تداعيّات قطع كابلات الإنترنت في البحر الأحمر

بقلم الباحث الاقتصادي الدكتور أيمن عمر

نعيش اليوم في عصر متسارع من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث تشكّل الاتصالات والتواصل الاجتماعي أداة مهمة في الاقتصاد الحديث والتي تعتمد على الإنترنت. وتتم الغالبية العظمى من الاتصالات في العالم اليوم باستخدام الكابلات تحت الماء، من خلال 800 ألف كيلومتر من كابلات الاتصالات في قاع البحار حول العالم، حيث يُعتبر تمرير الكابلات تحت الماء أكثر أماناً، فالكابلات البرّية معرّضة للكثير من المخاطر. وهي تتكوّن في معظمها من ألياف ضوئية تنقل المعلومات بمعدل يعادل حوالي مائة وخمسين مليون مكالمة هاتفية عبر الإنترنت في وقت واحد، فهي تنقل أكثر من 95% من الاتصالات الدولية سواء الاتصالات المباشرة أو نقل البيانات.
اليمن يتحكّم بخطوط الإنترنت
تعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة مركزيّة لهذه الشبكة، وتُعتبر المنطقة الممتدة من بورسعيد في مصر إلى سلطنة عُمان من أهم المناطق في حركة الاتصالات السلكية واللاسلكية. وتتحكّم اليمن بأهم خطوط الإنترنت في العالم بحكم موقعها الجغرافي المطلّ على البحر الأحمر، إذ تمرّ الكابلات التي تربط أوروبا وأفريقيا وآسيا عبر مصر، ثم تشق البحر الأحمر إلى مضيق باب المندب بين اليمن وجيبوتي، وتنحرف الكابلات المتجهة شرقاً نحو عُمان وفي غرب العاصمة مسقط، وتحديداً في منطقة السيب. وبذلك تمرّ شرايين الاتصال الرئيسية عبر قاع المحيط الهندي ومياه بحر العرب من الهند، على طول سواحل شبه الجزيرة العربية إلى البحر الأحمر وقناة السويس في طريقها إلى البحر الأبيض المتوسط وشواطئ أوروبا. إن مرور البيانات عبر كابلات البحر الأحمر وعبر مصر إلى أوروبا يُعدّ أقصر طريق يصل بين آسيا وأوروبا، هناك حوالي 20 كابل بحري مختلف يمرّ في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، حيث تقوم برحلة طولها 100 ميل حتى تصل إلى البحر الأبيض المتوسط. تحمل هذه الكابلات نحو 178 تيرابايت من السعة (عام 2021)، وتشير التقديرات الحالية إلى أن حوالي 17% من حركة الإنترنت في العالم تنتقل عَبرها، وتعالج ما بين 17% إلى 30% من حركة الإنترنت في العالم أو ما يعادل بيانات 1.3 إلى 2.3 مليار شخص.

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
اقتصاديًا، تعدّ منطقة البحر الأحمر مجالًا حيويًا للعديد من الدول ذات الأنشطة الاقتصادية المهمة، بما في ذلك التجارة والسياحة والصناعات البحرية. وقد يؤدي قطع كابلات الإنترنت إلى تعطيل هذه الأنشطة الاقتصادية من خلال إعاقة الاتصالات والمعاملات التجارية والخدمات اللوجستية. وقد يؤدي ذلك إلى خسائر مالية هائلة، وانخفاض في الإنتاجية، وفقدان العديد من الوظائف.
وتشمل تلك التداعيات:
- تعطّل التجارة الإلكترونيّة: تعتمد التجارة الإلكترونية على الإنترنت بنسبة 95%، وقد وصلت مبيعات التجارة الإلكترونية بالتجزئة في عام 2023 إلى 5.8 تريليون دولار أمريكي، وتشير التوقعات إلى نمو هذا الرقم بنسبة 39% خلال السنوات المقبلة، مع توقّعات بأن يتجاوز 8 تريليون دولار في عام 2027. وقد كلّف انقطاع الإنترنت الحكومي في عام 2023 في 25 دولة لحوالي من 79,238 ساعة الاقتصاد العالمي 9.01 مليار دولار ، منها 1.74 مليار دولار لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و1.73 مليار دولار لآسيا. ومن المتوقّع أن تبلغ كلفة تعطّل التجارة الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في حال انقطاع الإنترنت لأي سبب كان حوالي 50 مليار دولار أمريكي كما حدث في عام 2023.
- تعطّل الخدمات الماليّة: وهي تشمل المعاملات المصرفية مثل التحويلات المالية ودفع الفواتير والمدفوعات عبر الإنترنت، الاستثمار في الأسواق المالية مثل تداول الأسهم والسندات والعملات الرقمية، خدمات التأمين مثل تأمين السيارات والسفر والحياة، وخدمات التمويل مثل القروض الشخصية وقروض الأعمال. وقد نما حجم سوق الخدمات المالية بقوة في السنوات الأخيرة، فقد بلغ 31,138.82 مليار دولار في عام 2023. وتشير بعض التقديرات إلى أن حجم الخدمات المالية عبر الإنترنت قد تجاوز 500 مليار دولار أمريكي في عام 2023. وبالتالي إن الخسائر ستكون بمليارات الدولارات، وقد تؤدي إلى إفلاس العديد من الشركات.
- تأثّر قطاع السياحة والرحلات الجوية: حيث تعتمد شركات الطيران على الاتصالات عبر الإنترنت لتبادل المعلومات حول حركة المرور الجوية وموقع الطائرات، وقد يتم إلغاء بعض الرحلات الجوية إذا لم تتمكن شركات الطيران من إعادة توجيه مسار رحلاتها أو تأمين الاتصالات اللازمة. وقد يلغي بعض السياح حجوزاتهم إذا لم يتمكنوا من الوصول إلى وجهتهم أو التواصل مع شركات السياحة والسفر، وقد يؤدي ذلك إلى الإضرار بسمعة المنطقة كوجهة سياحية.
- تداعيات اجتماعية: العالم بمجمله اليوم قائم على التواصل بمختلف أنواعه عبر الإنترنت، سواء في العلاقات الاجتماعية والعائلية أو التجارية أو السياسية، مما جعل العالم بالفعل قرية كونيّة واحدة. وقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حوالي 220 مليون نسمة في عام 2023، مما سيجعل أكثر من 90% من هؤلاء محرومين من التواصل في حال تأثّرت الكابلات البحرية في البحر الأحمر. أضف إلى ذلك التأثير على سوق العمل الرقمي، وتوقف العديد من العاملين عبر الإنترنت عن العمل وزيادة معدل البطالة في المنطقة.
- تعطّل الخدمات الحكومية: العديد من دول المنطقة أدخلت المعاملات الرقمية في معاملاتها الرسمية اليومية، وإن توقّف الإنترنت سيعيد العمل بالطريقة التقليدية اليدوية وما لذلك من تأثير على تأخير إنجاز المعاملات بالوقت المطلوب بسبب البيروقراطية.
- حدوث اختراقات سيبرانية: وإمكانية الوصول إلى معلومات سريّة شديدة الحساسيّة تخصّ الامن القومي لدول المنطقة، بالإضافة إلى الفوضى في نقل المعلومات وانتشار معلومات تفتقد إلى الدقّة والمصداقية.
مع أن سيناريو قيام الحوثيّين بقطع كابلات الإنترنت الواقعة في مداهم الجغافي أمر مستبعد، ولكن هذا لا يمنع هذا الفرضيّة من التحقّق وخاصة إذا اشتدّت الحرب على غزّة واشتدّ الصراع في المنطقة، وفي هذه الحالة تكون قد سقطت كل الخطوط الحمراء وتصبح الأمور مفتوحة على كافّة الاحتمالات.
المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

