حوادث معبر “العوجة – نيتسانا” والعلاقات المصرية الإسرائيلية.. ماذا لو طالت حرب غزة؟

بقلم الصحافية زينب زعيتر
إعلامية لبنانية ومعدة ومقدمة برامج في الإذاعة اللبنانية، وتعمل في إعداد الوثائقيات والدبلجة.

على وقع الحرب القائمة بين إسرائيل وحركة “حماس” في قطاع غزة، تمرّ العلاقات المصرية – الإسرائيلية بكثير من التوترات التي تفرضها تطورات الأحداث الأخيرة، بعد ما يقارب الخمسين عاماً على آخر معركة بين مصر واسرائيل عام 1973 و46 عاماً على اتفاقات “كامب ديفيد” عام 1978.
فعلى الرغم من الحدود “الهادئة” نسبياً بين مصر واسرائيل، إلا أنّ حوادث إطلاق النار كما حصل في معبر العوجة مؤخراً تعود لتطرح علامات استفهام كبيرة حول مصير العلاقات وخصوصاً بعد تلويح مصر بالحديث عن المخاطر التي تمس الأمن القومي المصري نتيجة الاقتراحات الإسرائيلية المدعومة بالاستحسان الأمريكي، بنقل سكان غزة إلى شبه جزيرة سيناء المصرية، وهو ما يهدف بشكل مباشر إلى إحداث تغيّر جيوسياسي في خريطة الملفّ الفلسطيني – الإسرائيلي بشكل خاص والخريطة الإقليمية والعربية بشكل عام.
ولا بدّ هنا من التوقف أولاً عند الحوادث الحدودية الأخيرة بين مصر واسرائيل، وأحدثها ما حصل في معبر العوجة الحدودي أو ما يُعرف باسم “نيتسانا” في إسرائيل، وإصابة مجندة إسرائيلية بعد تبادل لإطلاق نار بين مسلحين وجنود إسرائيليين، وهو ما يطرح التساؤل حول طبيعة معبر “العوجة – نيتسانا” الحدودي، وما تاريخه وأهميته بالنسبة إلى الجانبين.
ومن لا يعرف معبر العوجة، فليعد بالذاكرة إلى الرابع من يونيو/حزيران 2023، عندما قام المجنّد المصري محمد صلاح بقتل جنديين اسرائيليين عند المعبر، ثمّ قُتلَ بعد ملاحقته وحصول تبادل إطلاق نار أدّى أيضاً إلى مقتل جندي اسرائيلي ثالث. وهو ما أعاد حينها الحديث عن مستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل، وشكّل صدمة لدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والحكومة، حيث تمّ البحث في إعادة الكثير من الحسابات الإسرائيلية سواء في ما يتعلق بالمنظومة الأمنية وفكرة اختراق أمن إسرائيل في المجمل أو في الوضعية الحدودية مع مصر على وجه الخصوص وهو ما يرتبط بشكل وثيق بفكرة نقل سكان غزة إلى سيناء.
والجدير بالذكر أنّ حادثتي يونيو/حزيران 2023 ويناير/كانون الثاني 2024، جاءتا بتوقيت لافت، فالحادثة الأولى أتت في خضمّ مناورة كبرى كان يجريها الجيش الاسرائيلي تحت عنوان “اللكمة القاضية”، والثانية في توقيت الحرب المستمرة في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة “حماس”. فما مصير العلاقات بين مصر واسرائيل؟
معبر العوجة جغرافياً
قبل الاجابة على هذا السؤال بالفرضيات المحتملة على وقع الأحداث، لا بدّ من إطلالة على الموقع الجغرافي للمعبر وأهميته إضافة إلى معبر رفح ومنطقة سيناء على مستوى الخارطة السياسية العربية.
يقع المعبر على بعد ما يزيد قليلاً عن 40 كيلومتراً إلى الجنوب من معبر رفح وهو المعبر الرئيسي بين مصر وقطاع غزة. بدأ العمل في المعبر البرّي، بعد توقيع معاهدة “كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل، التي وقعها الرئيس المصري أنور السادات، ورئيس حكومة إسرائيل مناحم بيغن، في 17 سبتمبر/أيلول عام 1978 برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.
عندما افتتح المعبر عام 1982، كان يستخدم لعبور المسافرين والبضائع، لكن منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بعد اتفاقيات أوسلو، أصبح معبر نيتسانا/العوجة مقتصراً على عبور البضائع فقط.
ويعمل هذا المعبر الحيوي إلى جانب معبر رفح الشهير، إضافة إلى معبر طابا الحدودي قرب إيلات. وبحسب اسرائيل يُعتبر هذا المعبر، المعبر البرّي الرئيسي بين مصر واسرائيل لنقل البضائع، ويقع في منطقة تقاطع ونشاط تجاري، ما يساهم في تعزيز العلاقات التجارية بين مصر واسرائيل.
ومنذ الحرب في غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبح معبر رفح نقطة الدخول والخروج الرئيسية للإمدادات الإنسانية التي يتم إرسالها إلى غزة، وبموجب نظام معمول به منذ 21 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يتعين على شاحنات المساعدات أن تخضع للتفتيش في معبر نيتسانا “العوجة” على الحدود المصرية مع إسرائيل قبل التوجه إلى رفح لتسليم حمولاتها في رحلة تزيد مسافتها على 80 كيلومتراً.
فما مصير العلاقات بين مصر واسرائيل؟
لا يرتبط الحديث عن معبرَيْ العوجة أو رفح فقط بالأحداث التي تحصل هناك، بل هناك أبعاد أخرى تتمثل في الهدف الاسرائيلي المعلن بنقل أهالي غزة إلى شبه جزيرة سيناء في مصر، فما يحصل على الحدود يأتي من ضمن استراتيجية اسرائيلية تلقى قبولاً أمريكياً واضحاً، وهو ما يُعرف لدى الاسرائيليين بإقامة “دولة سيناء – غزة” أو “Sinai – Gaza State” وبحسب بعض الجنرالات الاسرائيليين فإنهم ينطلقون من اعتبار أنّ قطاع غزة مكتظ بالسكان، ولا يمكن له أن يكون دولة مستقلة، وبالتالي فإنّ ضمّ الأراضي من سيناء سيوفر حلاً من شأنه تعزيز الاستقرار الإقليمي والحماية.
وهذا المقترح ليس بجديد، ولكنه عاد للظهور بعد حرب غزة، وكما قلنا فإنّه يحظى بدعم أمريكي، فسبق لمنسق الاتصالات الإستراتيجية بمجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي أن قال في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023: “على المصريين أن يستعدوا لفتح معبر رفح والسماح بتدفق حركة المرور البشري من خلاله”. وكذلك عبر عن الفكرة بوضوح مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قائلًا إن “واشنطن تجري محادثات مع إسرائيل ومصر بشأن توفير ممر آمن للمدنيين في غزة”.
وكان القيادي في حزب “إسرائيل بيتنا”، داني أيالون، وهو حزب مشارك في “حكومة الطوارئ” التي شكلها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالتعاون مع وزير الدفاع السابق بيني غانتس، اقترح نقل سكان غزة إلى شبه جزيرة سيناء.
صفقة القرن
إلى ذلك كانت هناك تقارير تتحدث عن وجود ضغوط من مجلسَيْ الكونغرس الأمريكي لتوفر مصر بديلًا آمنًا لمئات الآلاف من سكان غزة في شمال سيناء. وكان عدد من النواب بعثوا برسالة إلى معتز زهران، السفير المصري لدى الولايات المتحدة، يحثون فيها القاهرة على إنشاء مناطق آمنة للمدنيين في سيناء، والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية عبر مصر.
يذكر هنا، أن مخطط نقل سكان غزة كان قد طرح في “صفقة القرن” في أيام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2017، التي تم وضعها تحت إشراف مستشاره وصهره جاريد كوشنر. وتشمل الخطة توسيع قطاع غزة ليمتد إلى سيناء أو في أسوأ الأحوال تنفيذ عمليات نزوح جماعية من القطاع للأراضي المصرية.
ورغم نفي الإدارة الامريكية لهذا الأمر مراراً وتكراراً، إلا أنّ ردة فعل الجانب المصري تؤكد العكس، إذ تتوالى التصريحات المصرية – على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري – الرافضة لمخطط التهجير.
وفي مؤتمر صحافي عقده مع المستشار الألماني، أولاف شولتس، في القاهرة، في 18 اكتوبر/تشرين الأول 2023، أكد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، رفضه الإشارات الإسرائيلية لنقل سكان غزة إلى سيناء، معتبراً أن الهجمات على غزة مقصود بها تنفيذ هذا الاقتراح.
واقترح السيسي أنه “إذا كان من الضروري نقل مواطني القطاع خارجه حتى انتهاء العمليات العسكرية، فيمكن لإسرائيل نقلهم إلى صحراء النقب”.
وبالتالي يمكن القول، إنّ العلاقات بين مصر واسرائيل تأثرت مؤخراً بسبب هذه المخططات، وإن لم تكن هذه العلاقات قوية ومتينة يوماً، إلا انّها كانت تقوم على التمثيل الديبلوماسي وكذلك العلاقات التجارية، ويعوّل عليها البعض اليوم من أجل انهاء الصراع في غزة أو أقله التوصل إلى هدن إنسانية تحتّم على الجانب الاسرائيلي ايقاف المجازر المتكررة بحقّ الفلسطينيين في غزة.
وفي الفرضيات المستبعدة لأسوأ ما قد تؤول اليه هذه العلاقات، هو امكانية سحب السفراء وهذا أمر كما قلنا مستبعد بشكل كبير جداً، ورغم كل هذا التوتر في العلن الا انّ الأمور لن تصل الى مرحلة القطيعة.
ماذا لو طالت الازمة؟
ولكن ماذا لو طالت الأزمة؟ سؤال يطرح بشكل قوي مؤخراً، فهل قد يؤثر ذلك على العلاقات بين مصر واسرائيل أو يؤدي الى اشتعال الجبهات الحدودية أقله من ناحية الأحداث المتكررة على المعابر، وخصوصاً مع الالتفاف الشعبي المصري حول غزة ودعوات المصريين ونزولهم المتكرر إلى الشارع لوقف الحرب هناك على غزة.
وبالتالي يضيف الصراع في غزة طوقاً جديداً على الحدود المصرية – الاسرائيلية من جهة، وعلى العلاقات المصرية مع دول أخرى مثل امريكا من جهة ثانية، الداعم الأكبر لاسرائيل وخصوصا أن مصر لا تريد الانخراط بأي شكل من الأشكال في المعركة لقربها الجغرافي منها، وتأكيد مصر دائماً على انّها “لن تقبل أبدًا بالدعوات لتصفية القضية الفلسطينية على حساب أي دولة بالمنطقة، ولن تتهاون للحظة في الحفاظ على سيادتها وأمنها القومي”، كما جاء في بيان الرئاسة المصرية خلال “قمة القاهرة للسلام” التي انعقدت في 21 اكتوبر/تشرين الأول 2023.
ومن المفترض ان تحدد الايام المقبلة على وقع الحرب في غزة، كيفية تعاطي الطرفين المصري والاسرائيلي مع الاحداث الاخيرة وما سيليها وما انعكاساتها على مستقبل التنسيق الأمني والسياسي والعسكري بينهما.
المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتبة

