين باكو ويريفان عام 2020 في موسكو على نشر قوات حفظ سلام روسية لمدة خمس سنوات لمراقبة الوقائع على الحدود بينهما.
إلا أنّ القياس بين الحالتَيْن باطل بسائق من اختلاف البيئة الجيوسياسية والزمنية بين المنطقتَيْن.
ففي الحالة الأولى كانت روسيا تزهو بانتصارها في ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، ولم يزل بريق انتصارها يأخذ أبصار حلفائها في وسط آسيا، كما كانت روسيا تخوض معارك انتصرت فيها مع حلفائها في سورية، ولم يكن من عزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرهاق روسيا أو خوض حرب استنزاف معها. ففرضت سطوتَها في وسط آسيا، وجردت حملة أمنية عاجلة وخاطفة في كازخستان في يناير 2022 وأعادت السكينة والهدوء والاستقرار إليها ولم تنازعها الصين أو إيران أو تركيا النفوذ هناك يومئذ.
بينما تفارق البيئة الجيوسياسية في عام 2023 وفي القوقاز البيئة الجيوسياسية السابقة.
فالغرب منذ غزو روسيا أوكرانيا يريد الإحاطة بروسيا وحصارها جيوسياسياً، حيث انضمّت فنلندا والسويد إلى حلف الناتو ليأخذ روسيا في الشمال ضغطة ويشدّد الخناق عليها في بحر البلطيق بحيث إذا أطبقت السويد والدانمارك على مضيق وبوابة بحر البلطيق تعذّر على روسيا العبور إلى العالم الخارجي منه.
كما ينشط حلف الناتو في البحر الأسود الذي هيمنت عليه روسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي مدّة طويلة من الزمن باعتباره بحراً حيوياً للمصالح الاستراتيجية الروسية والاتصال بالبحر المتوسط وافريقيا وجنوب وشرق أوربا عبره، ويزاحم الناتو روسيا اليوم فيه حتى يجعله أضيق عليه من بحر آزوف.
بينما تتزاحم مصالح تركيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي في جنوب القوقاز، وتتنازع هذه الأطراف النفوذ ومواطئ القدم فيها.
قد رمى رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان روسيا وقواتها لحفظ السلام بالعجز عن حماية الأرمن المدنيين في قره باخ (آرتساخ) وأنكر عليه ذلك الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف[3]، حيث تذهب أرمينيا إلى اتهام روسيا بالغدر والخيانة والتواطؤ مع أذربيجان وتركيا في إعادة ضمّ الإقليم إلى السيادة الأذرية.
ولعلّ مصالح عاجلة وتكتيكية تحمل روسيا إلى الجنوح إلى أذربيجان وتقديمها على مصالح استراتيجية دائمة مع أرمينيا. حيث غضبت روسيا منذ عام 2018 بعد بلوغ نيكول باشينيان الحكم في أرمينيا بعد أعمال شغب ومظاهرات خلعت السلطة السابقة الموالية لموسكو، وزاد الريب لدى موسكو حين لمست جنوحاً من الحكم الجديد في يريفان إلى الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة.
وتسلك روسيا استراتيجية خاطئة منذئذ، حيث تسوق هذه الاستراتيجية إلى أن تخرج أرمينيا من معاهدة الأمن الجماعي التي تربطها بروسيا وتخلع ربقة الانتظام في الاتحاد الأوراسي الذي تقوده موسكو، وقد تشخص ببصرها إلى الانضمام إلى حلف الناتو – رغم اعتراض تركيا – مما سيرهق ذلك روسيا ويعجزها عن الحركة ويثقل كاهلها بالقيود الأمنية الاستراتيجية في الشمال والغرب والجنوب، وستذهب أرمينيا إلى طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوربي أيضاً، مما يجعل الغرب مع بنيته العسكرية والاقتصادية على حدودها الجنوبية، وعندها ستطلب أرمينيا من روسيا إغلاق قاعدتَيْها العسكريتَيْن على أراضيها بعدما ظهر لها إخفاقها وقعودها عن حمايتها وصون حدودها ومصالحها وإعراضها عن ردّ غائلة أذربيجان عنها.
وستفضي سياسات روسيا في القوقاز إلى ظهور وإتمام ممرّ زانجيزور الذي يربط أذربيجان بتركيا عبر الأراضي الأرمينية التاريخية وإقليم ناخيتشيفان وتسعى تركيا إلى بنائه منذ أمد لتصل وسط آسيا التركي والصين بأوربا وتجعل تركيا مركزاً للنفط والغاز والسلع وخطوط الطاقة والمعلومات بعد إزالة العقبات الجيوسياسية أمامها بإعادة قره باخ (آرتساخ) إلى أذربيجان مما يضعف أرمينيا ويوهنها بحيث تعجز عن سعي تركيا وأذربيجان في إقامة ممرّ زانجيزور قسراً ورغم معارضة يريفان، حتى إذا استقرّ لأنقرة وباكو الأمر في جنوب القوقاز ستطلب أذربيجان من روسيا إخراج قواتها وقواعدها من إقليم قره باخ (آرتساخ)، وإن أبت روسيا أخرجوها عنوة بعدما هان أمرها وضعف جيشها في حرب أوكرانيا وظهر عجزها وانكسرت شوكتها، ولن تخشى أنقرة وباكو غائلة غضب روسيا وإخراجها قسراً من جنوب القوقاز، لتخلو هذه المنطقة من الوجود الروسي الفيزيائي والوجود بالفعل أو بالنفوذ والقوة منذ ثلاثة قرون.
كما تفضي استراتيجية روسيا الخاطئة إلى صنع مخاطر جيواستراتيجية لإيران بسائق من تغيير التركيب الجيوسياسي، حيث حمل هذا الهاجس إيران على التحذير من ذلك فقال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي: “إنّ طهران ترفض أي تغيير في الحدود الإيرانية القائمة مع أرمينيا”[4]، حيث يحدق بإيران عدة أخطار:
- إنّ انضمام أرمينيا إلى الناتو يقرّب بنيته العسكرية إلى حدود إيران ويجعل قعقعة الأسلحة الاستراتيجية ومناورات قواته على أعتاب طهران.
- إنّ إقامة ممر زانجيزور سيقوّض قواعد إقامة ممرّ (شمال – جنوب) الإيراني – الروسي، ويهدّد أرمينيا بالزوال أو التبعية الجيوسياسية لتركيا، بعد عقود من التحالف الإيراني – الأرمني ممّا يقوّض التوازن الاستراتيجي الإقليمي لتركيا على إيران.
- إنّ غلبة أذربيجان وقوة شوكتها يحملها على التحالف مع إسرائيل واستضافة قواعد لوجستية وأمنية لها على أراضيها مما يهدّد استقرار ووجود النظام في إيران، وذلك بعد نشأة التحالف التركي – الإسرائيلي – الأذري والذي قد يستدرج دولاً أخرى مثل السعودية والإمارات ومصر وباكستان إليه للإحاطة بإيران وإرهاقها.
إن خروج روسيا من جنوب القوقاز سيدفع الغرب والصين على المنافسة على وسط آسيا ويجعلها اكثر جرأة على الاستطالة في الدائرة الجيوسياسية الوحيدة الباقية من النفوذ الروسي، ويحمل الغرب على ضم جورجيا إلى حلف الناتو بعد ثورة الناس على حكومة إراكلي غاريباشفيلي وريثة نظام الحلم الجورجي الذي أبطأ من جنوح جورجيا إلى الغرب وأصلح العلاقات مع روسيا بعد سياسات الرئيس السابق ميخائيل ساكاشفيلي المعادية لروسيا.
كما سيضعف ذلك النفوذ الروسي في سورية وليبيا وافريقيا.
ولعلّ جنوح الرئيس الروسي بوتين إلى تقديم المصالح العاجلة الزائلة على المصالح الدائمة وتقديم التكتيكي على الاستراتيجي – علاقات روسيا مع تركيا مثال ساطع – وجنوحه إلى الانتقام وشفاء غليل صدره الشخصي يسوق إلى تقويض مصالح استراتيجية كبرى لروسيا.
لعلّ الرئيس بوتين قد شفا صدره حين قُتل زعيم مجموعة فاغنر يفغيني بريغوجين وجعله عبرة لغيره في روسيا غير أنّه أضاع جهوداً كبرى ومصالح استراتيجية لروسيا في افريقيا كانت ترعاها فاغنر التي تضعف وتسير إلى الزوال والاندثار.
وكذلك فإنّ الرئيس بوتين قد يكون أطفأ غضبه على رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان بسبب سياساته التي تميل إلى الغرب وتذهب إلى التحالف معه إلا أنّه قد أزال الوجود الروسي في جنوب القوقاز، فما كان أغناه عن ذلك.
ولعلّ روسيا كانت أقرب إلى حماية مصالحها وحفظ مجالها وأفقها الحيوي وصيانة منزلتها القطبية قبل عام 2020 منها اليوم، كما ذهب إلى ذلك القعقاع بن عمرو حين أشار على الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله قبل خوض وقعة الجمل سنة 36 هـ.
[1] تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك، محمد بن جرير، بيروت، دار الفكر، 2002، المجلد الخامس، ص 247.
[2] arabic.cnn.com,20-9-2023.
[3] arabic.rt.com, 5-9-2023.
[4] aawsat.com,22-9-2023.

