حرب غزة… نهاية الجامعة العربية ونهوض الشرق أوسطية

شكلت الحرب الدائرة في غزة اليوم مرحلة مختلفة من الصراع العربي – الإسرائيلي، وما زالت تداعياتها ترخي بظلالها على الدوائر السياسية في العالم، لا سيما صاحبة القرار، إلا أننا لا يمكن أن نفهم المستقبل ونستشرفه إن لم نلقِ الضوء سريعًا على المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة، والتي أدت بشكل أو بآخر إلى الوضع القائم اليوم، والتي ستؤدي إلى وضع المنطقة الجديد.

في مطلع الألفية الثالثة وضع المفكر المصري محمد حسنين هيكل كتابه الشهير “العربي التائه… نهاية طرق”، الذي تحدث فيه عن فشل المشاريع العربية وضياع المثقف العربي، وانعكاس الفشل على السياسة العربية والوزن السياسي في المنطقة والعالم، في مقابل نجاح إسرائيل في إنهاء الصراع، وتأمين الأمن للمواطن الإسرائيلي، فضلاً عن الازدهار الاقتصادي والرفاهية.

في الحقيقة يُعرف القرن التاسع والقرن العشرون بأنهما قرنا ذوبان الإمبراطوريات في الدول القومية، وصعود المد القومي في العالم، ما أدى إلى تشكل دول جديدة في أوروبا وانفصال البلقان والدول العربية عن السلطنة العثمانية، وقاد هذا الأمر بشكل أو بآخر إلى الحربين العالميتين اللتين قامتا على أساس قومي ودمرتا أوروبا وأجزاء من العالم.

لقد تأخرت التجربة السياسية القومية للدول العربية بسبب رزوحها تحت الاستعمار، وإن كانت الأفكار القومية حية في الأذهان، والمشاعر القومية حية في النفوس، فقد تخيل الإنسان العربي وحدة شاملة بعد خروج الاستعمار وتفكك الحدود المصطنعة بين الأقطار العربية، إلا أن كل خطابات الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر لم تؤدِ إلى وحدة حقيقية بين أي دولتين عربيتين، وفشلت كل تجارب الوحدة العربية بشكل مدوٍ، وتزامن ذلك مع فشل سياسي واقتصادي للأنظمة القومية، وتحوّل نحو الدولة البوليسية، فضلاً عن عدم القدرة على مواجهة التحديات الخارجية في المنطقة والعالم، وهكذا شكلت حرب الخامس من يونيو 1967 (النكسة) الضربة القاضية للفكرة القومية العربية، وبقيت القومية تنازع حتى سقوط بيروت أمام الجيش الإسرائيلي عام 1982 وهي ثاني عاصمة عربية تسقط من دون تدخل الدول العربية، فكان هذا الأمر بمثابة إعلان رسمي بنهاية الفكرة القومية، وأن ما يفرق العرب أكثر مما يجمعهم.

يرى رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف في كتابه “جوهر النظام الدولي” أنه في عالم السياسة لا يمكن حدوث فراغ، وأن غياب أي قطب مؤثر يتبعه صعود قطب آخر، وهكذا وبعد فشل المد القومي العربي، وبعد تخلي العالم عن الفكرة القومية بسبب الويلات التي جرّتها على العالم لا سيما الغرب، بدأ صعود الإسلام السياسي في ظل القطبية الجديدة التي تكونت في العالم بين اليمين واليسار أي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، وقد وجدت الولايات المتحدة في حينها أن لديها مصلحة في دعم المشاريع اليمينية في المنطقة العربية، لا سيما أن الأنظمة القومية كانت تميل بطبيعتها إلى اليسار.

وهكذا صعد الفكر الإسلامي وامتلأت المساجد التي كانت فارغة، وأخذت المدارس والمؤسسات الإسلامية تنتشر، وصعد نجم “الجهاديين” في أفغانستان، وأخذ أئمة المساجد يمتدحون ثورة الخميني في إيران، ويهاجمون الحرب العراقية عليها المدفوعة بدول عربية كبيرة ومؤثرة، وتشكلت الأحزاب والحركات الإسلامية، وعلى سبيل المثال تأسست حركة “حماس” الفلسطينية عام 1987، وهي تنظيم إسلامي مرتبط فكرياً بتنظيم “الإخوان المسلمين” في مصر.

وبعد عقدَيْن من الزمن فشل الإسلام السياسي في العالم العربي، وأدى ظهور الحركات الإسلامية إلى حروب دموية ومجازر كما في سوريا والجزائر، كما تحولت القاعدة إلى أكثر تنظيم إرهابي يضم مجموعة من أخطر المطلوبين في العالم، ولم يقتصر الإرهاب على ضرب مصالح أعداء “المسلمين” وخصومهم، بل أخذ يضرب المدن الإسلامية، والحواضر العربية والعالمية، مدعومًا بتفويض إلهي بالقتل، فمن ليس معنا هو حتمًا ضدنا، ومع انهيار برجي التجارة العالمية في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 أدرك العالم فظاعة الوحش الذي دعمه في وجه اليسار والقوميات!

ومن جديد بدأت عملية تحول في المجتمعات العربية، التي ما زالت غارقة في تيهها، وبدأت مرحلة تخبط وضياع، اغتيل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، وخرج السنة من عباءة الإسلام السياسي، ورفعوا شعار “لبنان أولاً”، الذي كان مطلب المسيحيين في لبنان ونسوا شعارات الأمة الواحدة، والشعب الواحد وغيرها…

ثم جاء ما يعرف بـ”الربيع العربي”، ليشكل الضربة القاضية لمشاريع الإسلام السياسي التي لم تصل إلى الحكم في كثير من البلدان، أو وصلت وعجزت عن الحكم لأسباب متعددة، أو تحولت البلاد بفضل خروج الإرهاب من أوكاره إلى حمامات دم مسفوك كما في سوريا، وسيكون الإعلان الرسمي لوفاة فكرة الإسلام السياسي بعد حرب غزة مباشرة، فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قالها صراحة إن “الجيش المصري لا يدافع عن أحد بل يدافع عن مصر وشعبها فقط”، كما لا تبدو المملكة العربية السعودية في وارد كل ما يشوش على “موسم الرياض” الترفيهي، وما القمم التي عقدت سوى بروتوكولات شكلية ضرورة ضخامة الأحداث.

وفي الحقيقة هذا يعني شيئًا واحدًا، وهو نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى، وصعود أفكار جديدة محل القديمة التي فشلت في تحقيق الرخاء والازدهار لشعوب المنطقة، وهكذا يجد “العربي التائه” اليوم نفسه كما نتصور أمام طرق بديلة عن تلك التي وصل إلى نهايتها كما يرى هيكل، فالباب مفتوح اليوم على حلول الدول الوطنية، فبعد أن رسخت الحدود التي وضعها “الاستعمار” ذات يوم، وأصبحت تشكل واقعًا ودولاً معترفًا بها في الأمم المتحدة، لها مصالحها وتتمايز شعوبها بسمات وخصائص محددة، وبعد سقوط الأفكار القومية، وإدراك العربي أن العصبية وحدها لا تكفي لجمعهم في اتحاد سياسي، بات من المتوقع أن تُعرف الجماعات العرقية والدينية المختلفة نفسها من اليوم فصاعدًا على أنهم مواطنون في دولة وطنية، لا أكثر ولا أقل، وأن تغيب التسميات الطائفية والعرقية من الاستخدام كمدخل أساسي لهذا التحول.

 لقد صار لزامًا على هذه الدول أن تتحدث لغة المصالح الوطنية، وأن تشكل اتحادات جديدة تحمي هذه المصالح، لذلك برزت دعوة الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط، بعد القمة العربية – الإسلامية الأخيرة في العاصمة السعودية الرياض إلى حلّ جامعة الدول العربية، وهذا استشراف سياسي من “وليد بيك”، فكل أسباب وجود الجامعة باتت في حكم الملغاة، ولم تعد الشعارات القومية والعرقية وشعارات الأخوّة الدينية قادرة على جمع من تختلف مصالحهم من الدول العربية والإسلامية، وربما لم يقل أيضًا بحل منظمة المؤتمر الإسلامي ولكنه بالطبع قصده.

إن السياسة لا تقبل الفراغ، ويجب على تكتل ما ملء مكان الجامعة العربية بعد زوال حجمها السياسي الفاعل والمؤثر، ربما تبقى الجامعة العربية كما هي الآن موجودة بشكل إسمي، من دون أي وزن جيوسياسي، لكننا نرى أن ما سيملأ فراغها هو تكتل جيوسياسي جديدة شبيه بالاتحاد الأوروربي، يقوم على تكامل المصالح.

يُحكى اليوم عن اتحاد أفرو – آسيوي، أو اتحاد شرق – أوسطي بين دول عربية وإسلامية وأفريقية سيبرز قريبًا، مدفوعًا بالمصالح المشتركة للدول والشعوب في منطقة الشرق الأوسط، وتسعى المملكة العربية السعودية إلى قيادة هذا الاتحاد الموعود بما تملك من إمكانيات وقدرات، وموقع جيوسياسي سيكون في قلب هذا الاتحاد، وما تمتلكه من عوامل تاريخية تستطيع أن تجمع تحت مظلتها شعوب المنطقة التائهة (مهد العروبة والإسلام)، خصوصًا بعدما تمايزت مواقف المملكة عن القوى الحليفة لها في عدد من الملفات في أوكرانيا، وملفات الطاقة وممرات التجارة العالمية الجديدة.

 وبالفعل جاءت المصالحة السعودية – الإيرانية في الصين ضمن هذا الاتجاه، كما نجد أن إيران بدأت تقوم بحراك نحو تقريب المواقف مع المملكة العربية السعودية ولم تعترض على بند حل الدولتين للصراع العربي – الإسرائيلي، ووزير خارجيتها لا يغادر الخليج إلا ليعود إليه، ولا ننسى المصالحة العربية مع الدولة السورية، وإعادة دمشق إلى الحضن العربي.

كل هذه الخطوات تأتي في إطار تبريد الشرق الأوسط وحل الخلافات العالقة التي تسببت بها الاتجاهات السياسية السابقة، تمهيدًا لقيام تكتل جديد، لا يحمل مشاكل الماضي فوق ظهره، وغير معني بخلافات الأمس التي مزقت المنطقة، وحولتها إلى مجموعة من الدول الفاشلة.

من هنا نرى أن فكرة التكامل الاقتصادي والتعاون السياسي والأمني، على غرار الاتحاد الأوروبي سيكون الخطوة القادمة، التي تعول عليها الشعوب في المنطقة الشرق أوسطية للنهوض والنجاح السياسي والاقتصادي والأمني، بعدما عانت من ويلات الحروب والفقر والإرهاب لسنوات طويلة.

المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

الدكتور عماد غنوم

أستاذ جامعي وباحث أكاديمي ومُشرف على الندوات والمؤتمرات التي يُقيمها المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، بيروت - لبنان. يعمل محاضرًا في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم اللغة العربية وآدابها. شارك في عدد من المؤتمرات الدولية في لبنان والعالم العربي وفرنسا. له عدد من الأبحاث المحكمة المنشورة في مجلات عربية ودولية. له عدد من المقالات المنشورة في الصحف المحلية والعربية.
زر الذهاب إلى الأعلى