الماراتون نحو البيت الأبيض

بقلم الباحث المقيم  فرهاد الباقر
محامٍ وحقوقي، باحث مقيم في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، ومسؤول دائرة الأمريكيتين

لا يخفى على المراقب بأن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية تخضع لآليات مميزة حيث أن المرشح يجب أن يكون من مواليد الولايات المتحدة الأمريكية وأن لا تقل إقامته فيها عن 14 سنة وأن لا يقل عمره عن 35 عاماً وهذه الانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر2024 هي الستون في تاريخ البلاد، وهي أول انتخابات رئاسية بعد إعادة توزيع الأصوات الانتخابية وفقاً لإعادة توزيع التعداد السكاني لعام 2020.

وعادةً يتم الترشيح من قبل أحد الأحزاب السياسية من خلال انتخابات تمهيدية غير مباشرة حيث يدلي الناخبون بأصواتهم لقائمة من أعضاء الهيئة الانتخابية ومن ثم ينتخب أعضاء الهيئة الانتخابية الرئيس ونائبه.

كما لا يخفى على أحد سيطرة الحزبين الرئيسيين “الديمقراطي” و”الجمهوري” منذ عام 1850 على المشهد السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من وجود بعض الأحزاب السياسية والمسماة بالحزب الثالث:     الحزب الدستوري – حزب الخضر- حزب المستقل – الحزب الشيوعي.

وأهم ما يميز الجمهوريين هو الميول الولايتي الاستقلالي الساعي لصلاحيات أوسع للولايات الفدرالية وتولي الاهتمام الأكبر بالبرامج السياسية الداخلية، بينما الديمقراطي يميل إلى النزعة الاتحادية بأوسع صلاحيات للحكومة الفدرالية والسياسات الخارجية.

والانتخابات التي ستجرى هذا العام 2024 في الخامس من نوفمبر يبدو أنها ستكون بحدية تنافسية غير مسبوقة لأسباب جمة من أهمها: الانقسام الحاد بين كل من الجمهوريين والديمقراطيين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ على رسم ملامح السياسات الداخلية والخارجية، ووجود حربين مؤثرتين هما الحرب الروسية الأوكرانية والحرب بين إسرائيل و”حماس” في قطاع غزة.

كما تشير آخر الاستطلاعات الى تصدر الرئيس الحالي جو بايدن في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بينما المنافسة في الحزب الجمهوري انحصرت بين الرئيس السابق دونالد ترامب والمندوبة السابقة للولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي، وتشير معظم الاستطلاعات إلى تفوق ترامب وخاصة بعد تفوقه في ولايات هامة مثل ايواو نيو هامبشير ونيفادا وكارولينا الجنوبية وبالتالي ستنحصر المنافسة بين كل من بايدن عن الديمقراطيين وترامب عن الجمهوريين.

فما هي مسارات وضوابط السباق للوصول إلى البيت الأبيض وفق المعطيات السياسية المستجدة فيما لو انحصر السباق بين بايدن وترامب؟

  • العمر والقدرة الذهنية: يبلغ الرئيس جو بايدن اثنين وثمانين عاماً من العمر كما يبلغ الرئيس السابق والمرشح ترامب سبعة وسبعين عاماً مما يخلق لدى الناخب الأمريكي الريب حول القدرات الجسدية والذهنية لمن سيستلم دفة الحكم في البلاد وخاصة بعد اقتناص الكثير من الزلات والحركات المريبة لكلا المرشحين خلال الحملات الانتخابية بالرغم من تأكيد المرشحين على ثقتهما بقدراتهما الجسدية والعقلية.
  • الدعاوى القضائية التي تطال الطرفين: كلا المرشحين تطالهما دعاوى قضائية جمة وخاصة دونالد ترامب حيث بلغ عدد الدعاوى والتحقيقات التي طالته خلال ثلاثين عاماً مضت 4095 دعوى ومساءلة قانونية منها 42 قضية مذ أن تولى الرئاسة كانت أهمها قضية دفع أموال لشراء صمت ممثلة إباحية قبيل انتخابات 2016 وكذلك في الآونة الأخيرة قضية الاحتفاظ بالوثائق السرية إبان انتهاء ولايته والتهرب الضريبي وتقديم بيانات وهمية للحصول على قروض ضخمة حيث حكمت عليه المحكمة العليا في نيويورك بغرامة مالية بقيمة 355 مليون دولار مع منعه من إدارة شركاته هو ونجله.

كما بلغ عدد الدعاوى التي طالت الرئيس بايدن هو ونجله هانتر 11 قضية معظمها تتعلق بتقديم تسهيلات لشركات تجارية روسية وصينية والفساد في الملفات التجارية ولا ريب في أن هذه القضايا ستفعل فعلها في الحملات الانتخابية.

  • هيبة الولايات المتحدة كقوة عظمى: يرى أغلب الجمهوريين بأن إدارة بايدن الديمقراطية قد نالت من هيبة الولايات المتحدة ونفوذها كدولة عظمى على صعيد إدارة ومعالجة الكثير من الملفات الدولية مما دفع الى تمادي الفصائل الموالية لإيران والمصنفة “إرهابية” عليها وخاصة في الشرق الأوسط والممرات البحرية الدولية حيث تتعرض قواعدها العسكرية إلى الهجمات المتكررة كما أنها تهاونت بالتعامل مع الملف النووي الإيراني وكذلك النفوذ الروسي المتصاعد وإدارة الأزمة في كل من أوكرانيا وإسرائيل حيث الامتعاض من عدم قدرة إدارة بايدن على التأثير على القيادة الإسرائيلية وضبط إيقاع الحرب من حيث الحد من أعداد الضحايا المدنيين في حربها على قطاع غزة مما أدى الى تعالي أصوات الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء في الكونغرس الأمريكي والتباطؤ في تمرير مشاريع القرارات الواردة من البيت الأبيض وأهمها المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا والاتفاق على سقف الدين الفدرالي وخاصة أن رئاسة مجلس النواب في حوزة الجمهوريين.
  • الأولويات السياسية والاقتصادية لدى المرشحين: بالإضافة إلى العوامل الضاغطة من خلف الكواليس بتوجيه الناخب الأمريكي بالمسارات المتفق عليها من قبل اللوبيات الاقتصادية والدينية كتلك التي يقوم بها رؤساء الطوائف الدينية وخاصة البروتستانية الإنجيلية السائدة في الولايات المتحدة الامريكية ومجموعات الضغط اليهودية – كون الحرب الإسرائيلية تتصدر المشهد السياسي عالمياً ولها ثقلها في تحديد أولويات الناخب الأمريكي الموالي للجماعات الضاغطة الإسرائيلية -.

وكذلك أصحاب النفوذ في الصناعات العسكرية وشركات البترول وشركات الأسلحة كونها العماد الأساسي للاقتصاد الأمريكي وبوصلتها السياسية وحرصاً من هذه القوى على مصالحها الاستراتيجية واستمراريتها نجدها حاضرة وفاعلة بقوة في توجيه الناخب الأمريكي.

وكذلك ملف الهجرة غير الشرعية والحدود مع المكسيك وسبل معالجتها ناهيك عن ملفات التضخم والصحة وقانون حق الإجهاض في برامج ومناظرات كلا المرشحين ووفق الاستطلاعات الأولية وبقراءة بسيطة لمزاجية الناخب الأمريكي الذي يعير الاهتمام بالملفات الداخلية وخاصة الاقتصادية منها.

ووسط غياب الخيار الثالث فيما إذا انحصرت المنافسة بين الجمهوري ترامب والديمقراطي بايدن فإن الناخب الأمريكي سيكون أمام خيارين لا ثالث لهما إما ترامب الذي قال أمريكا أولاً وإما بايدن الذي قال أمريكا قوية مع حلفائها، ولوحة البورصة السياسية تشير إلى ارتفاع أسهم ترامب وتفوقه على منافسه على الأقل في المراحل الأولى لهذه الانتخابات مع قرب إطلاق صافرة الإقلاع.

وبالرغم من المخاوف الجمة الداخلية منها والدولية بسبب التصريحات النارية كتلك المتعلقة بالحرب الروسية الأوكرانية حيث قال ترامب بأنه سيطلق يد الروس ليفعلوا ما يشاؤون حتى بالدول ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو) في حال عدم رفع سقف مساهماتهم المالية وأيضاً دفع المستحقات المترتبة عليهم، وكذلك ضبابية مواقفه تجاه الملفات الساخنة في كل من الشرق الأوسط باستثناء ما لم يُخفهِ ترامب من دعم أكبر لإسرائيل والتشدد تجاه الملف الإيراني ككل وبحر الصين الجنوبي الأمر الذي دفع معظم القادة في العالم إلى التفكير ملياً فيما إذا فاز ترامب ومصير التحالفات الدولية من معاهدة المناخ ومنظمة التجارة الدولية والعلاقة مع مهندس السياسة والاقتصاد العالميين وخاصة الكتلة الأوروبية حتى باتت تفكر بتحالفات بديلة.

فإلى أين يتجه العالم في الخامس من نوفمبر 2024؟؟

يقول المفكر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية في بيروت في كتابه “القوانين السياسية المادية” إن “القوانين الموضوعية الضابطة للوقائع السياسية في الفضاء السياسي لم تعد أسيرة الاقتصاد في تحريك الوقائع السياسية فهي تخضع لقوانين موضوعية مادية”. وبناءً على هذه القاعدة ومع صعود التيارات السياسية الشعبوية في عدة دول حول العالم وتنامي قوة الإعلام وقدرتها على التأثير على رأي الناخب الأمريكي، ومن خلال مراقبة الضوابط والمحركات السياسية في الولايات المتحدة الامريكية تشير التوقعات إلى تفوق الجمهوري دونالد ترامب على منافسه الديمقراطي جو بايدن كما نوهنا أعلاه، بالتالي قد نكون أمام تغيّر في قواعد الهندسة السياسية العالمية بدخول العالم عتبة عام 2025 فلنراقب وننتظر.

المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى