المضائق والبحار وتأثيرها في الحروب الكبرى.. هل يدخل “هرمز” حلبة الصراع؟

بقلم الباحث الاقتصادي الكتور أيمن عمر

تأثير قوة البحر على التاريخ

على مرّ العصور كانت البحار والمحيطات والسيطرة عليها وعلى الموانئ المطلة عليها وعلى المضائق البحرية، هي المفصل في تحديد شكل العلاقات الدولية وتحديد طبيعة العلاقات بين الدول ومصائر شعوبها. بل لعبت الدور الأساسي في تنظيم العلاقات الاقتصادية وإنشاء المدارس والنظريات الاقتصادية ومنها جاءت أول مدرسة اقتصادية في التاريخ البشري وهي الماركنتيلية/التجارية، التي قامت على أهمية التجارة الخارجية عبر البحار في استقطاب المعادن النفيسة الذهب والفضة من أجل تقوية الأمة، ورفع مستوى الرفاهية الاقتصادية لدى المواطنين، حيث أصبحت السيطرة على البحار لا تهدد أمن الدول فحسب بل أصبحت تهدد اقتصادها ورفاهية شعوبها أيضاً.

من هنا تم إنشاء الأساطيل البحرية الضخمة والقوية لزيادة قوة الدول وترسيخ سيطرتها واستعمارها للدول الغنية بالموارد الطبيعية، ومن الأمثلة التاريخية بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس وهولندا والبرتغال وإسبانيا والولايات المتحدة، التي أصبحت قوى عالمية عظمى من خلال مواقعها وأساطيلها القوية الضخمة.

ويُعتبر ألفريد ثاير ماهان (1840-1914) “الاستراتيجي الأمريكي الأكثر أهمية في القرن التاسع عشر الميلادي”، لأنه أول من نظَّر حول أهمّية السيطرة على البحار من أجل السيطرة على العالم، من خلال كتابه “تأثير قوة البحر على التاريخ”. فقد بنى نظريته على فكرة أن الدول صاحبة القوة البحرية الأعظم سيكون لها التأثير الأكبر في جميع أنحاء العالم. وقد كان لهذا المفهوم انعكاسه الكبير في صياغة الفكر الاستراتيجي للقوى البحرية في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكذلك بريطانيا. وما تزال أفكاره مسيطرة على مبادئ البحرية الأمريكية. وقد أُعيد إحياء هذه النظرية في عصرنا الحالي عصر العولمة، وترسخت أهميتها أكثر فأكثر مع انتشار جائحة كورونا وإغلاق المطارات.

وقد برزت أهمية البحار وقوّة تأثيرها في الصراعات والحروب الكبرى مع بدء الحرب الأوكرانيّة – الروسيّة، ولتبرز أكثر وأكثر مع حرب غزّة وما تقوم به حركة “أنصار الله” (الحوثيّون) في اليمن من استهداف للسفن التجاريّة في مضيق باب المندب، الأمر الذي أثار ضجّة عالميّة استدعت قيام الولايات المتحدة بتحالف بحري دولي تحت عنوان “حارس الازدهار” لردع “الحوثيين” عن التحكم بأهمّ مسرب من مسارب التجارة العالمية عبر البحار.

باب المندب.. باب الدموع: الجغرافيا تتحكّم

يمثل مضيق باب المندب، الذي يصل خليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي بالبحر الأحمر بعرض يبلغ حوالي 30 كم، الشريان الرئيسي للتجارة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط. وهو ممر ضيّق بين اليمن من جهة آسيا وجيبوتي من جهة أفريقيا ومنه عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط. وترجع التسمية إلى الندب بمعنى البكاء على الموتى، وقد تعددت الروايات في هذه التسمية. وهو يأتي في المرتبة الثالثة عالميّا في التجارة الدوليّة بعد مضيقَيْ ملقا وهرمز.

باب المندب والبحر الأحمر: والجيو – اقتصاد ثالثهما

برزت أهمية مضيق باب المندب مع دخول قناة السويس حيّز العمل في العام 1896، حيث تم اختصار الطريق البحرية ما بين شرق آسيا وأوروبا، وبذلك تم توفير الجهد وتخفيض تكلفة النقل والإسراع في توفير الإمدادات وسلاسل التوريد. ونظرًا لأهمية المضيق الفائقة قامت العديد من الدول بإنشاء قواعد عسكرية لها في الدول المطلّة على المضيق وعلى البحر الأحمر لضمان أمن الملاحة البحرية فيهما. إذ تُقدّر قيمة البضائع بمختلف أنواعها المارّة عبر المضيق بحوالي 700 مليار دولار سنويّا، ويجتازهما سنويّا أكثر من 25 ألف سفينة بما يعادل حوالي 10% من التجارة العالمية. ويعتبر باب المندب ممرّا مائيّا أساسيّا في نقل النفط والغاز إلى أوروبا، حيث قامت 27 ألف ناقلة نفط خام ووقود بعبوره خلال 11 شهرًا من عام 2023، ومرّ عبره حوالي 7.8 مليون برميل يوميّا من شحنات النفط الخام والوقود في أول 11 شهرًا من 2023. وقد شكّل حوالي 12% من إجمالي النفط المنقول بحرًا عالميّا في النصف الأول من عام 2023، و8% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال. ويمرّ أيضًا عبرهما العديد من المنتجات الغذائية مثل زيت النخيل والحبوب، بالإضافة إلى العديد من المنتجات المصنّعة في العالم.

بؤرة اختناق اقتصادي

إن تعطيل الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر سيدفع السفن وناقلات النفط إلى تغيير مسارها البحري نحو رأس الرجاء الصالح في جنوب افريقيا فتزيد من أمد الرحلات ما بين 19 إلى 31 يومًا، مما سيضاعف من أسعار الشحن ونقل البضائع بالإضافة إلى كلفة التأمين عليها مئات آلاف الدولارات، فتزداد عندها تكاليف مدخلات الإنتاج وتتعطّل سلاسل التوريد مما يؤثّر على خطوط الإنتاج حيث ستظهر اختناقات في عمليات الإنتاج، الأمر الذي سيساهم في رفع الأسعار وظهور ضغوط تضخّميّة وخاصة في أوروبا، لذلك حذّرت وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية وجريدة “لوفيغارو” الفرنسية من أن للتطوّرات في مضيق باب المندب تأثيرات على حركة الملاحة العالمية مما قد يتسبّب في حدوث ركود اقتصادي عالمي.

وقد لا يحدث تأثيرات كبيرة على مستوى النفط والغاز إذ تستطيع المملكة العربية السعودية من مضاعفة تصديرها للنفط عبر خط أنابيب بترولاين، وهو بطول 1200 كم وسعة 5 ملايين برميل يوميّا، الذي ينقل النفط من شبكة حقول شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وبعدها تحميل النفط الخام على ناقلات في رحلة من يوم إلى يومين إلى محطة عين السخنة في مصر ثم نقله عبر خط أنابيب سوميد المصري إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، وهناك خط الأنابيب أبقيق – ينبع لسوائل الغاز الطبيعي.

مضيق هرمز: هل سيدخل حلبة الصراع؟

يقع مضيق هرمز في الخليج العربي ما بين سلطنة عُمان جنوبًا وإيران شمالًا، بعرض لا يتجاوز 55 كم، وتكمن أهمّيته في أنه أهم ممر مائي بحري لنقل النفط، إذ مر من خلاله 20.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثّفات والمنتجات النفطية في الفترة بين كانون الثاني إلى أيلول 2023، بحسب بيانات صادرة عن شركة “فورتكسا” للتحليلات نشرتها وكالة “رويترز”، أي حوالي 40% من الإنتاج العالمي من النفط، حيث يذهب 80% منه للدول الآسيوية مثل الصين، الهند، كوريا واليابان، أما الباقي فيذهب إلى أوروبا وأميركا الشمالية.

ويمرّ به 80 مليون طن أي 20% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال في العالم، كما يمر عبره معظم صادرات الخام من السعودية وإيران والإمارات والكويت والعراق، وجميعها دول أعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك”، وبالتالي فإن أي خلل أو اضطرابات تحدث في هذا المضيق ستحدث أزمة نفط عالمية.

فهل يدخل هذا المضيق في هذا الصراع ويبدأ فصل جديد في صراعات البحار والمضائق؟

المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم
زر الذهاب إلى الأعلى