مضيق باب المندب.. فصلٌ جديد من الصراع النفطي في ظل حرب غزّة

بقلم الزميلة غير المقيمة زينب زعيتر
إعلامية لبنانية ومعدة ومقدمة برامج في الإذاعة اللبنانية، وتعمل في إعداد الوثائقيات والدبلجة.

قيل قديماً انّ اسم مضيق باب المندب، جاء من فعل الندب، فهناك من يقول إنّه من “ندب الموتى” في مرحلة رافقت عبور الأحباش إلى اليمن ما بين عامَيْ (525 – 575 م). وفي رواية ثانية، اعتبر القدماء أن المضيق سُمّي بباب المندب لأنّ العرب قديماً كانوا إذا غزوا الأفارقة وسبوا بناتهم واستعبدوا أولادهم ينقلونهم إلى الجزيرة العربية عبر هذا المضيق، فكانت أمهات السبايا يبكين ويندبن على فقد أولادهنّ هناك.
وأبعد من السرد التاريخي، هناك أسطورة تقول إنّ التسمية تعود إلى عدد الأشخاص الذين غرقوا في البحر بسبب هزة أرضية فصلت بين قارتَيْ آسيا وأفريقيا.
وقبل ذلك كله، لم يكن للمضيق قيمة فعلية إلا بعد العام 1869، إذ زادت أهمية مضيق باب المندب بعد افتتاح قناة السويس، والتي ربطت البحرَيْن الأبيض والأحمر، وبالتالي بات المضيق يربط التجارة بين أوروبا وبلدان المحيط الهندي وشرق افريقيا. ولطالما حظي المضيق بعدها بأهمية جيوسياسية واقتصادية كبيرة، بعدما تحوّل إلى واحد من أهم ممرّات النقل والمعابر المائية بين عدد من البلدان الأوروبية والبحر الأبيض المتوسط.
واليوم، يُعتبر مضيق باب المندب، الذي يقع اقتصادياً بين ثلاث دول هي: اليمن، واريتريا وجيبوتي، أحد الممرات الرئيسية للنفط في العالم. إذ تقدّر دراسات انّ المضيق يعبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، أي حوالى 20% من الاستهلاك العالمي.
جغرافياً
جغرافياً، يفصل مضيق باب المندب، البحر الأحمر عن خليج عدن والمحيط الهندي كما يفصل قارتَيْ أفريقيا وآسيا. يحدّه من الجانب الأفريقي جيبوتي ومن الجانب الآسيوي اليمن. يبلغ عرض المضيق نحو 30 كيلومتراً، وتقسمه جزيرة بريم اليمنية إلى قناتَيْن، الشرقية البالغ عرضها 3 كم وعمقها 30 متراً، والغربية بعرض نحو 25 كم وعمق 310 أمتار.
واكتسب الممر أهمية مضاعفة، كون عرض قناة عبور السفن بين جزيرة بريم والبر الإفريقي، هو حوالى 16 كم وعمقها يتراوح بين 100 إلى 200 متر، ما يسمح بالتالي للسفن وناقلات النفط بعبور الممر بسهولة تامة في الاتجاهين.
أمّا قانونياً، فتنظّم عمل المضيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الصادرة عام 1982.
استراتيجياً
ومن الناحية الاستراتيجية والعسكرية، يشكل المضيق أولاً الضلع الثالث من المثلث الاستراتيجي الذي يضم قناة السويس ومضيق هرمز، ما يعطي للمضيق قيمة إضافية على مستوى التجارة العالمية، فلو تعطلت القناة ومضيق هرمز نتيجة أوضاع سياسية معيّنة وفي حال تعطلت الملاحة عبر المضيق، فسيؤدي ذلك إلى عدم قدرة السفن إلى الوصول لقناة السويس أو خليج عدن أو المحيط الهندي.
يعني ذلك وببساطة أنّ مضيق باب المندب وانطلاقاً من هذا الموقع الاستراتيجي يمثّلُ نموذجاً واضحاً لتشابك الأمن الاقليمي مع العالمي، كونه يمثل نقطة تماس استراتيجية.
كما ضاعف النفط، بطبيعة الحال، من أهمية المضيق نظراً لعرضه وعمقه المناسبين لمرور ناقلات النفط في الاتجاهين منه، وتشير بعض الارقام إلى انّه يمر عبر المضيق أكثر من 21 الف قطعة بحرية سنوياً اي حوالى 57 قطعة بحرية يومياً. ويعني ذلك انّ المضيق يشكل ما نسبته 7% من الملاحة العالمية، كما يتم من خلاله نقل 4 ملايين برميل من النفط يومياً إلى أوروبا وأمريكا وآسيا.
وانطلاقاً من هنا، سعت دول اقليمية وعالمية إلى انشاء قواعد عسكرية قرب المضيق، لتتمكن بالتالي من التحكم بحركة المرور البحري والملاحة البحرية، وخصوصاً انّ الأزمات السياسية المتتالية والحروب بين البلدان، تجعل الممرات البحرية أولوية لدى حكام الدول الكبرى تحديداً لضمان الوصول إلى النفط والتحكم بأسعاره.
القواعد العسكرية
وتدير 16 دولة، 19 قاعدة عسكرية في منطقة القرن الأفريقي. ويتكوّن القرن الأفريقي من 4 دول هي، الصومال، التي تمتلك أطول سواحل المنطقة، تليها إرتيريا، وجيبوتي، بينما لا تمتلك إثيوبيا أي منفذ بحري.
وتكمن أهمية منطقة القرن الأفريقي في أنها تطل على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويمكن لمن يسيطر عليها أن يتحكم في مضيق باب المندب.
وتمتلك فرنسا قاعدة عسكرية في جيبوتي منذ وقت طويل، وأقامت الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة جديدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2011.
كما أنشأت الصين قاعدة بحرية في جيبوتي لضمان أمن باب المندب في العام 2017.
وفي العام 2011 أنشات اليابان قاعدة عسكرية لها في جيبوتي أيضاً، والتي تعد بمثابة أول قاعدة عسكرية خارجية دائمة تابعة لقوات الدفاع الذاتي اليابانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
كما تم افتتاح قاعدة الدعم العسكرية الوطنية الإيطالية في العام 2013 بجوار مطار جيبوتي أمبولي الدولي، ويكمن الهدف الأساسي من إنشائها في دعم النشاط البحري الإيطالي في المنطقة لحماية السفن التجارية العابرة للمحيط الهندي.
كما يتمركز في باب المندب القوة البحرية المشتركة “سي تي إف 151″، التي تم تأسيسها عام 2009، بمشاركة قوات بحرية من عدة دول لمحاربة القرصنة.
سياسياً
عوامل عدة ساهمت في تحول مضيق باب المندب إلى نقطة جذب واهتمام من أطراف دولية وإقليمية، إذ سعت هذه الدول للتصارع على الحصول على موقع استراتيجي فيه، وتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فقد سعت لإيجاد قواعد عسكرية لها في كلّ القرن الأفريقي وباب المندب، نظراً لمعرفتها بالأهمية الجيوسياسية الإستراتيجية الكبرى لهذه المنطقة، وخصوصاً لأنها تتسمك بمقولة “الربط بين الأمن القومي الأميركي وأمن الطاقة النفطية”.
ومع بدء الحرب في اليمن، والصراع القائم بين الولايات المتحدة والدول الخليجية من جهة، وجماعة “أنصار الله” (الحوثيين) المدعومة من إيران من جهة ثانية، تعمل واشنطن على تعزيز تواجدها في عملية الملاحة العالمية، وخصوصاً مع تزايد عمليات خطف السفن من قبل “الحوثيين” في باب المندب. وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري، وتحسباً لإغلاق مضيق باب المندب من قبل “الحوثيين” رداً على حرب غزة، أعلن الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية، وصول أكثر من ثلاثة آلاف بحار وجندي أمريكي إلى الشرق الأوسط.
وما كان متوقعاً قد حدث، إذ بدأ “الحوثيون” بفرض قواعد لعبة جديدة على مستوى الملاحة البحرية وحرية التنقل في هذا المثلث، عبر البحر الأحمر. فقد أعلن “الحوثيون” السبت المنصرم، أنه تقرر “منع مرور السفن المتجهة إلى الكيان الصهيوني من أي جنسية كانت، إذا لم يدخل لقطاع غزة حاجته من الغذاء والدواء، وستصبح هدفاً مشروعاً لقواتنا المسلحة”، حسبما ذكر المتحدث العسكري باسم الحوثيين في اليمن يحيى سريع، الذي حذر جميع شركات الشحن من التعاون مع إسرائيل، قائلاً إن سفنها ستكون هدفاً لهجمات الجماعة في البحر الأحمر.
أمّا بالنسبة إلى اسرائيل فإنها أسست منذ العام 2016، قاعدة استخبارات الكترونية في إريتريا، وذلك لضمان مراقبة مضيق باب المندب من هناك، والذي تنتقل عبره معظم شحنات النفط الخليجية الى العالم.
وكذلك لم تغب الصين عن المشهد، فقد أنشأت قاعدة بحرية في جيبوتي لضمان أمن باب المندب في العام 2017، أي بعد أربع سنوات من إعلان الرئيس الصيني عن مبادرة “حزام واحد طريق واحد”، التي باتت تعرف بطريق الحرير الجديد.
والى تركيا، التي سعت أيضا لتعزيز وجودها من خلال الصومال، وتعد القاعدة التركية العسكرية في الصومال التي اُنشأت في العام 2017 أكبر قاعدة تركية في العالم. ويعتبر خبراء ومحللون أن الهدف من هذه القاعدة خلافاً لما تعلنه تركيا، هو أن يكون لها موطئ قدم في القرن الافريقي ونفوذ على ممر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وبطبيعة الحال، وكونه المعبَرَ البحريَّ الرئيسَ لتجارة النفط العالمية؛ وما يمثله من خطورة لأمن النفط، فقد سعت إيران إلى بسط نفوذها على باب المندب عن طريق دعم “الحوثيين”، وهو ما يعزز الصراع الدائم بينها وبين دول الخليج.
اليمن تتصدر المشهد
وفي السنوات الأخيرة، عاد اسم باب المندب ليتصدر المشهد السياسي، وخصوصاً بعد الحرب في اليمن، حيث كان لهذا البلد نصيب من لعنة الجغرافيا. واليوم، بات مشهد جديد يتصدر الحديث عن هذا المضيق بعد عمليات اختطاف السفن من قبل “الحوثيين” لسفن مملكوكة من اسرائيليين في باب المندب.
وقبل التطرق إلى المستجد الاخير، ومتابعة مسار الملاحة البحرية واسعار النفط ومدى تأثرها درامتيكياً بالاحداث السياسية والحرب القائمة في غزة، لا بدّ من العودة إلى المسار السياسي الذي يحكم اليوم طبيعة الملاحة في باب المندب وارتباطه باليمن والحرب القائمة فيها.
فاليوم، يحظى أمن الملاحة البحرية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر باهتمامات دولية وإقليمية متزايدة، إذ يُعتبر هذا المضيق ساحة للتنافس الاقليمي. وحقيقة فإنّ اليمن يأتي في قلب مشروع “الحزام والطريق” أو ما يعرف بـ”طريق الحرير”، نظراً لأهمية موقعه وامتلاكه عدداً من الموانئ والجزر المتناثرة، وعددها 130، على هذا الطريق، مثل ميناءَيْ عدن والمخا الذي يتوسطهما مضيق باب المندب، وجزيرة بريم التي تتوسط هذا المضيق.
ويسيطر “الحوثيون” على جزء كبير من ساحل اليمن الغربي، ويشرفون على مساحة كبيرة من البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والمعروف بأنه من أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم.
وليست حوادث استهداف السفن او احتجازها بجديدة في مضيق باب المندب. ففي 3 يناير/كانون الثاني 2022 احتجز “الحوثيون” سفينة شحن ترفع علم الإمارات أثناء إبحارها قبالة سواحل البلد، ولم يفرج عن طاقمها إلا بعد 4 أشهر.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2019 أعلن “الحوثيون” ضبط 3 سفن احداها سعودية في جنوب البحر الأحمر، زعموا أنها دخلت إلى المياه الاقليمية دون اشعار مسبق.
ارتفاع اسعار النفط
وفي العام 2018، أعلن وزير النفط السعودي خالد الفالح تعليقاً فورياً ومؤقتاً لجميع صادرات النفط عبر مضيق باب المندب بعد هجوم شنّه “الحوثيون” على سفينتين محملتين بالنفط الخام. واستمر هذا التعليق لمدة اسبوعين.
وما يحصل هو أنّ معظم هذه الحوادث تؤدي الى ارتفاع اسعار النفاط عالمياً، وهو ما يتخوف منه اليوم بعد استهداف واحتجاز سفينتين مملوكتين لرجال اعمال اسرائيليين من قبل “الحوثيين”. ففي حال اغلاق المضيق أو التهديد بإغلاقه، حينها ستجبر ناقلات النفط للتنقل حول القارة الافريقية دون المرور بالمثلث الهام وضمنه باب المندب، وذلك عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا بدلاً من المرور بقناة السويس، ما يؤدي الى ارتفاع كبير في تكاليف النفط عالمياً.
وهذا الأمر قد يشكل عنواناً للمرحلة المقبلة في حال استمرار الحرب في غزة، بعدما أعلنت جماعة “الحوثي” في بيان سابق عن تهديدها المباشر باستهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر مراراً، وذلك وسط تصاعد المخاوف من توسع الحرب التي تفجرت في السابع من أكتوبر الماضي بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة.
وقالت في بيان الشهر الماضي، إنها “ستقوم باستهداف جميع أنواع السفن، سواء تلك التي تحمل علم إسرائيل، أوالتي تشغلها شركات إسرائيلية، أو تعود ملكيتها لشركات إسرائيلية”.
وبالتالي فانّ التوترات في مضيق باب المندب ستبقى مستمرّة، وسيشغل هذا المضيق العالم اجمع. والى جانب التخوف من ارتفاع اسعار النفط عالمياً، فإنّ شركات الشحن العالمية ستقوم أو ربما قامت فعلياً بتقييم المخاطر المتزايدة المحتملة، في فوضى المخاطر على الملاحة التي فرضتها الاحداث الاخيرة اليوم. فهل نشهد على فصل جديد من فصول الصراع النفطي في العالم؟
المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

