أوروبا في مواجهة الحرب

إعداد الزميل المقيم
حسان يونس
February/29/2024

تعكس التطورات المتسارعة في أوروبا نوعاً من تدحرج أحجار “الدومينو”، وتشهد أوروبا مؤشرات اضطراب جيوسياسي بدأت ملامحه ترتسم وتتضح تدريجياً، إذ بدأ قادة دول الاتحاد الأوروبي بدقّ طبول الحرب على مسامع شعوبهم التي أدمنت حياة السلام والرفاه في “الحديقة الأوروبية المحاطة بالادغال”، على حدّ وصف مفوّض السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.
آخر ما ظهر في هذا السياق هو اجتماع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبولندا في ضاحية لاسيل سان كلو في العاصمة الفرنسية باريس في إطار سعيهم إلى إحياء ما يسمى بـ”مثلث فايمار”، وهو تحالف إقليمي أنشِئ عام 1991 في مدينة فايمار الألمانية ويضمّ فرنسا وألمانيا وبولندا. ويهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الثلاث في القضايا العابرة للحدود والقضايا الأوروبية.
جاء الاجتماع بالتزامن مع تعهد رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك بـ”إحياء” علاقات بلاده مع شركائها الأوروبيين الرئيسيين خلال زيارة إلى باريس والعاصمة الألمانية برلين، يوم الاثنين 12 فبراير، ومع تأكيدات على وجوب “أن تصبح أوروبا قارة آمنة، وهذا يعني أن الاتحاد الأوروبي وفرنسا وبولندا يجب أن يصبحوا دولًا قوية ومستعدة للدفاع عن حدودها وأراضيها والدفاع عن حلفائها وأصدقائها خارج الاتحاد الأوروبي ودعمهم”.
عند انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 لم تذهب أكثر التقديرات تشاؤماً إلى القول بأنّ التهديدات الأمنية ستضرب عمق القارة الأوروبية وأنّ أوروبا ستجد نفسها في مواجهة الحاجة الملحّة للاستعداد للحرب، منذ نهاية العام الفائت بدأ صراخ أوروبي محموم لضرورة الاستعداد للقتال ووضع اليد على الزناد.
رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، المفكر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف، لامس هذه التطورات الخطيرة قبل حدوثها بعدة سنوات في كتابه “جوهر النظام الدولي”، الذي بدأ العمل عليه في العام 2016، وتأخر إصداره إلى العام 2022، وحدّد فيه مركزية كلٍّ من بولندا وأوكرانيا في الصراع القادم فأورد أنّه “في شرق أوروبا، فإنّ أوكرانيا وبولندا ستكونان ساحة رئيسة لحدوث وقائع سياسية وعسكرية كبرى تستدرج الدول والأقطاب الحالية إلى خوضها”.
وحذّر الدكتور محمد وليد يوسف من المخاطر الأمنية التي تواجهها بولندا قبل سنوات، فيما بدأ الوعي البولندي بهذه المخاطر مؤخراً، حيث دعا رئيس وزراء بولندا الجديد دونالد توسك، خلال خطاب السياسة العامة قبل تصويت البرلمان على الثقة 12 ديسمبر الفائت، العالم الحر والغرب إلى “تعبئة كاملة” لصالح أوكرانيا فى مواجهة الهجوم الروسي، لافتاً إلى أنّه “لا يوجد بديل”. وهو ما أكده رئيس مكتب الأمن القومي البولندي جاسيك سيويرا، عبر صحيفة “تايمز” البريطانية في 6 ديسمبر، محذّراً الدول الواقعة على الجانب الشرقي من حلف شمال الأطلسي “الناتو” من احتمال هجوم روسي، وقال إنّ أمامها نحو 3 سنوات للاستعداد له.
وبحسب المنهج السياسي للدكتور يوسف من كتابه “جوهر النظام الدولي”، فإنّ “عهد التعايش والاستقرار في الدورة الحالية من النظام الدولي بدأ يتجه إلى نهايته بصورة متراخية منذ عام 2010، وقد بدأت وقائعه تتسارع نحو دخول عهد الصراع من الدورة التاريخية الجديدة في تكرار لسيناريو الحرب العالمية الأولى التي بدأت عام 1914 من سراييفو في البوسنة”.
وهذا “التسارع في الصراع” تنبّه له قادة دول الاتحاد الأوروبي متأخرين فيما يبدو، فدعا الأمين العام لحلف “الناتو”، ينس ستولتنبرغ، في 2 ديسمبر إلى “ضرورة تعزيز إنتاج الذخيرة، خاصة بعدما لم تتمكن دول الناتو من تلبية الطلب المتزايد عليها”.
وفي ألمانيا التي تمثل القطب الاقتصادي لأوروبا، قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، في 16 ديسمبر، إنّه “يتعيّن على أوروبا أن تسرّع في ضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها بصورة أفضل، في الوقت الذي يتحوّل فيه تركيز حليفتها الولايات المتحدة الأمني نحو منطقة المحيطين الهندي والهادي، وفي الوقت الذي تزيد فيه روسيا من إنتاجها للأسلحة بشكل ملحوظ للقدرة على مواصلة غزوها لأوكرانيا، وتشكل في الوقت نفسه تهديدا لدول البلطيق وجورجيا ومولدوفا”. وطرح بيستوريوس إمكانية إعادة التجنيد وفرض الخدمة الإلزامية مع الإشارة إلى النموذج السويدي، الذي اعاد العمل بالتجنيد الإلزامي بعد تعليقه.
وفي السويد صرّح وزير الدفاع المدني، السويدي كارل أوسكار بوهلين، في مؤتمر حول الدفاع، في 7 يناير 2024 أنّه “قد تحدث حرب في السويد”، وطرح القائد الأعلى للقوات المسلحة السويدية ميكايل بيدن، الفكرة نفسها بعده بأيام، قائلاً إنّ “حرب روسيا ضد أوكرانيا هي مرحلة وليست هدفاً نهائياً، فالهدف هو إنشاء منطقة نفوذ وتدمير النظام العالمي القائم على نظم محددة”. كما شدد قائد الجيش السويدي على أنهّ “يجب على السويديين أن يستعدوا نفسياً للحرب”.
ولم تخرج بريطانيا عن دائرة الاستعدادات لتهيئة الأوروبيين نفسياً للحرب، حيث رأى رئيس أركان الجيش البريطاني الجنرال السير باتريك ساندرز أنّه قد يلزم استدعاء الشعب البريطاني للقتال في حالة نشوب حرب مع روسيا بسبب صغر حجم الجيش.
وخارج إطار تهيئة الرأي العام الأوروبي نفسياً للحرب، فإنّ بعض دول أوروبا بدأت مجموعة ترتيبات أمنية للتعامل مع المخاطر القادمة، وفي هذا السياق كان الدكتور يوسف قدّم تصوراً بالغ الوضوح له، حيث ذكر في كتابه “جوهر النظام الدولي” أن “القوات الروسية ستزحف إلى كييف بذريعة دفاعها عن الحدود الغربية الجديدة لروسيا لتصبح على مشارف حدود بولندا وهي عضو في حلف “الناتو” ما سيثير هلع وارسو التي ستقوم بالمطالبة بإنفاذ المادة الخامسة من ميثاق الحلف حول وجوب التدخل للدفاع عن حدود وأراضي دولة عضو في الحلف ما سيضطر الولايات المتحدة للتدخل مع الناتو لحماية مصالحها ومصالح حلفائها في بولندا وشرق أوروبا حيث تنتصب أجزاء ومكونات أساسية للدرع الصاروخية الأمريكية في بولندا، إزاء ذلك، فإنّ ألمانيا لن تصمت عن هذا التطور الخطير على مشارفها على اعتبار أن التهديد الروسي لبولندا التي ترتبط بحدود طويلة مع ألمانيا هو تهديد لبرلين كذلك كما للدول الرئيسة الأخرى في أوروبا كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا ما سيؤدي إلى نشوب صراع واسع في شرق ووسط أوروبا”.
ضمن هذا التصور أبرمت ألمانيا وهولندا وبولندا، في يناير الفائت، اتفاقاً لتسهيل حركة القوات والأسلحة عبر الحدود، وذلك لتخطّي العقبات البيروقراطية على طول ممرّ حيوي يمتد من بحر الشمال إلى الحافة الشرقية لحلف شمال الأطلسي. ويسهل الاتفاق نشر تعزيزات عسكرية رئيسية بسرعة من الولايات المتحدة وحلفاء حلف شمال الأطلسي عبر موانئ بحر الشمال، عبر ألمانيا وبولندا للوصول إلى الجبهة الشرقية. وهو اتفاق يتكامل مع العمل الجاري على إحياء تحالف “مثلث فايمار” المذكور أعلاه، وضمن هذا الاطار افتتح المستشار الألماني أولاف شولتس في 11 فبراير، مصنعاً جديداً للذخيرة شمال ألمانيا، يتوقع أن يكفي حاجة ألمانيا من الذخيرة وينتج حوالي 200 ألف قذيفة مدفعية سنويا، إلى جانب المتفجرات، ومكونات أخرى بما فيها الرؤوس الحربية.
وتبدو تصريحات واتفاقات ودعوات الساسة الأوروبيين متأخرة عدة سنوات عن الاستشراف الذي قدّمه الدكتور محمد وليد يوسف لمستقبل الاضطراب الأمني في أوروبا وهو ما يعكس صوابية المنهجية العلمية غير التقليدية لدى الدكتور يوسف، في مواجهة عشرات المراكز المختصة بالدراسات الأمنية والسياسية في أوروبا والعالم.

