إيكواس... تكتل اقتصادي يواجه تحديات جيوسياسية

بقلم الباحث المقيم جمال خضرو
مجاز في علم التاريخ، وباحث مقيم لدى المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، ومسؤول الدائرة الجيوسياسية لمنطقة أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى.

في أواخر شهر يناير الماضي أعلنت كلٌّ من النيجر وبوركينا فاسو ومالي الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والتي تعرف اختصاراً بـ”إيكواس”، وقد تم الإعلان عن هذا القرار في بيانٍ مشترك تضمن الأسباب التي دفعت هذه الدول للانسحاب من هذا التكتل، وكان من بين هذه الأسباب: ابتعاد المجموعة عن المبادئ التي تأسست عليها، وقيامها بفرض عقوبات اقتصادية قاسية على تلك الدول.
فما هي المبادئ التي تأسست عليها إيكواس وما الذي دفعها إلى الانحراف عنها؟ وما هي غاية إيكواس من فرض العقوبات الاقتصادية على تلك الدول؟ وهل نجحت في تحقيق غايتها؟
- تاريخ مليء بالتحديات:
لقد تأسست المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في مايو 1975، وكان ذلك بناءً على عقد معاهدة لاغوس التي نتج عنها انضمام 15 دولة من دول غرب أفريقيا، أما هذه الدول فهي غامبيا وغينيا وغينيا بيساو وليبيريا ومالي والسنغال وسيراليون وبنين وبوركينا فاسو وغانا وساحل العاج والنيجر ونيجيريا وتوغو وموريتانيا، وبعد عامٍ واحد انضمت جزر الرأس الأخضر ليصبح عدد الأعضاء 16، ولكن قامت موريتانيا بالانسحاب من هذا التكتل في عام 2001 ليعود عدد الأعضاء إلى 15 كما كان في البداية.
وقد بُني هذا التكتل على مبادئ اقتصادية تمت صياغتها في معاهدة لاغوس 1975، وكان من أهم تلك المبادئ: تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء وتحرير التنقل بين هذه الدول والعمل على تطوير التعاون في مجالات الصناعة والنقل والمواصلات والطاقة والزراعة والموارد الطبيعية والتجارة والقضايا المالية والاجتماعية والثقافية، والجدير بالذكر هنا أن معاهدة لاغوس لم تتضمن مبادئ ذات طابع سياسي، ولكن هذا لم يدم طويلاً![1]
من المعروف جيداً أن منطقة غرب أفريقيا تعاني من اضطرابات وأزمات تنشر الفوضى في تلك المنطقة وتعيق تحقيق الأهداف والمخططات التي تعمل عليها إيكواس، حيث تعد الانقلابات العسكرية إلى جانب الحروب الأهلية من أشهر وأخطر التحديات التي تعاني منها هذه المنطقة كما وتعاني أيضاً من انتشار الجماعات الإرهابية العابرة للحدود والجريمة المنظمة والفساد الإداري، فقد عانت جميع دول غرب أفريقيا من هذه الأزمات، بل وما زال البعض منها يعاني من هذه الأزمات إلى يومنا هذا.
ولكن عند القيام بتتبع أسباب هذه الأزمات سنلاحظ أمراً في غاية الأهمية، وهو أن جميع الدول التي خضعت للاستعمار عانت من أزمات مشابهة بعد استقلالها، وذلك لأنها كيانات جيوسياسية مصطنعة، وهذا بالضبط ما ينطبق على دول غرب أفريقيا.
في دراسةٍ للمفكر السياسي محمد وليد يوسف حملت عنوان “النيجر… مثال ساطع على قانون زوال الكيانات الجيوسياسية المصطنعة ولو بعد حين” تم تسليط الضوء على هذه الظاهرة المتفشية في أغلب الدول التي خضعت للاستعمار، ففي ظل الاستعمار الذي استمر لعدة قرون في غرب أفريقيا تم جمع الطوائف والعرقيات المتنابذة داخل كيانات جيوسياسية تمت صناعتها بما يتماشى مع مصالح الاستعمار دون النظر في تأثيرات ذلك على أبناء هذه المنطقة، فعندما كان الاستعمار لا يزال قائماً عاشت هذه الشعوب المتنابذة في حالة من السكون النسبي حيث “مكثت تلك الأقاليم والقوميات والطوائف والقبائل على تساكنها الظاهر ما مكثت سلطات الانتداب الأجنبي تسوس الأمور فيها وتحكم وتفصل بينها عند التنازع والتخاصم”[2]، لكن وبعد انتهاء حقبة الاستعمار واستقلال الدول الأفريقية ظهرت التناقضات التي أدخلت تلك البلدان في دوامة من الحروب والأزمات.
فبعد أن تأسست المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا وجدت نفسها محاطةً بهذه الأزمات التي دفعتها إلى الانخراط بالقضايا السياسية والأمنية، إذ بدأت هذه المجموعة بتبني قوانين ذات طابع أمني مثل قانون حظر استخدام القوة أو التهديد بها، وقانون يمنع أي تغيير غير دستوري للسلطة وبموجب هذا القانون يحق للمجموعة أن تفرض عقوبات اقتصادية على الدول الأعضاء التي تنتهك الحكم الديمقراطي، وقانونٍ آخر لإيقاف الحروب الأهلية وإحلال السلام إذ يسمح هذا القانون لإيكواس بالتدخل في الدول الأعضاء التي تعاني من حروب أهلية.
وبموجب هذه القوانين قامت هذه المجموعة بتأسيس قوة عسكرية هدفها فض النزاعات في الدول الأعضاء، كما وتدخلت في عدة حروب أهلية كالحرب الأهلية الأولى في ليبيريا (1990 – 1997) والحرب الأهلية الثانية في ليبيريا (1999 – 2003) وتدخلت أيضاً في الحرب الأهلية في سيراليون (1991 – 2002) والحرب الأهلية في ساحل العاج (2003 – 2007) وتدخلت في توغو عام 2005 وفي غينيا بعد انقلاب 2012[3].
- العقوبات وأثرها العكسي على إيكواس:
ابتداءً من أغسطس 2020 ووصولاً إلى يوليو 2023 تعرضت منطقة غرب أفريقيا إلى سلسلة من الانقلابات، حيث شهدت كلٌّ من مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر انقلابات عسكرية أطاحت بالحكومات المدنية لتحل مكانها حكومات عسكرية، وكانت هذه الانقلابات شديدة الأثر على المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وقد كان انقلاب النيجر الأشد بينهم حيث كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لإيكواس، إذ كشف هذا الانقلاب عن التناقضات والانقسامات التي تعاني منها هذه المجموعة.
إذ كان من المرجح أن تتدخل إيكواس عسكرياً في النيجر، ولكن بسبب تعارض وجهات النظر بين الدول الأعضاء لم يتم اتخاذ هذا القرار إذ رأى البعض بأن التدخل العسكري سيكون ضرورياً للغاية وذلك للحفاظ على هيبة إيكواس ولمنع الانقلابات الأخرى، أما الطرف الآخر فرأى في هذا القرار جرأةً وتهوراً قد يؤديان إلى حربٍ شديدة الوطيس هم في غنى عنها، وقد ازداد هذا التخوُّف حدةً بعد إعلان المجلسين العسكريين في بوركينا فاسو ومالي الوقوف إلى جانب النيجر لمواجهة التدخل العسكري.
وفي غضون البحث في صوابية التدخل العسكري لجأت إيكواس إلى فرض عقوبات اقتصادية على المجلس العسكري في النيجر، حيث كانت الغاية من هذه العقوبات إخضاع الانقلابيين وإجبارهم على التنازل عن السلطة، وإعادة الرئيس السابق للنيجر محمد بازوم إلى منصبه، وإنقاذ سكان النيجر من ظلم وقسوة الحكام الجدد الذين سيحكمون البلاد بالحديد والنار.
ولكن عند إعادة النظر في الأحداث والوقائع نرى بأن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا فشلت في تحقيق مبتغاها، كما وسنلاحظ أن النتائج المترتبة على هذه العقوبات خالفت بشدة تصورات من قاموا بتنفيذها، فقد عملت هذه العقوبات على زيادة شقاء وبؤس سكان النيجر حيث انتشر الفقر وارتفعت نسبة البطالة بين الناس، أما بالنسبة للحكومات المستهدفة فقد ازدادت قوةً وعناداً، إذ ساعدت هذه العقوبات الانقلابيين على ترسيخ أقدامهم في السلطة كما زادت من هيبتهم أمام الشعب، وضمن هذا السياق صرح رئيس الوزراء النيجري علي الأمين زين بأن حكومة النيجر ستكون قادرة على تجاوز جميع أنواع العقوبات، كما أضاف “حتى ولو كان التحدي المفروض علينا غير منصف يجب أن يكون بإمكاننا تجاوزه، وسنتجاوزه”.[4]
وهذا يؤكد ما ذهب إليه المفكر السياسي محمد وليد يوسف في كتابه “القوانين السياسية المادية” إذ توصَّل إلى أن استخدام العقوبات الاقتصادية لتحقيق الغايات السياسية وسيلة فاشلة ستؤدي بالضرورة إلى تأجيج الفوضى وستزيد من حدة الصراع، فبالرغم من أن العقوبات الاقتصادية “لم تفلح في تحقيق غاياتها، فلا هي أفضت إلى تحقيق المقاصد السياسية للذين فرضوها، ولا هي أوهنت الأنظمة التي فرضت عليها، وإنما اقتصد واقتصر فعلها على أن تعجز الشعوب رهقاً في الدول والبلدان المستهدفة بها وتفضي إلى نقيض مقصودها”[5].
لتكون هذه العقوبات من أهم الأسباب التي دفعت كلاً من مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى الانسحاب من تكتل إيكواس، حيث أصدرت هذه الحكومات بياناً مشتركاً انتقدت فيه النهج غير العقلاني الذي سارت عليه المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لإرضاخ هذه الحكومات، وقد كان لانسحاب هذه الدول وقعٌ شديدٌ على إيكواس، إذ كان بمثابة صفعةٍ قوية على وجه هذه المجموعة لتوقظها من سُباتها، ليكون هذا الحدث كفيلاً بأن يهز كيان إيكواس ويضعها أمام هاجس التفكك.
فاعترف قادة إيكواس بعقم نهجهم وذلك بعد أن أدركوا أنهم عاجزون عن الثبات أمام هذا التحدي الذي فرض عليهم، وفي أواخر شهر فبراير الماضي اجتمع قادة إيكواس وبخطوةٍ غير متوقعة أعلنوا عن إزالة الحصار ورفع العقوبات الاقتصادية عن النيجر وتلى هذا القرار قرارٌ آخر برفع العقوبات عن غينيا وتخفيفها عن مالي، فكان هذا الإعلان إقراراً من إيكواس بفشلها في تحقيق غاياتها السياسية عن طريق اعتمادها فقط على العقوبات الاقتصادية.
[1]ماذا نعرف عن مجموعة إيكواس التي تهدد بالتدخل العسكري في النيجر؟،bbc، 10ـ 8ـ 2023.
[2] د. محمد وليد يوسف، النيجر…مثال ساطع على قانون زوال الكيانات الجيوسياسية المصطنعة ولو بعد حين، المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، 7ـ8ـ2023.
[3] ماذا نعرف عن مجموعة إيكواس التي تهدد بالتدخل العسكرية في النيجر؟، bbc،10-8-2023
[4] رئيس وزراء النيجر: قادرون على تجاوز عقوبات إيكواس، الشرق الأوسط،14ـ 8ـ 2023.
[5] د. محمد وليد يوسف، القوانين السياسية المادية، صـ 328، دار المصور العربي، لبنان ـ بيروت، تـ 2022.
المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

