الحركات الإسلامية وصراعات الشرق الأوسط.. الحروب بشكلها الجديد

يتّسم العنف السياسي المتصاعد والصراعات والحروب في الفترة الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا بوجود الجماعات الإسلامية السياسية. فالحرب بين إسرائيل و”حركة حماس” في قطاع غزة، والتي توسعت لتشمل “حزب الله” في جنوب لبنان، وحركة “أنصار الله” (الحوثيين) اليمنية في البحر الأحمر، و”الحرس الثوري الإيراني”، و”الحشد الشعبي” في العراق… تُظهِر أن هذه الأطراف جميعها تقع تحت ما يسمى بـ”الحركات الإسلامية السياسية”.
والحركات الإسلامية السياسية في الأساس هي الحركات التي تزعم أنها تهدف إلى “اصلاح المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يتوافق مع قوانين الشريعة الإسلامية”. كما أن هدف هذه الجماعات الأساسي يركز على محو الأفكار الاشتراكية أو القومية، مع تعبئة سياسية عقائدية لترسيخ هوية “إسلامية” تقوم على الطائفية والمذهبية.
وهذا الأمر ليس بجديد، ففي السنوات الأخيرة وقعت الحروب الأهلية في بلدان إسلامية حيث كانت الحركات الإسلامية في معظمها طرفاً فيها، بعدما اجتاحت العالم العربي موجة من الانتفاضات التي بدأت في تونس في أواخر عام 2010 وانتشرت في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط.
والحروب ليست وليدة اليوم، بل انها ظاهرة إنسانية قديمة، ولم يخلُ أيّ عصر من العصور القديمة من اشتعال الحروب والصراعات، ولا تخلو صفحات التاريخ من النزاعات والحروب بين الأمم وخاصة بين الإمبراطوريات والممالك القديمة. ولكن الحروب تقليدياً كانت بين الجيوش النظامية، بين دولتين أو أكثر. ولكن مؤخراً، بدأ يتبلور مصطلح “الحروب الجديدة” لتمييزها عن الحروب التقليدية التي عادة ما تكون أهدافها تتمحور حول نشر أيديولوجيات معينة مثل الديموقراطية أو الاشتراكية، أما “الحروب الجديدة”، فهي غالباً ما تكون دينية أو إثنية أو قبلية، وترمي إلى سيطرة مجموعة معينة، محلية أو إقليمية على الدولة.
وقد تغيّر منطق الحرب، ولم تعد الحكومة أو الدولة هي الطرف الوحيد الذي يقوم بشن الحرب ويحتكر ممارسة العنف، بل باتت مجموعات وفصائل وتنظيمات من خارج إطار الهيكل الإداري للدولة والتي تلتقي عند خطوط اثنية وسياسية ودينية تشارك الدولة أيضاً في قرار الحرب وممارسة العنف.
وأصبح تنظيم عسكري لا يحظى بشرعية التمثيل من قبل الشعب بأكمله يشنّ حروباً ويخوض معارك، يزعم فيها هذا التنظيم أنه يمتلك حق خوض الصراع وامتلاك القوة باسم مجموعة اثنية أو عرقية أو دينية.
وفي عام 2012، كانت هناك ست حروب في الدائرة الجيواسلامية، في أفغانستان وباكستان والسودان، والصومال، وسوريا، واليمن. ومن بين الجماعات التسع المشاركة في هذه الصراعات، سبعة منها كانت ذات أيديولوجية إسلامية.
بدأت موجة الحروب في المنطقة مع بدء ما عرف بـ”الربيع العربي” وهو مجموعة من الحركات الاحتجاجية التي انطلقت في بعض البلدان العربية عام 2010 ومطلع 2011، متأثرة بـ”الثورة التونسية” التي نجحت في الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي. ثم نجحت “الثورات” بالإطاحة بستة أنظمة أخرى، فبعدَ “الثورة التونسية” نجحت “الثورة المصرية” بإسقاط الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ثم “الثورة الليبية” التي أدت الى قتل الزعيم الليبي معمر القذافي وإسقاط نظامه، فـ”الثورة اليمنية” التي أجبرت الرئيس علي عبد الله صالح على التنحي، وأما الحركات الاحتجاجية فقد بلغت جميع أنحاء البلدان العربية، وكانت أكبرها حركة الاحتجاجات في سوريا.
وبالرغم من أن الأزمة في سوريا بدأت في مارس 2011 كإنتفاضة مدنية علمانية ذات مطالب اجتماعية، الا أنها تحولت إلى صراع مسلح شاركت فيه قوى إقليميّة وعالميّة، وتنظيمات جهاديّة تتبنى توجهاً إسلامياً كهيئة تحرير الشام وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” الذي يتبنى منهجاً تكفيريّاً مُتشدداً لا يزال مستمراً حتى اليوم.
أحدث “الربيع العربي” تحوُّلًا سياسيًا واستراتيجيًا في المنطقة؛ فبدأت الجماعات الإسلامية بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية وحققت نتائج بمستويات متفاوتة في دول عدة، حتى تلك التي لم تشهد أحداثاً مرتبطة بـ”الربيع العربي” بشكل مباشر، من بينها الكويت، والمغرب، وتونس، وليبيا، أمَّا الإسلاميون في مصر فقد تجاوزوا البرلمان إلى رئاسة الجمهورية بانتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر عام 2012.
ومنذ ذلك الوقت والأحزاب السياسية الإسلامية تتنافس في الانتخابات الديمقراطية في كل من بلاد الشام والخليج وشمال أفريقيا. وفي الوقت نفسه، تحولت الحركات من أحزاب سياسية إلى جماعات مسلحة تقوم بشن الحروب وإطلاق الصواريخ واحتجاز الرهائن والتفجيرات الانتحارية ضد أهداف دبلوماسية وعسكرية ومدنية لتعزيز تأثيرها ونفوذها وسلطتها.
ففي أفغانستان، قامت حركة طالبان باستعادة الحكم بعد السيطرة على العاصمة الأفغانية كابول في أغسطس 2021 بعد 20 عاماً من الحملة الأمريكية على أفغانستان واسقاط حكم طالبان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. ومنذ ذلك الوقت وهي تقوم بعمليات إعدام جماعي لمقاتلين من جبهة المقاومة الوطنية خارج نطاق القضاء، الأمر الذي اعتبرته منظمة العفو الدولية ” جرائم حرب تتمثل في فرض العقاب الجماعي على المدنيين”.
وفي السابع من أكتوبر 2023، قامت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية “حماس” التي تتولى الحكم في قطاع غزة بشن هجوم على إسرائيل، حيث اقتحم مسلحوها المنطقة القريبة من قطاع غزة ما أسفر عن مقتل مئات السكان واحتجاز عشرات الرهائن. وتعود أصول حركة حماس إلى جماعة الإخوان المسلمين، ثم أصبحت جزءاً من “محور المقاومة” – التحالف العسكري السياسي بقيادة إيران – وتتلقى تمويلًا وتسليحًا من إيران. ولم يكن هذا الهجوم الأول، فكانت قد أطلقت أو سمحت لمجموعات أخرى بإطلاق آلاف الصواريخ على إسرائيل، ونفذت هجمات مميتة أخرى في الماضي.
تطور الهجوم الأخير الى حرب مدمرة، تتباين فيها موازين القوى، بين جيش دولة، وحركة إسلامية. ولم تقتصر الحرب على قطاع غزة، بل توسعت لتطال الدول الاقليمية والدول الكبرى. فامتد الصراع الى الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله اللبناني – وهو جزء من محور المقاومة. والمواجهات بين حزب الله وإسرائيل لديها تاريخ طويل من الحروب والعمليات، بدأت منذ نشأة “المقاومة الإسلامية” عام 1982 في لبنان وصولًا إلى يومنا هذا.
ونفذت جماعات في العراق وسوريا واليمن وجميعها من “محور المقاومة” هجمات على قوات أمريكية وعلى اسرائيل للضغط على الولايات المتحدة لتضغط على اسرائيل لخفض تصعيدها على قطاع غزة. أبرزها من قبل “الحوثيين”، وهي حركة قبلية شيعية ظهرت في التسعينيات لإحياء الثقافة والإيمان. وعلى مدى العقد الماضي، استولت الجماعة على العاصمة صنعاء والأراضي الاستراتيجية على طول البحر الأحمر منذ سبتمبر 2014، وهي متحالفة مع إيران. ويقوم “الحوثيون” بهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، الأمر الذي أدى إلى تعطل حركة الشحن في قناة السويس، واستدرج رداً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اللتين نفذتا سلسلة من الضربات الجوية المشتركة على اليمن.
ولا تزال القوات الأمريكية منتشرة في العراق وسوريا لاحتواء الخلايا المتبقية من تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). ومنذ منتصف أكتوبر، تم استهداف الأمريكيين بطائرات بدون طيار وصواريخ وقذائف وقد نفذت الهجمات جهات متنوعة تنتمي لمحور المقاومة منها “كتائب حزب الله” العراقية و “حركة النجباء”.
خاضت إسرائيل أربع حروب مع الحكومات العربية المجاورة بين عامي 1948 و1973. لكن منذ ذلك الحين، جميع صراعاتها تكون مع منظمات وأحزاب إسلامية كمنظمة التحرير الفلسطينية، وحزب الله، وحماس، والحوثيين.
خلقت ندرة الحركات العلمانية والوطنية مساحة للحركات المتطرفة لملء الفراغ. فالصيغ القديمة للحروب قد ولّت، ولم تعد الحرب بين الدول وجيوش الدول، والثورات لم تعد ذات طابع علماني، وانما أصبحت تقودها الجماعات الإسلامية السياسية. وأصبحت المنافسة السياسية في العالم العربي محصورة في مواجهة مباشرة خطيرة بين الأحزاب الإسلامية والحكومات القائمة.

