الشراكة الاستراتيجية الأمريكية – الفيتنامية.. هل تنحاز هانوي لواشنطن أم لبكّين؟

إعداد: الزميلة غير المقيمة جميلة خضر

الشراكة الاستراتيجية الأمريكية – الفيتنامية.. هل تنحاز هانوي لواشنطن أم لبكّين؟
وقّعت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاق “شراكة استراتيجية” مع فيتنام في سبتمبر 2023. وقد تمّ توقيع هذا الاتفاق بعد زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى العاصمة الفيتنامية هانوي، حيث حضر قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في الهند. ويتمثل هذا الاتفاق في تعزيز العلاقات بين البلدين إلى “مستوى تاريخي جديد” و”فتح فصل جديد في تلك العلاقات”.
بعد سنوات من الجهد والضغط الدبلوماسي من جانب الولايات المتحدة، تمثل هذه الشراكة ميلادًا جديدًا في العلاقات الأمريكية – الفيتنامية. وتعكس هذه الشراكة مكانة بارزة للولايات المتحدة في العلاقات الثنائية مع فيتنام وتظهر التزامًا أكبر بتعزيز التعاون في مجموعة متنوعة من المجالات.
وتشير التطورات الإقليمية إلى أنّ الولايات المتحدة تنظر إلى دول آسيا النامية على أنها شريكة استراتيجية مهمة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، بما في ذلك التحديات المتعلقة بالتوسع الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتأتي فيتنام في صدارة تلك الدول نظرًا لدورها الحيوي كدولة تقع على الحدود البحرية مع الصين ومشاركتها في قضايا بحر الصين الجنوبي، حيث أثارت الادعاءات الصينية بالسيادة الكاملة على تلك المياه قلقًا دوليًا وإقليميًا.
ويمكن رؤية تحسّن العلاقات بين الولايات المتحدة وفيتنام كتطور إيجابي مهم، خصوصًا بعد نحو نصف قرن من انتهاء حرب فيتنام والصراعات التاريخية بين البلدين. حيث وبعد انتصار الحزب الشيوعي في فيتنام في عام 1975، فُرضت عقوبات تجارية من قبل الولايات المتحدة على فيتنام، واستمرت حتى عام 1994.
لمحة تاريخية:
خلال حوالي عشرين عامًا من الصراع في جنوب شرق آسيا، فقدت الولايات المتحدة الأمريكية أرواح نحو 58 ألف جندي أمريكي. هذا الصراع لم يكن مجرد تجربة عسكرية بل أثّر بشكل كبير على السياسة والثقافة في الولايات المتحدة.
وفي 29 مارس عام 1973، أنهت الولايات المتحدة ما يُعرف بـ”القيادة العسكرية الأمريكية” في فيتنام. ومنذ ذلك الحين، تم تحديد هذا التاريخ باعتباره “اليوم الوطني لقدامى المحاربين في فيتنام”. ومع انسحاب القوات الأمريكية من فيتنام بعد 18 شهرًا من نشر “أوراق البنتاغون” 1971، لم تنته الحرب، حيث شهدت فيتنام نفسها تصاعد التوترات عندما قامت بمواجهة الصين في حرب عام 1979.
وأصبحت الصين منافسًا جيوسياسيًا لمصالح فيتنام، وقامت ببناء جزر صناعية في بحر الصين الجنوبي وتسليحها بدءًا من عام 2015. وهذه الجزر ليست مجرد تواجد عسكري قريب من فيتنام بل تقع في المياه الإقليمية التي تقول فيتنام بسيادتها عليها. كما تشكل المطالبات الصينية بالسيادة تهديدًا للتجارة العالمية ومصالح الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أمان فيتنام وسيادتها.
كما ترفض هانوي ادعاءات الحكومة الصينية بالسيادة على مساحات شاسعة من بحر الصين الجنوبي، خصوصا أن بكين انتهكت المنطقة الاقتصادية الخالصة لهانوي مرات عدة.
وتمثل هذه المزاعم الصينية للسيادة على المنطقة انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي وتهديدًا للمصالح الإستراتيجية الأمريكية والفيتنامية على حد سواء فيما يتعلق ببحر الصين الجنوبي. وتدرك الولايات المتحدة الخطر الذي يمكن أن تشكله هذه السياسة للصين، ليس فقط بالنسبة للتجارة العالمية ولكن أيضًا على الاستقرار في ديمقراطيات آسيا والمحيط الهادئ. من جانبها، تتوجس فيتنام من التحدي الصيني لأمنها، وتطالب بسيادتها في المياه الإقليمية وتقاوم التدخلات الصينية.
بالعودة الى الحاضر:
تعكس زيارة الرئيس بايدن إلى هانوي نية الولايات المتحدة في تعزيز علاقاتها مع فيتنام، الدولة المجاورة للصين، وذلك بعد مضي 50 عامًا على انسحاب القوات الأمريكية من هانوي في عام 1973. على الرغم من أن العلاقة بين البلدين شهدت تحسنًا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة (1947 – 1991) بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، إلا أنها شهدت تطورات ملحوظة في السنوات الأخيرة.
وتم تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهانوي في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عام 1995 بعد عقدين من نهاية الحرب الأمريكية – الفيتنامية. وفي عام 2000، زار كلينتون فيتنام للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة. وقام الرئيس السابق جورج دبليو بوش بزيارة في عام 2006. أما الرئيس السابق باراك أوباما فقد زار فيتنام في عام 2016 وأعلن عن تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين. وفي عام 2017، قام الرئيس دونالد ترامب بزيارة فيتنام. وفي سبتمبر 2023، زار الرئيس جو بايدن فيتنام لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين والتصدي للصين.
في عهد الرئيس باراك أوباما، زار وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري فيتنام في عدة مناسبات. في عام 2013، زار فيتنام للمرة الأولى كوزير للخارجية الأمريكية، وكان هدف جون كيري هو تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وفيتنام، والعمل على تعزيز التجارة والاستثمار بين البلدين. كما أكد كيري خلال زيارته أهمية حقوق الإنسان وحرية التعبير.
في عام 2015، شارك كيري في مؤتمر دولي في هانوي حول الأمن البحري في بحر الصين الجنوبي. وقد أكد كيري خلال المؤتمر على أهمية حل المشكلات المتعلقة بالأمن البحري في المنطقة، ودعا إلى إجراء محادثات مع جميع الأطراف المعنية لإطلاق سراح المحتجزين.
في عام 2016، زار كيري لاوس وفيتنام للتعهد بإزالة الألغام التي تم إسقاطها خلال حرب فيتنام. وخلال زيارته إلى هانوي، أشاد كيري بالعلاقات بین فیتنام والولایات المتحدة، وأكد على أهمية التعاون بین البلدين في مجالات عدة مثل التجارة والثقافة.
كما زار أوباما فيتنام في نفس العام وكان هدف زيارته تعزيز العلاقات الدفاعية والاقتصادية مع بلد عدو في السابق قبل تحوله إلى بلد محوري بإستراتيجية واشنطن لإعادة التوازن في آسيا. كما ناقش الأمن البحري في بحر جنوب الصين، ومدى إمكانية رفع الحظر الأمريكي المفروض على الأسلحة منذ عشرات السنين.
إضافة الى اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ الذي وقعته هانوي وواشنطن في فبراير/شباط 2016، والذي يستثني الصين، ويهدف إلى خفض أو إلغاء الرسوم الجمركية والحواجز الأخرى غير الجمركية.
في عام 2017، قام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بزيارة فيتنام، وقد عززت هذه الزيارة التعاون الاقتصادي بين البلدين. وفي عام 2019، قام بزيارة أخرى، تم خلالها توقيع عقود بيع 20 طائرة من شركة “بوينغ” لشركتي “فيت جيت” و”بامبو” الفيتناميتين، بقيمة تتجاوز 12 مليار دولار.
هذه الزيارات والاتفاقيات الاقتصادية تظهر أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة وفيتنام، حيث تُعتبر فيتنام سوقًا متناميًا ومزدهرًا، وشريكًا حيويًا للولايات المتحدة في منطقة آسيا. وإلى جانب التعاون الاقتصادي، تتنوع القضايا التي تجمع بين البلدين، بما في ذلك التعاون في مجالات الأمن والسياسة.
بشكل عام، تظهر هذه الزيارة والتطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز شراكتها مع فيتنام، وذلك لتعزيز التعاون في مجموعة متنوعة من القضايا وتعزيز استقرار المنطقة.
حرص فيتنامي على عدم الانحياز إلى أمريكا أو الصين
بتوقيع اتفاق “الشراكة الاستراتيجية الواسعة” تكون فيتنام رفعت الولايات المتحدة إلى مرتبة “الشريك الاستراتيجي الشامل”، مثلما هو الحال مع الصين وروسيا والهند وكوريا الجنوبية.
كما أن التجارة الأمريكية مع فيتنام تضاعفت إلى 127 مليار دولار سنوياً منذ عام 2019، غير أن هانوي تبقى في حاجة إلى إدخال تحسينات على البنية التحتية للبلاد ومهارات عمالها وحوكمتها.
ووفقاً لموقع “ذا ديبلومايت”، فإن فيتنام كانت من بين أفقر دول آسيا حتى عام 1990، ومنذ ذلك الحين سجلت نمواً اقتصادياً سريعاً، ومن المتوقع أن يكون اقتصادها من بين أسرع الاقتصادات نمواً في العالم حتى عام 2050. وتتمحور مجالات تعاونها مع الأمريكيين في الطاقة البديلة وأشباه الموصلات.
لكن في الوقت الذي تبحث فيه الولايات المتحدة عن بدائل للمصانع الصينية، تحرص فيتنام على عدم الانحياز إلى واشنطن أو بكين، لكنها تشارك الأمريكيين مخاوفهم بشأن مطالبات الصين في بحر الصين الجنوبي، مما يشكل مصدراً شبه دائم للتوتر في المنطقة.

