إقرار روسي متأخّر بـ"خطيئة" العلاقة مع تركيا: أردوغان لن يتخلّى عن حلفائه

على مبدأ “أن تأتي متأخرّاً خيرٌ من ألّا تأتي أبداً” تتوالى الاعترافات الروسية بالاخفاقات الاستراتيجية لموسكو في مختلف الساحات الجيوسياسية وذلك على لسان المسؤولين الروس أنفسهم بدءاً من الرئيس فلاديمير بوتين مروراً بالضبّاط والعسكريين وصولاً إلى الكتّاب والصحافيين، في تأكيد لما كان ذهب إليه رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، عن أنّ “الخصلة أو السمة الأساسية للاستراتيجية الروسية في عهد الرئيس بوتين هي التأخير والتردد والانتظار حتى فوات الأوان والمصلحة وخروج الوقت”.
وفي أحدث هذه الاعترافات “المتأخرّة” لروسيا المقال الذي نشرته شبكة “روسيا اليوم” الحكومية نقلاً عن الكاتب في صحيفة “أوراسيا ديلي” بيوتر ماكيدونتسيف، والذي تحدّث فيه عن دعم تركيا ورئيسها رجب طيب اردوغان لأوكرانيا عبر تقديم طائرات “بيرقدار” المسيّرة لكييف وبناء مصنع تابع لشركة “بايكار” المنتجة لهذه الطائرات على الأراضي الأوكرانية، وهي الشركة التي يملكها كلّ من هالوك بيرقدار وشقيقه سلجوق صهر الرئيس التركي اردوغان.
ويأتي هذا الإقرار الروسي بـ”خطيئة” العلاقة مع اردوغان ليؤكّد مجدّداً ما كان نبّه إليه الدكتور يوسف حول “أوهام” الشراكة الروسية – التركية، وسراب تخلّي اردوغان عن حلفائه في الغرب والخروج من حلف شمال الأطلسي “الناتو” لصالح الانضمام إلى “الاتحاد الأوراسي بقيادة روسيا”، على حدّ زعم المفكّر الروسي ألكسندر دوغين.
وأشار ماكيدونتسيف في مقاله إلى كلام وزير الصناعات الاستراتيجية الأوكراني ألكسندر كاميشين، الذي قال إنّه “… تمّ إطلاق مصنع بايكار لإنتاج مسيّرات “بيرقدار”. المدير العام للشركة هالوك بيرقدار كان في أوكرانيا مؤخرًا، وتفقدنا معه سير الإنتاج”.
وأضاف ماكيدونتسيف في مقاله: “يسمّي الوزير الأوكراني بهدوء شركة يرأسها أقارب رجب طيب أردوغان، بين أولئك الذين يساعدون نظام (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي في الحفاظ على المجمع الصناعي العسكري للعمليات العسكرية ضد روسيا”.
واعتبر ماكيدونتسيف أنّه “بعد بدء العملية العسكرية الخاصة، أصبح من الصعب على تركيا متابعة سياسة المناورة بين حلفائها في “الناتو” وروسيا. استغلت الولايات المتحدة وبريطانيا العمليات القتالية بمهارة للبدء في تعزيز قوة حلف شمال الأطلسي بحجة المواجهة مع روسيا. وفي حين تمكن الجانب التركي من التصعيد مع الأمريكيين، فإنّ أنقرة لن تدخل في صراع أبدًا مع البريطانيين، حلفائها القدامى. يضاف إلى ذلك أن خطابات أردوغان عن عظمة تركيا واستقلالها تتناقض بشكل خطير مع الواقع الاقتصادي، فالاقتصاد التركي، رغم أنه لا يخضع لعقوبات غربية صارمة، في حالة سيئة”.
وأضاف: “بما أن العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبريطانيا أقوى وأكثر أهمية من حجم التجارة مع روسيا، فقد قرّرت أنقرة أولوياتها. ناهيكم بحقيقة أن جزءًا كبيرًا من المواطنين الأتراك (خاصة سكان المدن الكبرى) يربطون تطلعاتهم الحياتية بالولايات المتحدة أو الدول الأوروبية. في هذه الحالة، فإنّ موقف أنقرة الرسمية الحالي مفهوم”.
وقد يتعجّب البعض من الكلام الروسي المباشر عن اردوغان “الشريك” المفترض للرئيس بوتين، خاصة وأنّ العلاقات الروسية – التركية كانت ظاهرياً وطيلة السنوات الأخيرة قائمة على التعاون المشترك في عدد من القضايا والملفّات أبرزها في سوريا، إلّا أنّ الحقيقة التي ذهل عنها المسؤولون الروس هي أنّ موسكو قدّمت المكاسب الجيوسياسية السخية لأردوغان وذلك في “استراتيجية غير مبرّرة وغير معقولة”، على حدّ وصف رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، والذي نبّه إلى ذلك في دراسة نشرها في 10 يوليو 2023 تحت عنوان: “فاغنر… ثالثة أثافيِّ الإخفاق الاستراتيجي الروسي“.
ويومها كشف الدكتور يوسف، أنّ استراتيجية بوتين “غير المبرّرة وغير المعقولة” مكّنت أردوغان من تحقيق مقاصده الاستراتيجية ومنحه مكاسب جيوسياسية سخية، متوقّعاً أن تكون تركيا “وبالاً” على روسيا في السنوات المقبلة إذا خسرت الأخيرة حربها في أوكرانيا وانتشرت الفوضى في الداخل الروسي.
وأضاف: “إنّ بوتين وفي استراتيجية لا مبرر ولا مسوغ لها قام بتمكين أردوغان من تحقيق مقاصده الاستراتيجية ومنحه المكاسب الجيوسياسية السخية. وفتح له الأبواب حين أقفلها عليه حلفاؤه في الغرب، ونصره حين خذله حلفاؤه في “الناتو” في استراتيجية روسية غير معقولة”.
كما أبرز الدكتور يوسف يومها ما قدّمته روسيا وبوتين لتركيا حين خذلها حلفاؤها في الغرب وفي حلف “الناتو”، مقابل سياسات واستراتيجيات ردّ اردوغان على بوتين وروسيا.
وأوضح آنذاك أنّ “شركة “بايكار” التركية المصنعة لطائرات “بيرقدار” عقدت عدة صفقات لبيع عشرات الطائرات من نوع BT2 إلى أوكرانيا قبل الحرب الروسية عليها وفي مدة الحرب”، مذكّراً بأنّ “هذه الطائرات دمّرت أرتال الدبابات الروسية القادمة من بيلاروسيا في مارس 2022 والتي بلغت ضواحي العاصمة الأوكرانية كييف مما اضطرّ القيادة الروسية بسحب ذلك الرتل الطويل مطلع أبريل 2022 من محيط كييف، وبهذا الانسحاب بدأ الإخفاق الاستراتيجي الروسي في أوكرانيا، كما عرضت شركة بايكار التركية إقامة مصنع مشترك في أوكرانيا لإنتاج طائرات بيرقدار”.
ولفت إلى أنّ “بوتين لا يزال يقدم المكاسب الجيوسياسية الحقيقية لتركيا وأردوغان طمعاً وأملاً في سراب انسحاب تركيا من حلف “الناتو” ونشر الشقاق والخلاف فيه، فيما أردوغان يوهمه بذلك ببعض الخطب الغاضبة على الغرب وانتقاد سياسات حلفائه في “الناتو”، غير أنه في الوقائع يزداد تمسكاً بحلف “الناتو” وقد رأى الفوائد الاستراتيجية من العضوية فيه بعد الحرب الروسية على أوكرانيا وحرص السويد وفنلندا بعد 200 عام من الحياد الاستراتيجي على الانضمام إليه”.
ولم يكتف الدكتور يوسف بذلك، بل نبّه إلى أنّ تركيا “ستكون وبالاً على روسيا في الأعوام والعقود القادمة إذا خسرت روسيا الحرب وانتشرت الفوضى السياسية فيها واشرأبت الجمهوريات الروسية إلى الانفصال عن المركز في موسكو، حينها ستسرع تركيا إلى تأليب المسلمين في منطقة الأورال وفي شمالي القوقاز وفي الشيشان وتتارستان وبشكيريا وانغوشيا على موسكو والانفصال عن روسيا وإقامة دول مستقلة بها”.
ثمّ أفرد الدكتور يوسف دراسة خاصة لواقع الجمهوريات الإسلامية في روسيا تحت عنوان: “الاخفاق الاستراتيجي العظيم… لم يبقَ لروسيا إلا النووي!“، لفت فيها إلى أنّ “الاستراتيجية الروسية الخاطئة في جنوب القوقاز والتي ستدفع روسيا إلى الخروج من تلك المنطقة ستُفضي إلى عواقب في شمالي القوقاز أيضاً، حيث ستتجرّأ القوميات الإسلامية التركية وغيرها في هذه المنطقة في المستقبل على إثارة أزمات جيوسياسية في روسيا بالسعي إلى الانفصال عن روسيا والمطالبة بتقرير مصيرها بسائق من نشأة منظمة الدول التركية بقيادة تركيا التي تسعى إلى تحويل هذه المنطقة إلى اتحاد سياسي تركي قوي مما سيبعث بالروح القومية الإسلامية لدى الشعوب التركية في الجمهوريات الإسلامية الروسية”.
وهو ما تمّ عملياً حين شهدت جمهورية باشكورتوستان الروسية، يوم الأربعاء 17 يناير 2024، مواجهات بين الشرطة وآلاف تجمعوا أمام إحدى المحاكم لدعم أحد المعارضين السياسيين، حيث شهدت التحرّكات دعوات إلى انفصال الجمهورية ذات الأغلبية المسلمة الناطقة بالتركية عن المركز في موسكو.
ولا سبيل إلى وصف الاخفاقات الاستراتيجية الروسية سوى ما قاله الدكتور يوسف عن أنّ “البطانة السياسية والفكرية المحيطة بالرئيس بوتين والتي تقدم له المشورة والخطط الاستراتيجية هي ذاتها التي قد قامت بتضليله والكذب عليه وإيهامه بالتقارير الخاطئة، وسيعلم القوم بعدها موارد الهلاك التي سلكوها في استراتيجياتهم”.

