بلوشستان وأنظمة الحكم المركزية

بقلم الزميل المقيم حسان يونس

في 16 و17 يناير الفائت، تبادلت إيران وباكستان قصفاً صاروخيا، طال إقليم بلوشستان الحدودي بين البلدين.
وبحسب الإعلام الرسمي الإيراني، أدى القصف الايراني إلى تدمير مقرين رئيسيين لـ”جيش العدل” في منطقة سبزكوه بالقرب من مدينة بنجغور في اقليم بلوشستان جنوب غربي باكستان.
وجيش العدل هو أحد الجماعات الانفصالية العاملة داخل إيران. وكان في الأصل جزءًا من جماعة سنية متشددة أكبر تسمى “جند الله”، انقسمت بعدما اعتقلت إيران زعيمها عبد الملك ريجي عام 2009 بالتنسيق مع باكستان، واعدمته عام 2010، فظهر جيش العدل الذي يستهدف في الغالب أفراد الأمن الإيرانيين والمسؤولين الحكوميين في إقليم سيستان وبلوشستان.
وفي الأعوام 2015، 2019 و2023 وبعد يوم من الضربات الإيرانية على باكستان، أعلن جيش العدل مسؤوليته عن هجمات وتفجيرات انتحارية أودت بعناصر من حرس الحدود والجيش الإيراني في إقليم سيستان وبلوشستان.
اما القصف الباكستاني، فاستهدف، بحسب الجيش الباكستاني، “مقرات جماعتَي: جيش تحرير بلوشستان وجبهة تحرير بلوشستان”، وهما حركتان مسلحتان بلوشيتان انفصاليتان لهما نشاط مسلح داخل إقليم بلوشستان الباكستاني، من أجل الحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتي في منطقة بلوشستان – المنعزلة جنوب غربي باكستان.
بعيدا عن التقارير والتحليلات الكثيرة التي صدرت ولا تزال تصدر حول القصف المتبادل ومآلاته، تتشارك إيران وباكستان مشكلات أمنية نتيجة وجود حركات انفصالية بلوشية في منطقة حدودية مضطربة، لا تخضع للقانون وتمتد حوالي 900 كيلومتر، مع محافظة بلوشستان الباكستانية من جهة، وولاية سيستان وبلوشستان الإيرانيتين من جهة أخرى. حيث يقيم الشعب البلوشي، أو البلوش، في مثلث حدودي يجمع باكستان وأفغانستان وإيران.
وتصف كلا الدولتين حركات التمرد البلوشية بالحركات الإرهابية وتتهمها بتلقي الدعم من خصومها الاقليميين والدوليين وهي سردية معتادة لدى أنظمة الحكم المركزية المستبدة ذات البنى البرلمانية والفيدرالية الصورية في تناول كافة حركات المعارضة والتمرد.
يمثل إقليم بلوشستان وحركاته الانفصالية في إيران وباكستان والقصف المتبادل على الاقليم نموذجا لازمة الحكم في الدولة الحديثة في العالم الإسلامي.
الدولة المركزية المستبدة، فاقدة الصلة بالامبراطورية الاسلامية ذات نظام الحكم الاقاليمي، وفق تعبير الدكتور محمد وليد يوسف، رئيس المركز الدولي للدراسات، كما هي رافضة وعاجزة عن بلوغ الدولة الغربية الفيدرالية الحديثة، بحكم المركزية والاستبداد واستئثار نخبة قومية محددة بالاقتصاد والسياسة والجيش.
يقول الدكتور محمد وليد يوسف في دراسته المعنونة “الفيدرالية… نظام الحكم الجيوسياسي في الاسلام”: “لن ينقذ دول المسلمين الحديثة من أزماتها التأسيسية، ويعصمها من دخول حروب أهلية داخلية، ولن يدفع عنها الانقسام إلا إنفاذ أحد الحلين، إما الفيدرالية الغربية الحديثة، أو نظام الحكم الاقاليمي، علما أن النظام الاخير في الإسلام، هو أشد تقسيما للصلاحيات بين الولايات من النظام الفيدرالي الغربي الحديث”.
انسجاما مع الأزمة التأسيسية للدولة في باكستان وفي إيران، أبدى البلوش، خلال العقود الفائتة، نزعة استقلالية شديدة تجاه نظامي إسلام آباد وطهران، وهذه النزعة مرشحة للتصاعد بحكم ان أن إقليم بلوشستان باكستان أكبر إقليم في باكستان من حيث المساحة، هو إقليم غني بالثروات المعدنية التي تخضع لاحتكار الحكومة المركزية في إسلام آباد، بينما يواجه البلوش تهميشاً واسع النطاق على المستوى السياسي والاقتصادي وهذه معادلة مستحيلة الحل “لانه لا يمكن للبنجاب والسند أن تحتكرا الجيش والاقتصاد والسياسة، مع إغفال الولايات الاخرى، وإقصائها وإبعادها من الادارة والجيش والاقتصاد مع سيطرة ولاية البنجاب على ثلثي الاقتصاد الباكستاني الضعيف أصلًا”، وفقا للدكتور محمد وليد يوسف في دراسته حول “الفيدرالية… نظام الحكم الجيوسياسي في الاسلام”.
وهناك عامل آخر يكرس تصاعد النزعة الاستقلالية والحركات الانفصالية في إقليم بلوشستان وهو تزايد الأهمية الجيوسياسية للاقليم سواء في باكستان أو إيران التي ابرمت عام 2018، اتفاقاً مع الهند لتسليمها إدارة ميناء شاباهار، الواقع في بلوشستان إيران. ومن المخطط أن يكون ميناء شاباهار محطة رئيسة على الطريق التجاري شمال – جنوب بين روسيا ودول آسيا الوسطى وإيران والهند وكذلك على الطريق التجاري بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وهو مسار يعاكس وينافس مشروع ميناء غوادار الباكستاني الواقع في إقليم بلوشستان، والذي سلمت إسلام أباد إدارته للصين، ضمن مشروع الممر الاقتصادي الصيني الضخم.
وهكذا فإن طرق التجارة الدولية تتقاطع وتتصادم في إقليم بلوشستان، ما يجعل هذا الاقليم بؤرة اهتمام دولي وما يمنح القوى الانفصالية الفاعلة في الإقليم اهتماماً ودعماً دولياً حسب المصالح المتضاربة.
ومن اجل التعامل مع هذه العقدة الجيوسياسية الاخذة بالتضخم، فإن كلا من إيران وباكستان محكومتان بالحل الفيدرالي للحفاظ على الدولة القائمة وهو ما اوجزه وكثّفه الدكتور محمد وليد يوسف في دراسته المذكورة اعلاه: “ولو أن أيوب خان ويحيى خان وذو الفقار علي بوتو، قاموا بإنفاذ النظام الاقاليمي للحكم في الاسلام على باكستان الغربية والشرقية، أو أقاموا نظاما فيدراليا حقيقيا غير صوري لمنع ذلك انفصال بنغلاديش عن باكستان عام 1971، غير أن غياب أحد هذين النظامين عن الحكم في باكستان، قد أفضى إلى الحرب الاهلية وتمزيق وحدة باكستان وانفصال الاقليم الشرقي عن الغربي. واذا ما استمر النظام الاداري السياسي القائم اليوم في باكستان على حاله، دون إدخال جوهر الفيدرالية الغربية الحديثة، أو جوهر نظام الحكم الاقاليمي في الاسلام على نظام الحكم في باكستان، فإن عقد الولايات الست في باكستان سيفضي إلى الانفراط، وستبقى الازمات فيها مشتعلة.
أما إيران، فإن نظامها الاداري – السياسي، قائم على أساس الولايات، إلا أنه نظام حكم صوري، ولا تتمتع الولايات فيها بصلاحيات حقيقية، لان الحكم فيها مركزي صارم، ورغم وجود الولايات فيها.
فإن العرب والتركمان والكورد والاذريين والبلوش والمازندارنيين يشكون من عدم الانصاف السياسي والاداري، ومن غلبة القومية الفارسية على المركز والادارة والاقتصاد والسياسة والجيش، ولا يمنح المركز طهران، الولايات صلاحيات حقيقية، فإن لم تلتزم إيران بفيدارلية حقيقية، أو بنظام أقاليم القوميات الاخرى المقررة دستوريا في الحكم الاقاليمي الاسلامي، ولم تجِر ذلك على نظامها الاداري – السياسي المركزي، لا بد أن تحدث فيها، نزاعات داخلية وحروبا قومية وازمات بنيوية قد تنفجر في كل زمان، رغم بسط القومية الفارسية سيطرتها على الجيش والاقتصاد والسياسة والاستخبارات في الدولة”.
إن أزمة الدولة في باكستان لا تقتصر على إقليم بلوشستان، بل تمتد إلى اقليم خيبر بختونخوا على الحدود مع أفغانستان، حيث يتموضع ما يعرف بالحزام البشتوني الذي افرز حركة طالبان باكستان وهي حركة بشتونية إسلامية متشددة على صلة بحركة طالبان أفغانستان التي يسيطر عليها البشتون وهم القومية الاكبر في أفغانستان ولهم امتداد مثير للقلاقل في باكستان.
وفي سياق التعامل مع هذه القلاقل، أمهلت باكستان حوالي مليوني لاجئ أفغاني “غير نظامي” حتى مطلع نوفمبر2023 لمغادرة البلاد طوعا كيلا يتم تجميعهم في مراكز احتجاز وترحيلهم قسرا، وبرّر وزير الداخلية الباكستاني سرفراز بوغتي طرد اللاجئين الأفغان غير النظاميين بعدد الأفغان المتورطين في الهجمات الإرهابية الأخيرة التي ضربت البلاد. حيث كشف أنه “من بين 24 تفجيرا انتحاريا استهدفت مختلف المنشآت الأمنية والمدنيين في باكستان منذ يناير 2023، كان هناك 14 انتحاريا أفغانيا”.
تتعامل باكستان مع الاضطرابات في اقاليم البشتون أو البلوش وفق اعتبارات أمنية خالصة وليس هناك أي بعد سياسي للتعاطي مع حقيقة التنوع الاثني والديني وتجاريها إيران في ذلك، ما يفقد هذه الدول مبرر وجودها ويضعها على صفيح ساخن مستدام من “نزاعات داخلية وحروب قومية وازمات بنيوية”، بحسب دراسة الدكتور محمد وليد يوسف.
المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

