هل ينشر إتفاق أثيوبيا مع “صومالي لاند” الاضطراب والفوضى في القرن الأفريقي؟

أثار الاتفاق بين أثيوبيا وإقليم أرض الصومال الانفصالي (صومالي لاند) لاستخدام ميناء بربرة على البحر الأحمر أزمة جديدة قد تشعل التوتر في منطقة القرن الافريقي وقد تطال كلاً من السودان ومصر.

ووقع كل من رئيس الوزراء الاثيوبي أبي أحمد مع رئيس دولة صومالي لاند غير المعترف بها من قبل الأمم المتحدة موسى بيهي عبدي، اتفاقاً ينص على ” استحواذ أثيوبيا على 11% من ميناء بربرة على البحر الأحمر، واتخاذ منفذ بحري لها هناك”. وبربرة هو ميناء أفريقي على الساحل الجنوبي لخليج عدن، عند مدخل البحر الأحمر المؤدي إلى قناة السويس.

وفي أول تصريح لابي أحمد، خلال مراسم التوقيع مع موسى بيهي عبدي في العاصمة الاثيوبية اديس أبابا قال: “تم الاتفاق على هذا الآن مع أشقائنا في أرض الصومال، وتم التوقيع على مذكرة التفاهم”.

واعتبر عبدي أن هذا الاتفاق سيكون بمثابة “اعتراف أثيوبي بدولة أرض الصومال كدولة مستقلة”.

وفي تصريحٍ لرضوان حسين، مستشار الامن القومي لأبي أحمد، قال “مذكرة التفاهم تمهد الطريق لأثيوبيا للتجارة البحرية في المنطقة بمنحها إمكانية الوصول إلى قاعدة عسكرية مستأجرة على البحر الأحمر”.

وأضاف أن أرض الصومال ستحصل على حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة. [1]

وأتى هذا الاتفاق بعد أسبوع من استئناف المفاوضات لتسوية المسائل العالقة، بين الصومال وأرض الصومال بوساطة قادتها جيبوتي.

إلا إنه أشعل غضب الدولة الصومالية التي أعلنت رفضها القاطع له واعتبرته “لاغيا ولا أساس له من الصحة، ويشكل خطراً على الاستقرار والسلام في المنطقة، ويعد اعتداءً سافراً على السيادة الداخلية لجمهورية الصومال الفيدرالية”.

وكذلك أعرب رئيس الوزراء حمزة عن عزم الحكومة على حماية سيادة البلاد، وقال: “ما من أحد يمكنه أن ينتهك أي جزء من أراضي الصومال أو بحره أو جوه”.

ولم تكتفِ مقديشو بذلك، فقد سارعت إلى استدعاء سفيرها في أديس أبابا للتشاور معه في إعقاب هذه المذكرة.

وجاء هذا الاتفاق بعد شهرين من تصريح أبي أحمد أمام البرلمان أن بلاده بحاجة إلى تعزيز حقها في الوصول إلى البحر الأحمر، واعتبر ان هذه القضية أصبحت قضية وجودية بالنسبة لإثيوبيا.

 وقال إن “وجود أثيوبيا مرتبط بالبحر الأحمر”، مضيفاً أنه “إذا كنا -دول القرن الافريقي- نريد أن نعيش معاً في سلام فإن علينا أن نجد طريقة للتشارك المتبادل مع بعضنا البعض بطريقة متوازنة”. [2]

وتحاول أثيوبيا (الدولة الحبيسة) من خلال هذا الاتفاق الانضمام إلى منتدى البحر الأحمر وخليج عدن الذي تم تأسيسه عام 2020 والذي يضم السودان ومصر وإريتريا وجيبوتي والصومال من الجهة الافريقية للبحر الأحمر، والسعودية والأردن من الجانب الآسيوي.

ولا يعد هذا الاتفاق هو الأول من نوعه فقد سبق أن وقعت أرض الصومال عام 2016 اتفاقاً مع الإمارات العربية المتحدة عبر شركتها العملاقة موانئ دبي العالمية بقيمة 442 مليون دولار، لتشغيل مركز تجاري ولوجستي إقليمي في ميناء مدينة بربرة التجارية.

ووقعوا أيضاً بعد سنتين من ذلك التاريخ اتفاقية لتطوير مشروع منطقة اقتصادية حرة تتكامل مع مشروع تطوير ميناء بربرة، لتحتفظ موانئ دبي بحصة تبلغ 51% من المشروع، بقدرة تشغيلية تصل إلى 500 ألف حاوية سنوياً. [3]

صومالي لاند إقليم انفصالي دون اعتراف دولي

تقع منطقة صومالي لاند في شمال الصومال على خليج عدن تحدها من الجنوب والغرب أثيوبيا، ومن الشمال خليج عدن، ومن الشمال الغربي جيبوتي ومن الشرق إقليم بونتلاند الصومالي، تبلغ مساحته نحو مليون و376 ألف كيلومتر مربع، وعاصمته هرجيسا.

أعلنت أرض الصومال استقلالها في 18 مايو من عام 1991، بعد سقوط نظام محمد سياد بري في مقاديشو، فيما غرقت الصومال في فوضى لم تخرج منها حتى الآن.  

وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثين عام على هذا الانفصال، وإن كانت صومالي لاند تنتخب حكومتها وتملك عملتها الخاصة وتصدر جوازات سفر، لكن الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لم يعترفا بها كدولة مستقلة، ولا تزال الحكومة الصومالية تعتبرها جزءا من أراضيها. [4]

 الرغبة في بسط السيطرة

في منتصف القرن الماضي كانت أثيوبيا تتمتع بمنفذ بحري سيادي على البحر الأحمر عبر ميناءي “عصب” و”مصوع” في إرتيريا، حتى استقلال الأخيرة عنها عام 1993.

بقيت أثيوبيا محافظة على وصول هش إلى ميناء إريتريا حتى دخل البلدان في الحرب بين عامي 1998-2000. ومنذ ذلك التاريخ تعتمد أثيوبيا في تجارتها على جيبوتي، حيثُ يمر أكثر من 95% من وارداتها وصادراتها عبر ممر أديس أبابا-جيبوتي.

 وتسعى أثيوبيا لتصبح أحد أقطاب القارة الافريقية من خلال إبراز هيمنتها ونفوذها في منطقة القرن الافريقي التي تنظر إليها على أنها منطقة نفوذ إقليمي.

وتعتبر أن حصولها على منفذ بحري سيادي لها على البحر الأحمر أحد أهم أدوات تحقيق هذا الهدف. إضافة إلى ذلك سيكون وصول أثيوبيا إلى البحر الأحمر مفيد للغاية في التصدير والاستيراد لدولة يبلغ عداد سكانها 120 مليون نسمة، خاصة أن استخدام موانئ جيبوتي أصبح مكلفاً للغاية.

ومن الناحة الاستراتيجية يعتبر دخول أثيوبيا إلى البحر الأحمر “سيؤهلها للعب دور في حماية الامن الإقليمي”. 

إشعال التوتر في المنطقة

يهدد التفاهم الإثيوبي مع أرض الصومال بإشعال التوتر في منطقة القرن الافريقي، ففي ظل التوترات المستمرة بين أثيوبيا وإرتيريا، يُخشى الآن من أن تؤدي هذه الخطوة إلى صراع بين أثيوبيا والصومال.

إن نجاح إثيوبيا في تحقيق هدفها في الوصول إلى البحر الأحمر سيمنحها نقطة انطلاق للتحكم في حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب الواصل إلى قناة السويس، ما يهدد الأمن القومي لعدد من الدول في المنطقة من بينها مصالح مصر الاقتصادية والأمنية، إذا ما وظفت إثيوبيا نفوذها في أرض الصومال لصالح أجندتها السياسية.

وتصريحات أبي أحمد مع أعضاء البرلمان الاثيوبي حيثُ قال “إن كان هناك من يريد أن يشاركنا في نهر النيل فلماذا لا نشاركهم في البحر الأحمر”، لخير دليل على طبيعة الأداء الاثيوبي حيال القضايا الإقليمية.

ويشمل الاتفاق الاثيوبي مع ارض الصومال وجود أسطول بحري أثيوبي وهو قد يتيح لأثيوبيا من الهيمنة على مداخل ومخارج المنطقة البحرية.  

ومن خلال هذه الاطلالة البحرية يمكن لأثيوبيا إقامة قاعدة عسكرية بحرية ستمكنها من محاربة القرصنة ومنع استهداف الناقلات التجارية سواء من جانب الحوثيين أو الفصائل الصومالية، مما يعزز علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل والامارات.

لكن هل تشكل الخطوة الاثيوبية منطلقاً لاصطفاف يجمع كل من أثيوبيا والامارات وإسرائيل، وقد تدخل إليه إيران وتركيا وذلك بهدف الضغط على مصر في قضية مياه النيل وسد النهضة الاثيوبي؟   

Bibliography

[1]“إنفتاح اثيوبيا على البحر الاحمر يشعل توتراً إقليمياً,” ٤ ١ ٢٠٢٤. [Online]. Available: https://middle-east-online.com/%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D8%A3%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%B1-%D9%8A%D9%8F%D8%B4%D8%B9%D9%84-%D8%AA%D9%88%D8%AA%D8%B1%D.
[2]م. إ. قنادلا, “الرئيس الاثيوبي أبي أحمد البحر الاحمر قضية وجودية ومستعدون لعرض الامر على المحافل الدولية,” ١٤ ١٠ ٢٠٢٣. [Online]. Available: https://zenazajel.net/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D8%A3%D8%A8%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85/.
[3]“توقيع إتفاقية بين دبي وصومالي لاند,” ٢٠١٧. [Online]. Available: https://somaliatoday.net/%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%B9-%D8%A5%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%84%D8%A7/.
[4]“حمهورية أرض الصومال دولة الامر الواقع التي لا يعترف بها احد,” ٣٠ ٩ ٢٠١٨. [Online]. Available: https://web.archive.org/web/20200329215808/https://www.sasapost.com/the-story-of-unrecognized-state-of-somaliland/.

ريم عطوي

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة افريقيا وجنوب الصحراء الكبرى في المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان- بيروت. حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة الإسلامية في لبنان
زر الذهاب إلى الأعلى