الشائع

هل تتعرض أوروبا إلى أزمة في إمدادات الغاز وموجات تضخّم جديدة؟

بقلم الباحث الاقتصادي الدكتور أيمن عمر

منذ بدء الحرب الروسية – الأوكرانية في فبراير 2022، يتجدّد سنويًا في فصل الشتاء قضية الطاقة في اوروبا وإمكانية حدوث أزمة في هذا المجال، وقد وصل استخدام أوروبا للوقود إلى أدنى مستوى له في نحو ثلاثة عقود. وفي أحدث تقرير لوكالة الطاقة الدولية الجمعة 26 يناير، توقّع أن ينمو استهلاك الوقود في أوروبا 3% على أساس سنوي، لكن ذلك سيظل أقل بكثير عن مستويات ما قبل أزمة الطاقة التي تسبّبت في خفض الطلب في القارة العام الماضي إلى أدنى مستوى منذ 1995. وقد أوضح التقرير أن أوروبا استفادت خلال العام الماضي من زيادة قياسية في توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، كما تعافت صناعاتها من استخدام الغاز إلى حد ما. ومن المتوقع استمرار انخفاض استخدام الغاز في قطاع الطاقة بنحو 10% هذا العام، مما يعوّض جزئيًّا ارتفاع استخدامه من قبل الأُسر والشركات.

وللتخفيف من اعتمادها على الغاز الروسي وتفادي وقوعها في أزمات، اعتمدت أوروبا في سياستها لتوفير الوقود اللازم للشتاء على عدة إجراءات، وهي:

1- اللجوء إلى الغاز الطبيعي المُسال، حيث شكل الغاز الطبيعي المُسال مستوى قياسياً بلغ 37% من إمدادات أوروبا العام الماضي لتحل محل قدر كبير من الغاز الروسي.

2- ترشيد المصانع والأسر لاستهلاك الغاز إذ انخفض استهلاكها بنحو 55 مليار متر مكعب ومن المتوقع تخفيض المنطقة الطلب على الغاز بمقدار 50 مليار أخرى بحلول عام 2030.

3- ارتفاع مستويات تخزين الغاز التي جاهدت أوروبا لحشدها على مدار العام الماضي (2023)، إذ إن مخازن الغاز كانت ممتلئة بنسبة 99.5% حتى الإثنين 13 نوفمبر 2023.

4- التوجّه إلى الطاقة المتجدّدة إذ قرر الاتحاد الأوروبي رفع حصة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء إلى 42.5% بحلول 2030.

5- اعتماد الشركات الأوروبية على عقود الغاز الطبيعي المسال طويلة الأجل لتعزيز أمن الطاقة، حيث أبرمت ثلاث شركات كبرى، هي: “توتال إنرجيز” و”شل” و”إيني” صفقات غاز مدتها 27 عاماً مع قطر في أكتوبر الماضي، ومن المقرر تسليم الإمدادات المتفق عليها في هذه الصفقات إلى فرنسا وهولندا وإيطاليا من الآن وحتى العام 2050.

6- الاعتماد على مصادر بديلة مثل دول الخليج وليبيا، فخلال عام 2023 نجحت الدولة الخليجية في تلبية 13% تقريبًا من استهلاك الغاز في غرب أوروبا.

موجات التضخم

إن ما يحدث في مضيق باب المندب والبحر الأحمر من شأنه إشعال أزمة طاقة جديدة في أوروبا بسبب ضعف الإمدادات الناتج عن تجنّب ناقلات النفط والغاز تلك المنطقة والتوجّه إلى رأس الرجاء الصالح والتأخر ما لا يقلّ عن 15 يوما لوصول الشحنات.

ففي 15 يناير 2024، توقّفت 5 ناقلات غاز مسال قطرية عن عبور قناة السويس من خلال البحر الأحمر. يُضاف إلى ذلك أزمة جفاف قناة بنما، ما يضع طريقين رئيسين لتوصيل شحنات الغاز المسال في خطر، ويضيف طولًا لمدة الرحلات وارتفاعًا في تكلفة الشحن والتأمين.

أشعل الصراع في مضيق باب المندب والبحر الأحمر المخاوف من جديد في عودة موجات التضخم في أوروبا والعالم. فقد ارتفعت أسعار كلفة الشحن الوارد عبر مضيق باب المندب بنسب وصلت إلى 170%، الأمر الذي دفع أهم شركات شحن عالمية مثل شركة “إم إس سي” وهي أكبر شركة شحن في العالم من تعليق كل رحلاتها عبر المضيق. وتتوقع تقديرات لمكتب الإحصاءات الأوروبية، أن تتسبّب أزمة البحر الأحمر في ارتفاع التضخّم بنصف درجة مئوية، على مدى الربعين الأول والثاني من 2024، وهو ما يُضعف من إمكانية تخفيض معدلات الفائدة المرتفعة البالغة 4% وهي من أعلى المعدلات. وفي الولايات المتحدة، عاد التضخم للارتفاع إلى 3.4% في ديسمبر الماضي، من 3.1% في الشهر السابق له، مع ارتفاع كبير في معدل 5.5%، وهي أعلى نسبة منذ 2001 حسب بيانات الفدرالي الأميركي.

إن طول الصراع في البحر الأحمر وجفاف قناة بنما وصعوبة الملاحة فيها، سيشكّل خطرًا على سلاسل التوريد في أوروبا وعلى مستوى العالم ككل، وعلى إمكانيّة نقل الموارد والبضائع بحرًا مما سيزيد من كلفة الشحن والتأمين، وتالياً الدخول في موجة جديدة من الضغوط التضخّمية وما لذلك من تداعيات على المستوى الاجتماعي والمعيشي.

المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى