حول الاخفاق الاستراتيجي الروسي ….

بقلم الزميل المقيم حسان يونس

تمثل قراءة الواقع والخروج منه بخلاصات تضيء ضباب الآتي وتستقريء مستقبل الامبراطوريات وابعاد تطورها إحدى العلوم الأكثر حساسية وهي قضية تتجاوز التحليل السياسي بمعناه التقليدي وتجمع في طياتها الكثير من الحقول المعرفية التي تتضافر لكشف النقاب عن تطورات تبدو للوهلة الأولى مستبعدة وخارج سياق الأحداث.
في هذا الإطار، كشف رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، المفكّر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف، أنّ “تفكّك روسيا سيبدأ من الجمهوريات الروسية الإسلامية التي تنتمي غالبية شعوبها الى القومية التركية. التي يبلغ عددها 8 جمهوريات يبلغ مجمل مساحاتها 500 ألف كم2 وعدد سكانها 17 مليون نسمة تقريباً.
الاشارة التي التقطها الدكتور وليد يوسف وانطلق منها في دراسته المنشورة تحت عنوان “الاخفاق الاستراتيجي العظيم… لم يبقَ لروسيا إلا النووي!”، في 13 نوفمبر 2023، هي قيام مجموعة من المواطنين الروس باقتحام مبنى مطار محج قلعة (عاصمة جمهورية داغستان) في منتصف تشرين الاول 2023، بعد أنباء عن هبوط طائرة قادمة من تل أبيب تنقل مواطنين إسرائيليين، “وصولا إلى قيام المجموعة بتحطيم صالات المطار والاعتداء على الموظفين”.
تحدث الدكتور وليد يوسف، انطلاقا من هذه الإشارة “عن جذوة متقدة تحت السطح في الجمهوريات الإسلامية التركية داخل روسيا ووجود جماعات وتنظيمات إسلامية تقوم بحشد وتعبئة المسلمين فيها لإثارة الفتن والأزمات والحروب الدينية والقومية في المستقبل في روسيا”. وانتهى بعد سلسلة من الاستدلالات التاريخية والراهنة، إلى أن روسيا وقعت في حصار استراتيجي رباعي. في آسيا الوسطى وفي منطقة القوقاز وفي البحر الأسود وفي بحر البلطيق وحدودها الشمالية والغربية مع الدول الاسكندنافية.
في اسيا الوسطى تتوضع الجمهوريات التركية الخمس، أوزبكستان وكازخستان وتركستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، حيث يتقدم النفوذ الصيني والأمريكي والاوروبي على أسس اقتصادية وأمنية على حساب النفوذ الروسي الذي يعاني من ضعف اقتصادي ازداد ضعفا بعد الغزو الروسي لاوكرانيا في فبراير 2022.
وفي هذا الإطار، أعلن وكيل وزارة الطاقة الكازاخي، يرلان أكينجينوف، في 1 سبتمبر 2022، ان بلاده (التي تعد أكبر منتج للنفط في آسيا الوسطى) تبحث عن بدائل لتصدير نفطها خارج الأراضي الروسية. حيث يصدر النفط الكازاخي عبر “اتحاد خطوط أنابيب بحر قزوين” المار عبر روسيا، والذي أوقفته روسيا ثلاث مرات في مارس ويونيو ويوليو 2022 في إطار حرب أنابيب الطاقة مع الغرب. وكذلك، أعلنت كازخستان (أكبر منتج لليورانيوم في العالم)، في 10 نوفمبر، اتفاقاً طويل الأمد لتوريد المعدن المشع إلى الصين، وهذه جميعا مؤشرات على انحسار النفوذ الروسي في آسيا الوسطى، عطفا على تآكل الهيبة الروسية بعد تعثر الغزو الروسي لاوكرانيا وتهشم الجيش الروسي في تلك الحرب.
اضافة الى ذلك، خرجت مؤخرا بيانات من مصادر متعددة حكومية روسية واستخبارية امريكية تكشف هشاشة الوضع الديمغرافي الروسي وتؤكد حقيقة الاخفاق الاستراتيجي الذي كشفته دراسة الدكتور وليد يوسف، فوفقا لصحيفة “إزفستيا” الروسية، 24 ديسمبر، ونقلا عن معهد الاقتصاد التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، تعاني روسيا من نقص في عدد العمال والموظفين يبلغ نحو 4.8 مليون في عام 2023 وستستمر هذه المشكلة وبشكل حاد في عام 2024. فيما كشف تقييم استخباراتي أميركي، رفعت عنه السرية مؤخراً في الكونغرس الامريكي في ديسمبر 2022، ان 315 ألف عسكري روسي سقطوا بين قتيل وجريح في أوكرانيا منذ أواخر فبراير 2022 أي نحو 90% من عدد القوات الروسية، الذي كان يبلغ قبل الحرب 360 ألفا وفق التقييم، وأن الروس خسروا أكثر من 2200 دبابة من أصل 3500 دبابة كانت لديهم قبل اندلاع النزاع. وبحسب التقييم فإن تلك الخسائر البشرية والمادية أعاقت بشكل حاد 15 عاما من جهود روسيا لتحديث قواتها البرية.
هذا النزيف البشري الهائل دفع الرئيس الروسي الى اصدار مرسوم يسمح للأجانب الذين يقاتلون لحساب روسيا في أوكرانيا بالحصول على الجنسية الروسية لأنفسهم ولأسرهم. سواء قاتلوا مع الجيش النظامي أو “التشكيلات العسكرية” الأخرى، وهو وصف يمكن أن ينطبق على مجموعات مثل مجموعة “فاغنر” الأمنية الخاصة.
وهو إجراء يعني فيما يعني ان روسيا لم تعد تستطيع تأمين الموارد البشرية اللازمة لحربها في أوكرانيا بحيث أنها تعرض جنسيتها على من يقاتل في صفوف تشكيلاتها العسكرية هناك، كما يكشف في جانب اخر الهشاشة الديمغرافية لهذه الدولة الممتدة في أكبر اتساع جغرافي في العالم وعلى امتداد تنوع اثني وديني يصعب الابقاء عليه مجتمعا في “اتحاد روسي” بعد تهشم الهيبة العسكرية والادارية لهذا الاتحاد.
ما يعني ان التناقضات الاثنية والدينية الكامنة تحت السطح، والمتحركة فوقه إلى حد ما، ستعلن عن نفسها بشكل سريع وحاسم مع استمرار انكشاف هشاشة البنية السياسية والعسكرية والديمغرافية الروسية.
المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

