طموحات تركيا في آسيا الوسطى

بقلم الزميل المقيم الأستاذ سلام حسين
كاتب وروائي، وباحث مقيم في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، ومسؤول دائرة آسيا.

تركيا بحدودها الحالية هي ما استطاع الأتراك الحفاظ عليه من بلد امبراطوري ضخم بعد سقوط الدولة العثمانية في بدايات القرن العشرين والحروب التي خاضها مصطفى كمال أتاتورك لتأسيس تركيا الحديثة.
ورغم مضي أكثر من قرن على تأسيس الجمهورية التركية إلّا أنّ الساسة الأتراك مازالوا يطمحون إلى إعادة الأمجاد التركية التي تتجاوز الامبراطورية العثمانية لتصل إلى الرغبة في إحياء الامبراطورية السلجوقية، وهذا ما أشار إليه المفكر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف في دراسة نشرها الموقع الرسمي للمركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية تحت عنوان (عودة الأسدين… إعادة التركيب الجيوسياسي)، حيث ورد في الدراسة:” لقد شاع القول عن عزم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إعادة بعث السلطنة العثمانية واحياء الرابطة الاسلامية السياسية بقيادة تركيا الحالية مع بدء الأزمات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية عام 2011 التي أيقظت تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية من غفلتها التاريخية التي دخلتها منذ زوال السلطنة العثمانية وظهور الدولة التركية الحديثة عام 1924. والحقيقة أن تركيا منذ عام 2011 بقيادة أردوغان جنحت إلى إحياء الامبراطورية السلجوقية من رقادها التاريخي وليس بعث السلطنة العثمانية، وذلك بسعي مزدوج في انشاء أسرة الدول التركية عام 2009 التي ما لبثت أن أصبحت منظمة الدول التركية منذ عام 2020″ [1]
وهناك الكثير من التصريحات التي تؤكد كلام الدكتور محمد وليد يوسف ولعل أهمها ما جاء على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطبته أمام نواب حزب العدالة حيث قال:” «تاريخ الأمة التركية لم يبدأ في 29 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1923، يوم إعلان الجمهورية، بل إنَّ هذا التاريخ امتداد لما سبقه. إذ قبل 9 قرون كان بطل من الأناضول يخوض معركة مكلفة لحماية دمشق والقدس، إنه السلطان السلجوقي كيليتش أرسلان» ” [2]
كما نشر نائب سابق بالبرلمان التركي عن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، خريطة لـ«تركيا الكبرى»، تعود إلى عهد السلاجقة، وانتصارهم على الإمبراطورية البيزنطية في معركة «ملاذ كرد» عام 1071، وذلك بمناسبة الاحتفال بذكرى المعركة التي تصادف السادس والعشرين من أغسطس (آب).[3]
ويبدو أنّ انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991 وانحسار نفوذ روسيا واستقلال مجموعة من الدول عنها والتي كانت من بينها جمهوريات آسيا الوسطى طاجيكستان وأوزباكستان وتركمانستان وكازاخستان بالإضافة إلى أذربيجان، شكل فرصة لتركيا كي تمدّ نفوذها إلى هذه المنطقة.
تركيا رأت في الروابط القومية والدينية التي تربطها بدول آسيا الوسطى البوابة التي يمكّنها من مدّ نفوذها والجنوح نحو تحقيق أهدافها بالتحول إلى قطب إقليمي مؤثر.
وكانت أولى الخطوات التي خطتها تركيا في هذا المجال هو العمل على تأسيس مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية (المجلس التركي) عام 1992، عندما دعا الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال رؤساء دول أذربيجان، وكازاخستان، وقرغيزستان، وأوزبكستان، وتركمانستان إلى أنقرة، وقرروا تنمية التعاون المشترك؛ من خلال عقد قمم دورية بينهم، واستمر عقد القمم على نحو شبه سنوي، إلى أن وقعت تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان اتفاقية نخجوان في 3 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2009، في القمة التاسعة التي احتضنتها مدينة نخجوان الأذرية، قبل أن يُعلن تأسيس المجلس رسميًّا أواخر عام 2010، في قمة عُقدت في إسطنبول.[4]
وإن كانت الأهداف المعلنة لمنظمة الدول التركية تتمثل في تأسيس وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في قضايا السياسة الخارجية، والاقتصاد، والمواصلات، والجمارك، والسياحة، والتعليم، والإعلام، والرياضة والشباب، والسعي إلى إنشاء مناطق اقتصادية مشتركة بوجود بنك للتنمية، من أجل تسريع العمل المشترك بين دول المنظمة في مشروعات البنية التحتية، نظراً إلى حجم التجارة بين دول المنظمة فإنه يبلغ 7 مليارات دولار، مع السعي القائم على إنشاء مناطق اقتصادية بين دول المنظمة وتأسيس الصندوق الاستثماري للعالم التركي، ليكون هذا الصندوق أول مؤسسة تمويل مشتركة للدول الأعضاء في منظمة العالم التركي”.[5]
فإنه من المؤكد أن ما تسعى إليه تركيا في آسيا الوسطى يتجاوز هذه الأهداف ، بل إنها تسعى بقيادة أردوغان إلى إحياء الامبراطورية السلجوقية كما أشار الدكتور محمد وليد يوسف في المقتطف الذي اقتبسناه في المقدمة، وبالتالي السعي نحو الوصول إلى مكانة قطب إقليمي ينازع الأقطاب الموجودة في المنطقة، وحتى تستطيع تركيا بلوغ منزلة القطب الإقليمي لا بدّ لها من تحقيق شروط قيام الاقطاب كما حددها المفكر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف في كتابه جوهر النظام الدولي [6] وهي:
- القوة العسكرية
- الثروات المالية والنظام الاقتصادي السليم
- نظام الحكم الصحيح الرشيد القوي
- النظامي الثقافي والمعرفي والتكنولوجي الراسخ
- القوة الديمغرافية الكافية
- الموقع الجيوسياسي المهم
- النظام القانوني العادل.
بالنظر إلى ما يمكن أن يتحقق من اتحاد دول منظمة الدول التركية فإنّ مجموع تعداد تلك الدول مجتمعةً يبلغ ما يفوق 300 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها حوالي 4 ملايين كيلومتر مربع، كما ويبلغ إجمالي الدخل القومي للجمهوريات التركية حوالي 2 تريليون دولار كما تسعى دول المجلس على الصعيد العسكري إلى تبادل الخبرات العسكرية، عبر إجراء مناورات مشتركة، إضافة إلى إبرام صفقات بيع أسلحة ومدرّعات وعربات عسكرية. [7]
وكما ذكرنا سابقاً فإنّ تركيا تعمل على الوترين القومي والديني اللذين يربطانها بشعوب تلك الدول فالرابط الثقافي يربط شعوب تلك الدول ببعضها إذ أنّ سكانها يتحدثون التركية ويربطهم تراث ثقافي ذو جذر مشترك، وهو ما يشكل عماداً لنظامٍ ثقافي جامعٍ بين سكان تلك الدول بالإضافة إلى الرابط الديني المشترك فأغلب شعوب هذه الدول تدين بدين الإسلام.
ولا يختلف اثنان على الأهمية الجيوسياسية لدول آسيا الوسطى حيث أنها تقع على ما كان يعرف بطريق الحرير وتتوسط أقطاباً إقليمية كالصين والهند وروسيا وإيران وتطل على بحر قزوين الغني بالنفط والغاز.
لكن هل يمكن أن يُترك المجال لتركيا من أجل الاستمرار في مشروعها دون أن تواجه تحديات وعوائق كبرى؟ الجواب هو بالتأكيد لا. فهناك العديد من القوى التي تعتبر آسيا الوسطى مجالاً حيوياً لها ولا يمكن أن تفرط بنفوذها في تلك الدول لصالح تركيا، ولعلّ أبرز التحديات التي تواجهها تركيا في سبيل استكمال مشروعها في آسيا الوسطى تتمثل في روسيا، والصين بالإضافة إلى إيران.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تراجع دور روسيا في دول آسيا الوسطى عقب استقلالها عنه، ولكن مع وصول بوتين إلى السلطة بدأت روسيا في البحث عن استراتيجيات جديدة لإعادة نفوذها إلى آسيا الوسطى أو على الاقل منع ملء الفراغ الذي تركه الاتحاد السوفيتي من قبل دول أخرى وخاصة الغرب وأمريكا، وزادت مخاوف روسيا بعد أحداث 11 سبتمر ودخول الولايات المتحدة إلى الخط بحجة محاربة الإرهاب في المنطقة فاستنفرت روسيا جهودها لحماية مصالحها في آسيا الوسطى وخاصة أن المنطقة تعتبر امتداداً للأمن القومي الروسي ، وامتداد تركيا في المنطقة يعني امتداد النفوذ الأمريكي والغربي كون تركيا عضواً في حلف الناتو.
بالإضافة إلى كون المنطقة تعتبر بعداً جيوسياسياً لروسيا، فإن العامل الاقتصادي لا يقل أهمية عن العامل الجيوسياسي، فآسيا الوسطى تعتبر من أهم منابع النفط والغاز ومسارات الأنابيب.
فإن كانت تركيا ساعية من خلال مد نفوذها إلى آسيا الوسطى إلى التحول إلى قطب إقليمي مؤثر فإن روسيا ساعية إلى التحول إلى قطب عالمي ينافس الولايات المتحدة في الدورة الدولية الجديدة ولن تسمح لتركيا بمنازعتها في حدودها الجنوبية.
وبالنسبة للصين أيضاً فإنّ امتداد أي نفوذ غربي في آسيا الوسطى يشكل قلقاً لمصالحها في المنطقة لذلك فإن الصين تتفق مع روسيا في الوقوف أمام أي تمدد غربي أو تركي في المنطقة، فآسيا الوسطى تقع على طريق الحرير الصيني وكذلك فإنّ أمن الطاقة في منطقة آسيا الوسطى يلعب دوراً كبيراً في رسم سياسات الصين اتجاه آسيا الوسطى، لذلك تجد الصين أن التعاون مع روسيا في آسيا الوسطى سيشكل عائقاً أمام امتداد النفوذ الأمريكي فيها، وتحقيق التوازن بينها وبين روسيا سيخلق بيئة آمنة للطرفين.
الرغبة الإيرانية في التمدد في آسيا الوسطى لا تختلف عن الرغبة التركية، وخاصة أن إيران تعول على نفس الأدوات التي تستخدمها تركيا، فإيران أيضا تمتلك إرثاً ثقافياً مشتركاً مع دول آسيا الوسطى مع وجود روابط عرقية فارسية مع قسم من شعوب آسيا الوسطى بالإضافة إلى الرابط الديني المشترك وهو الإسلام.
ولإدراك إيران أنّ حكومات دول آسيا الوسطى لا تمتلك الحماس الكافي لتوطيد العلاقات اعتماداً على الروابط الدينية والقومية مع إيران فسعت إيران إلى الاعتماد على الجانب الاقتصادي وخاصة أن دول آسيا الوسطى دول مغلقة والموقع الجغرافي لإيران مهم بالنسبة لتلك الدول للوصول إلى موانئ التجارة العالمية في الخليج الفارسي.
وهذا ما ساعد في تشييد ممرات ربط بين دول آسيا الوسطى وإيران للوصول إلى الخليج. وقد تُرجم ذلك من خلال توقيع “اتفاقية عشق آباد” في عام ٢٠١٦، التي أرست إجراءات إنشاء ممر متعدد الوسائط أي بطرق النقل البري أو البحري، بين أوزبكستان وكازاخستان وتركمنستان وإيران وعُمان والهند وباكستان، لتسهيل نقل البضائع من منطقة آسيا الوسطى إلى الخليج [8].
هكذا نجد أن طموحات تركيا في آسيا الوسطى تصطدم بمصالح العديد من القوى الإقليمية، لكن تركيا تعول على الدعم الغربي والأمريكي لها في مواجهة نفوذ روسيا والصين وإيران، وقد برزت أهمية الولايات المتحدة في دعم النفوذ التركي في الجمهوريات الإسلامية بوصف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ، خلال زيارته لهذه الجمهوريات ، تركيا بكونها شريكاً للولايات المتحدة ونموذجاً للآخرين لاسيما الجمهوريات المستقلة حديثاً في آسيا الوسطى [9] .
[1] سلسلة عودة الاسدين، الدكتور محمد وليد يوسف، المركز الدولي للدراسات، بيروت. 12 – 06 – 2023.
[2] السلاجقة الجدد والتلاعب بالخرائط، الدكتور جبريل العبيدي، الشرق الأوسط، 01 – 09 – 2020.
[3] خريطة من عهد السلاجقة تؤكد “حلم” إردوغان بـ”النفوذ العثماني”، سعيد عبد الرازق، الشرق الأوسط، 29 – 08 – 2020.
[4] قوة إقليمية جديدة في آسيا الوسطى: منظمة الدول التركية، غدي قنديل، مركز الدراسات العربية الاوراسية، 13 – 11 – 2023.
[5] توسع منظمة الدول التركية.. قوة اقتصادية وعسكرية كبرى قادمة، المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية،
10 – 10 – 2022.
[6] جوهر النظام الدولي، المفكر الدكتور محمد وليد يوسف، دار المصور العربي، بيروت، لبنان، 2022.
[7] توسع منظمة الدول التركية.. قوة اقتصادية وعسكرية كبرى قادمة، المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية،
10 – 10 – 2022.
[8] آسيا الوسطى والصراع التركي – الإيراني، العميد الركن ميشال بطرس، الموقع الرسمي للجيش اللبناني، 12 – 2023.
[9] التوجه التركي نحو آسيا الوسطى والقوقاز (1990- 1998)، م.د. احمد جاسم إبراهيم ألشمري، م.د. يونس عباس نعمة، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة بابل، مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية، 2014.
المقالة تُعبر فقط عن رأي الكاتب

