منظمة شنغهاي.. وأوهام منافسة الولايات المتحدة في النظام الدولي

لقد ذكرنا في دراسة سابقة وَهْمَ أن تكون منظمة بريكس الاقتصادية قطباً مكافئاً موضوعياً للولايات المتحدة والغرب.

ولعلّ قائلاً يزعم أن بريكس قد تعجز عن إدراك ذلك لعلة طبيعتها الاقتصادية – رغم بعض الإرهاصات عن سعي روسي – صيني لصنع خصائص جيوسياسية لها – ولذلك فإنّ منظمة شنغهاي قد تبلغ مركز القطب العالمي المكافئ للغرب، وما عجزت عنه بريكس وخاصة أن الصين قد تحدثت منذ عام 2018 عن “هيكل آسيا” الأمني مع سعي ودأب روسيا التي لم تزل تذهب إلى إقامة عالم متعدد الأقطاب منذ عام 2012.

قد يفضي انضمام إيران بصفة عضو كامل إلى منظمة شنغهاي في يوليو 2023 في الظاهر إلى اتساعها وإضافة قوة جديدة إليها، إلا أنّها تزيد في اتساع الفتق الأيديولوجي وتعمّق صدعها المبدئي، فإنّه لا يجمع بين إيران الشيعية الملتزمة بالصين الشيوعية الماركسية وروسيا القيصرية الأرثوذكسية وباكستان السنية المتشددة والهند الهندوسية المتشدّدة مبدأ ولا رأي ولا موروث تاريخي ولا أيديولوجيا متقاربة.

وما صح وصدق من القول على بريكس؛ يجري على منظمة شانغهاي التي تضمّ: الصين، روسيا، كازاخسان قرغيزستان، طاجيكستان، كما انضمت إليها في عام 2017 الهند وباكستان، وقد زاد انضمام هاتَيْن الدولتَيْن إليها في عجزها، وزادها وهناً وضعفاً؛ لأنَّ ما بين الهند وباكستان من عداوة؛ تعجز الدول العظمى عن إخمادها، وما بينهما من تنافر في المصالح والسياسات والعقائد والأديان والثقافات؛ يُعجز العالم قاطبةً عن إصلاحه وقد خاضت الهند وباكستان ثلاث حروب تقليدية في الأعوام 1947 – 1965، 1971، وكانتا على وشك خوض حرب نووية عام 1999 بعد أزمة جبل كارجيل، وأُخرى عام 2008 بعد أزمة فندق مدينة بومباي، وحرب نووية في آذار 2019 بعد أزمة تفجير حافلة الجنود الهنود في كشمير في شباط 2019.

ولذلك فإنَّ مُنظَّمة شانغهاي عاجزة عن العمل السياسي، ولعلها تنصرف إلى حل عُقدة بعض الأزمات الصَّغيرة على الحدود بين هذه الدول.

إنَّ مُنظمة شانغهاي تأسست في 15 يونيو (2001)، وكانت تضم الصين وروسيا وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان في أول أمرها، ثم انضمت إليها الهند وباكستان وإيران مع انتظار تركيا للانتظام فيها، وهذا عجيب أن ينضم عضو في الناتو إلى منظمة من مقاصدها إضعاف الناتو وكسر شوكته وهيمنته على الساحة الجيوسياسية العالمية.

ويغلب على منظمة شانغهاي الصفة الأمنية والسياسية والاستراتيجية؛ بخلاف مجموعة بريكس التي تغلب عليها المصالح الاقتصادية التي تجمع بين أعضائها، وكذلك الاتحاد الأوراسي الذي يضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان وطاجيكستان، ويغلب عليه القضايا الجمركيَّة والماليَّة والتجاريَّة. بينما من مقاصد منظمة شانغهاي التوافق الأمني بين أعضائها والتَّعاون السياسي والإستراتيجي لحماية مصالحها. غير أنَّ هذه المُنظّمة أعجز من أن تقوم بأعباء ما رصدت ووقفت نفسها له، وما زعم بعض المحللين عن وظائف استراتيجية عالمية تقوم بها، وما نسبوا إليها من أدوار قطب دولي يُنافس الولايات المتحدة في النظام الدُّوليّ؛ إلَّا أوهام.

وعلّة عجز هذه المنظمة عن القيام بأعباء دور القُطب العالمي تقوم في غياب أيديولوجيا تجمع أعضاءها على مبادئ سياسية تتوافق عليها في صنع سياسات محلية متقاربة، وإقامة علاقات دولية متوازنة. وكان يصح ما قاله أولئك المحللون لو كان أعضاء هذه المنظمة يصدرون في علاقاتهم الدولية عن منظومة مبادئ سياسية موحدة، أو عن أيديولوجيا مشتركة.

والناظر المدقق في مُنظّمة شانغهاي؛ يرى أنَّ فيها من التَّنافر بين سياسات أعضائها أكثر من التَّوافق، وفيها من التناقض بين مصالحهم الاستراتيجية أكثر من التَّقارب، ومِن التَّباغض التَّاريخي والصراع الديني أعظم مِمَّا يجمع بينهم. 

وإذا أغفلنا ما وقع من حروب بين الهند وباكستان في النصف الثاني من القرن العشرين، وأعرضنا عن تأثيره في عمل هذه المنظمة؛ فإنَّ حرباً نووية كادت تقع في ربيع عام 2019 مرتين بينهما بسبب قضيَّة كشمير، مرةً في شباط حين قصفت طائرات هندية بعض المواقع العسكرية الباكستانية في أراضي كشمير الباكستانيَّة، وأسقط الدفاع الجوّي الباكستاني طائرة هندية وأسر قائدها، واستنفرت الهند وباكستان يومئذٍ قوَّاتهما النووية، ثمَّ إِنَّ رئيس وزراء باكستان السابق عمران خان هدَّد جهرةً باستخدام السلاح النووي في الحرب على الهند عندما عطّلت الهند العمل بالمادة الدستورية التي تمنح إقليم جامو وكشمير الهند حقَّ الحكم الذاتي، وأعلنت منع التَّجول في الإقليم، وقطعت الاتصالات عنه في شهر أغسطس 2019، وعجزت منظمة شانغهاي عن تهدئة الخطر بينهما، بل ذهبت الصين في قمة شانغهاي في بشكيك عاصمة قرغيزستان في يونيو 2019 إلى أنَّه ليس من عمل منظمة شانغهاي حل عُقدة النزاع الهندي – الباكستاني.

فإن كان في حلف عضوانِ يتوعد كل واحد منهما الآخر بقصف نووي، ويعجز هذا الحلف عن السَّعي بالصلح بينهما؛ فهل يذهب وهم إلى تصديق أنَّ حلفاً مثل هذا يستطيع أن يُقارع الولايات المتحدة وأن يتبوأ موقع قطب عالمي؟ إِنَّ مُنظمة شانغهاي أحوج إلى أن تسعى بالصلح بين أعضائها، وأن تقوم الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي بتسكين الخطر بين الهند وباكستان، وإصلاح العلاقات بين الصين والهند.

وقد طوّرت الهند واختبرت صواريخ جديدة في عام 2019، وذلك عندما اختبرت صاروخاً أسقط هدفاً في مدار حول الأرض، وأعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي انضمام الهند إلى نادي الدول التي تستطيع إسقاط الأقمار الصناعية، لتكون الهند مع الولايات المتحدة وروسيا والصين في هذا النادي، كما أنَّها أطلقت صاروخاً حمل 24 قمراً صناعياً إلى مداراتها حول الأرض، واختبرت صاروخ براموس من طائرة SU30 أسرع من الصوت بخمسة أضعاف أي بسرعة 5 ماخ، وقد أثار ذلك غضب باکستان وفزعها؛ فردَّت باختبار صاروخ نصر 70 كم، وصاروخ شاهين 1500 كم، وكلاهما قادران على حمل رؤوس نووية. ويغلظ كل طرف منهما

للآخر في المحافل الدولية ويرميه بالإرهاب.

فإن كان ذلك كذلك؛ فإنَّ القول بمُضاهاة مُنظّمة شانغهاي للغرب، وأنَّها هيكل أمني سيُقارع سطوة الولايات المتحدة في العالم؛ تدليس ووهم لا يذهب تحليل سليم إلى تصديقه.

ولا سبيل إلى أن تكون مُنظّمة شانغهاي هيكلاً عالمياً يكون قطباً في النظام الدولي إلَّا بشرطَيْن اثنين:

أولهما: بإزالة الخلافات والتناقضات التَّاريخيَّة والدينية والاستراتيجية بين بلدانها، وهو أمر قد يكون مستحيلاً.

ثانيهما: صياغة أيديولوجيا جامعة تجمع دولها وتكون قاعدة لصناعة سياساتها المحلية، وتنسج منها علاقاتها الدُّولية، وذاك شرط أصعب وأعزُّ من سابقه.

فإن تأكد ذلك وظهر بيانه؛ فإنَّ مقولة أنَّ مُنظَّمة شانغهاي قوَّة صاعدة في النظام الدولي مقولة واهية، فلا خير في هيكل دولي أو حلف لا يقوم على أيديولوجيا راسخة تضع سياساته وتصوغ استراتيجياته.

الدكتور محمد وليد يوسف

عالم سياسي ورئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية. له العديد من الأبحاث والدراسات في السياسة والاقتصاد ونقض التاريخ. وله العديد من الكتب، منها: 1- جوهر النظام الدولي 2- القوانين السياسية المادية 3- أزمة الدولة في العالم الاسلامي 4- تاريخ الادارة و بنى الدولة في الاسلام 5- الأشاعرة والمجتمع والدولة 6- مبادئ السياسة و قواعد الحكم في الاسلام 7- المال في الاسلام 8- السياسة … القواعد الكلاسيكية النيوتنية والمبادئ الكوانتية
زر الذهاب إلى الأعلى