تشكيلٌ جديدٌ يعيدُ إحياءَ "فاغنر".. ماذا نعرف عن "فيلق أفريقيا"؟

بقلم الصحافي كريستيان أبي خليل

صحافي مهتم بالشؤون الجيوسياسية، كاتب ومحرر موقع “vdlnews”، وخريج كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية.

انشغل العالم بأسره في الأشهر الماضية بالحرب في غزة، واحتكرت هذه الحرب ومعها “جبهات المساندة” في اليمن ولبنان والعراق أضواء الإعلام حول العالم، فيما لا تزال هناك قضايا وملفات تُركت بعيدًا عن التداول بشكلٍ شبه كلّي.

فمن الحرب الروسية – الأوكرانية، مرورًا بتبدّل موقف أرمينيا التي أعربت عن إمكانية عقد اتفاق سلام مع أذربيجان، وصولًا إلى الحراك الروسي الآخذ بالنمو بشكل متسارع في القارة الأفريقية، لمحاولة إرساء نوع من النفوذ المضاد للدور والوجود الأوروبي والغربي المتجذر تاريخيًا في القارة السمراء.

ففي الوقت الذي اعتقدت فيه العديد من الجهات الأوروبية أن العقوبات الاقتصادية التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة على روسيا قادرة على كبحها وإخضاعها لوقف ما أطلقت عليه هذه الدول “الغزو” الروسي لأوكرانيا، أظهر الأداء الروسي إزاء الضغط الدولي تمتعه بمرونة كبيرة سمحت له إيجاد حلول لتجنيب الاقتصاد الروسي من التعرض لأي نكسة كبيرة. كما أظهر الكرملين قدرته على العمل تحت الضغط بحيث تزامن التوغل في أفريقيا مع ارتفاع منسوب الضغوطات الدولية لوقف الحرب الروسية – الأوكرانية.

أما مجموعة “فاغنر”، كانت مفتاحًا مهمًا، جعل طموح الكرملين إزاء الدخول إلى أفريقيا مسألة يسيرة، كما وفّرت المجموعة الكثير على روسيا ونفذت عمليات نوعية في أوكرانيا، حيث كادت “فاغنر” أن تخوض الحرب منفردة. لكن هذا الواقع تغيّر اليوم بعد تمرّد قائد مجموعة “فاغنر” السابق يفغيني بريغوجين، ومقتله بعد فترة وجيزة من فصله وحل المجموعة، إلا أن الحديث يعود اليوم عن تشكيلٍ عسكري روسي جديد، باسم “فيلق أفريقيا”… فماذا نعرف عنه؟

فيلق جديد يعيد إحياء “فاغنر”

يواصل الدّب الروسي زحفه باتجاه القارة السمراء، ولكن هذه المرّة من بوابة ليبيا حيث من المتوقع أن تكون قاعدة لفيلقٍ جديد يعيد إحياء قوات “فاغنر”، عن طريق تشكيل عسكري ترعاه موسكو ماديًا ومعنويًا وسياسيًا بغية تأمين رؤيتها الاستراتيجية واستمرار الدفاع عن مصالحها وإكمال مخططها المتمثل بإطاحة النفوذ الأوروبي والغربي عن العرش الأفريقي.

فمن ليبيا، مركز قيادة الفيلق، تتوزع القوات الروسية على عددٍ من البلدان التي تحمل قيمة استراتيجية بالنسبة للكرملين وهي بوركينا فاسو ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى والنيجر.

ومع الإعلان عن “فيلق أفريقيا” مطلع عام 2024، أشارت تقديرات إلى أنه يضم في صفوفه ما بين 40 و45 ألف مقاتل، وقد أعلنت القناة الرسمية له عبر تطبيق “تلغرام” بدء قبول مجندين جدد منذ مطلع شهر ديسمبر الماضي، وذلك وفق شروط معقدة وطويلة وتدريبات شاقة، حسبما أوردت قناة “العربي” في تقرير مصور. ومن المتوقع أن يكتمل إنشاء الهيكل العسكري للفيلق بحلول صيف 2024، وفقًا لصحيفة “فيدوموستي” الروسية في تقرير سابق، حيث نقلت الأخيرة عن مسؤولين روس قولهم إن “قوام الفيلق يتكون في الأساس من مقاتلي مجموعة “فاغنر” ولكن هذه المرة سيحصلون على التمويل ويتلقون الأوامر مباشرة من السلطات الروسية ممثلة بوزارة الدفاع”.

طبّاخٌ جديد يظهر إلى العيان

بعد مقتل القائد السابق لـ”فاغنر” يفغيني بريغوجين، على خلفية التمرّد والانقلاب الذي حاول أن يمارسهما على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزارة الدفاع الروسية، كُلف نائب وزير الدفاع بقيادة “الفيلق الأفريقي” والذي من خلاله ستتجه روسيا إلى تعزيز مواقعها وترسيخ نفوذها على مستوى أفريقيا وفي المواقع المتواجدة فيها سواء في سوريا أو أوكرانيا أو غيرهما، إلا أن “الفيلق الأفريقي” يبدو أنه معني فقط بأفريقيا بطبيعة الحال، وهذا ما يشير إليه اسم التشكيل الجديد.

وعلى الصعيد القيادي للمجموعة، القيادة الجديدة للفيلق لم تخرج من تحت عباءة “فاغنر”، بحيث يخرج طبّاخ جديد لبوتين إلى العيان، يتولى زمام الأمور وهو رفيق يفغيني بريغوجين ونائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف الذي يقود مفاوضات تشكيل “الفيلق الأفريقي”.

سلسلة زيارات والإعلان عن تشكيل “فيلق أفريقيا”

بعد أيام قليلة من مقتل بريغوجين في شهر أغسطس العام الماضي، حملت طائرة روسية يفكوروف وحطت رحالها في ليبيا للقاء اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق البلاد وأجزاء كبيرة من جنوبها، وكانت هذه الزيارة الأولى لنائب وزير الدفاع الروسي، ويبدو أنها كانت بداية الإعلان عن تأليف “الفيلق الأفريقي” وقاعدته الرئيسية في ليبيا. فبعد تلك الزيارة عاد يفكوروف مرة أخرى إلى بنغازي منتصف سبتمبر الماضي ومنها زار العاصمة المالية باماكو للقاء وزراء دفاع كل من النيجر وبوركينا فاسو ومالي.

وفي الشهر عينه، توجه حفتر إلى موسكو للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، وعاد يفكوروف مرة أخرى إلى بنغازي وزار بعدها النيجر للقاء وزير الدفاع… سلسلة الزيارات هذه ليست سوى تمهيد لإنشاء التشكيل العسكري الجديد.

ويمكن القول إن زيارة يفكوروف واجتماعاته بخليفة حفتر لها أهداف عدّة، منها ضمان استمرار الدعم اللوجستي والتنسيق مع قيادات الفيلق الروسي – الأفريقي على الأراضي الليبية وتأمين وصول الأسلحة والامدادات عبر ميناء طبرق، ووصولها وتمريرها إلى قاعدة براك الشاطئ وقاعدة الجفرة العسكرية.

فيما تشكل ليبيا موقعًا استراتيجيًا لتوطيد النفوذ الروسي في القارة السمراء، تسيطر روسيا بالفعل على مواقع استراتيجية فيها، أبرزها قاعدة القرضابية وسط البلاد وميناء طبرق شرقها، كما تتمركز قاعدة الجفرة الجوية في وسط البلاد إلى جانب قاعدة براك الشاطئ.

قواعد استراتيجية لم يكن يَحلم بها

إن الموقع الاستراتيجي لليبيا الواقعة جنوب المتوسط وبالقرب من قواعد حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أوروبا، وكونها ممراً وطريقاً آمنة لوصول الإمدادات العسكرية، يشكل حلمًا لبوتين بالانتشار في قواعد استراتيجية لم يكن يحلم بها كقاعدة الجفرة العسكرية وقاعدة براك الشاطئ. وهنا نتحدث عن حدود تربط بين ليبيا والنيجر وتشاد التي تأتي في المثلث الجغرافي الذي من المتوقع أن تستحوذ عليه روسيا في أفريقيا بعد أن وطدت نفوذها في جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو.

كذلك هناك الحدود التي تربط بين ليبيا والسودان، والتي تربط أيضًا جمهورية أفريقيا الوسطى، فهذه الحدود المشتركة، تؤمّن مرورًا سلسًا للأسلحة والمعدات، سيما أن الفلسفة الروسية في أفريقيا ترتكز بشكلٍ أساسي على استخدام الأسلحة ونثرها وتوسيع رقعة الصراعات، ودعم عمليات التمرّد بوجه القوى “التقليدية” المسيطرة كفرنسا مثلًا التي تتخذ من بعض البلدان مستعمرات خاضعة لها، وتتحكم بأوصال نظام الحكم فيها.

اهتمام روسي من منظور مختلف

روسيا لم تكتف بالنفوذ والانتشار العسكري في الدول الأفريقية وحسب، فبعد تمركز مجموعاتها المسلّحة في ليبيا والسودان والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى، تحاول موسكو أيضًا تعزيز شراكتها مع دول القارة عبر عقد اتفاقيات عسكرية وصفقات تجارية أبرزها تلك التي عقدتها مع مصر لإنشاء محطة الضبعة النووية، كما وقعت مع تونس والجزائر وإثيوبيا وغينيا وغانا وغيرها من الدول الأفريقية، اتفاقيات عسكرية وأخرى في مجال الطاقة، ما يفسر اهتمامها بالمنطقة بمنظور مختلف عما كانت عليه في السابق في ظل وجود مجموعة “فاغنر” التي كانت تعمل منفصلة عن الجيش الروسي النظامي.

هذا وتعتزم روسيا تصدير حوالي 200 ألف طن من الحبوب إلى ست دول أفريقية، ووفقًا لانفوغراف أعده فريق عمل وكالة سبوتنيك، فتتوزع هذه الشحنة الضخمة من الحبوب مجانًا ومن دون مقابل على الشكل الآتي: تحصل كل من الصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى على 50 ألف طن، أما إريتريا ومالي وبوركينا فاسو وزيمبابوي تحصل على 25 ألف طن.

تشهد القارة السمراء تحولاً غير معهود، حيث نشهد خروجاً تدريجياً لفرنسا والقوى الأوروبية من مستعمراتها التاريخية ويقابل هذا الخروج، دخولٌ روسي من الباب العريض ولعبها دورًا مفتاحيًا في إعادة رسم شكل الأنظمة الأفريقية.

بالتوازي، تطرح أسئلة عديدة حول ما إذا كان التوغل الروسي في أفريقيا، سيكون له نفس النوايا والأهداف التي لطالما رسمت طريقة التعاطي الغربي مع الدول الأفريقية، وعما إذا الغاية من تشكيل “فيلق أفريقيا” محصورة فقط بنوع من إعادة انتشار للمجموعات المسلحة الروسية في القارة بعد مقتل بريغوجين.

فكيف سيكون شكل المنطقة في ظل انتشار “الفيلق الأفريقي” خليفة “فاغنر” بتوجيهات من وزارة الدفاع الروسية؟

وهل ستنعكس التحركات العسكرية الروسية على أنظمة الحكم في القارة الأفريقية؟

المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى