الشائع

روسيا في قلب الفوضى والاضطراب.. الدكتور يوسف حذّر من هذا المصير قبل أشهر.. ولكن!

تتوالى فصول الفوضى والإضطراب التي تضرب الداخل الروسي، حيث كان آخرها الهجوم الذي تعرّض مركز “كروكس سيتي هول” الترفيهي التجاري في ضواحي العاصمة الروسية موسكو، والذي أدّى إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين، وذلك في مشهد جديد يؤكّد ما كان ذهب إليه قبل نحو 4 أشهر رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، حين رصد حصول فوضى واضطراب سياسي داخلي في روسيا في المستقبل، وذلك في دراسة نشرت يوم 11 نوفمبر 2023 تحت عنوان: “الاخفاق الاستراتيجي العظيم… لم يبقَ لروسيا إلا النووي”.

وأعلنت السلطات الروسية عن مقتل العشرات وإصابة أكثر من مئة آخرين جراء قيام مسلّحين بإطلاق النار في مركز “كروكس سيتي هول” التجاري بضواحي موسكو مساء الجمعة، كما تبع ذلك انفجارات وحريق امتدّ لساعات قبل أن تتمّ السيطرة عليه.

هذا وقد تبنّى تنظيم “داعش – ولاية خراسان” العملية، وقال في بيان عبر تطبيق “تلغرام” إنّ مقاتليه “هاجموا تجمّعاً كبيراً (…) في محيط العاصمة الروسيّة موسكو”. وزعم التنظيم أنّ مقاتليه “انسحبوا إلى قواعدهم بسلام”، فيما ذكرت السلطات الروسية أنّه تم اعتقال 11 شخصاً، بينهم 4 إرهابيين، شاركوا في الهجوم.

هذا وقد انتشرت صور لأشخاص قيل إنّهم منفّذو الهجوم، وقد تم الإشارة إليهم إلى أنّهم من جمهورية إنغوشيا الروسية ذات الأغلبية المسلمة الواقعة في شمالي القوقاز.

ولا ينفصل هذا الهجوم عن الفوضى التي تشهدها روسيا بفعل الجمهوريات الإسلامية الموجودة فيها، منذ أن حطّت طائرة إسرائيلية في مطار محج قلعة في جمهورية داغستان الروسية المسلمة وما حصل من تحرّكات واحتجاجات داخل المطار ولا سيما أنّ الطائرة حطّت في المطار بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 في قطاع غزة، مروراً بالنداءات المطالبة بالانفصال عن روسيا والتي شهدتها جمهورية بشكورتوستان المسلمة أيضاً على خلفية محاكمة أحد الناشطين المعارضين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وصولاً إلى أحداث أمس الجمعة.

لقد قرأ رئيس المركز الدولي للدراسات، الدكتور محمد وليد يوسف، الواقع في روسيا بدقة بالتوازي مع هذه الأحداث حتى قبل أن تتشارك واشنطن مع موسكو المعلومات عن هجوم ارهابي وشيك تتعرض له روسيا، وكان نبّه مباشرة بعد أحداث مطار محج قلعة إلى أنّ روسيا ذاهبة نحو فوضى واضطراب سياسي داخلي، حين أشار في دراسته في 11 نوفمبر 2023 إلى أنّ “أول إرهاص ودليل على الفوضى والاضطراب ظهر حين قامت مجموعة من المواطنين باقتحام مبنى مطار محج قلعة (عاصمة جمهورية داغستان) بعد أنباء عن هبوط طائرة قادمة من تل أبيب تنقل مواطنين إسرائيليين”، وقاموا بتحطيم صالات المطار والاعتداء على الموظفين، مما كشف عن جذوة متقدة تحت السطح في الجمهوريات الإسلامية داخل روسيا ووجود جماعات وتنظيمات إسلامية تقوم بحشد وتعبئة المسلمين فيها لإثارة الفتن والأزمات والحروب الدينية والقومية في المستقبل في روسيا”.

وأضاف: “ولعل الحكومة الروسية تدرك الخطر الكامن في منطقة شمالي القوقاز وتعلم أنها مظنة انفجار في المستقبل، وقد حمل ذلك الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف على اتهام أوكرانيا والغرب بتحريض الناس في داغستان لاقتحام المطار واعتراض الطائرة القادمة من إسرائيل، في خلط عجيب للوقائع وفرار من الإقرار بوجود الخطر العظيم الكامن في شمالي القوقاز والجمهوريات الإسلامية في روسيا”.

ولفت إلى أنّ “عوامل وأسباب ثورات وحروب دينية وقومية واستثمار الجماعات الإسلامية في هذه الجمهوريات الحرب الإسرائيلية على غزة تجتمع لتحريك الدواعي وتحريض الهمم وإثارة المشاعر والعواطف وحشد الناس وتعبئتهم توطئة لتفجيرها في المستقبل في وجه موسكو والدعوة إلى الانفصال وحق تقرير المصير”.

وتابع أنّ “بيسكوف يعلم أن أوكرانيا والغرب الذي تمالأ مع إسرائيل في حربها على غزة لن يحرض المسلمين في جمهورية داغستان على مهاجمة طائرة من إسرائيل. وإنما من قام بذلك جماعات إسلامية منظمة في تلك الجمهوريات تقوم بإعداد الأسباب لخوض الحرب القادمة في روسيا، وقد أصابت هذه الجماعات غرة وفرصة في الخطاب الرسمي الروسي المعادي لإسرائيل والمتملق للبلدان الإسلامية…”.

وحذّر الدكتور يوسف يومها من أنّ “الاستراتيجية الروسية الخاطئة في جنوب القوقاز… ستفضي إلى عواقب في شمالي القوقاز أيضاً، حيث ستتجرأ القوميات الإسلامية التركية وغيرها في هذه المنطقة في المستقبل على إثارة أزمات جيوسياسية في روسيا بالسعي إلى الانفصال عن روسيا والمطالبة بتقرير مصيرها…”.

ونبّه إلى أنّ “هذه الدائرة الجيوسياسية هي مظنة خطر استراتيجي داخلي عظيم على روسيا في المستقبل إذا سارت روسيا على استراتيجياتها الداخلية والخارجية الخاطئة”.

وأكّد أنّه “إن كان التفكك والتمزق قد أصاب الاتحاد السوفياتي من الجمهوريات السلافية، فإنّ انقسام الاتحاد الروسي وتفكك فيدراليته ستبدأ من هذه الجمهوريات التركية الإسلامية طمعاً في استقلالها ورجاء التحاقها وانضمامها إلى الاتحاد التركي الناشئ بقيادة تركيا وبدعم من روسيا من الرئيس بوتين ذاته في استراتيجية خاطئة لا سبيل إلى فهمها أو تأويلها”.

واعتبر الدكتور يوسف يومها أنّ “الخطر المحدق بروسيا قادم من داخلها ببعث القوميات التركية الإسلامية من رقادها وخاصة في منطقة شمالي القوقاز بعد الاخفاق الاستراتيجي الروسي الكبير في جنوب القوقاز”.

وأشار إلى أنّ “الخطاب الإعلامي الروسي المتملق للبلدان الإسلامية يقوم بحل القيود والضوابط عن نشاط الجماعات الإسلامية في الجمهوريات الإسلامية الروسية لتقوم بتحشيد وتعبئة الناس فيها بسائق من الحرب الإسرائيلية على غزة، حتى إذا هدأت وسكنت الحرب هناك دفعت هذه الجماعات الناس لعداوة روسيا والقومية السلافية المسيحية الأرثوذكسية، وإيقاد حرب دينية – قومية”.

إنّ هذه القراءة التي أثبتت بما لا يقطع الشكّ صوابيتها وأنّها قائمة على أسس علمية وقواعد موضوعية، شكّلت تنبيهاً – من دون أن يكون هذا القصد – للمسؤولين الروس لقراءة الوقائع كما هي في داخل روسيا، وأنّ البلاد على شفير حرب كبيرة قد تؤدي إلى تفكك الاتحاد الروسي وتمزق الدولة الروسية.

ألم يكن حرياً يومها سواء بالسفارة الروسية في بيروت أو أصدقائها ومن هم على اتصال معها أخذ هذا الكلام بعين الاعتبار والتواصل مع المركز الدولي للدراسات طلباً للمشورة في كيفية تفادي هذه الأزمات القادمة إلى روسيا واستباق هذه الأحداث والسيطرة عليها قبل وقوعها؟! ولكن وكما تقول هذه الأبيات:

لقد أسمعت لو ناديت حيا … ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نار نفخت بها أضاءت … ولكن أنت تنفخ في رماد.

حسن هاشم

باحث مقيم ومسؤول عن قسم التحرير في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت. حائز على إجازة في الاعلام من جامعة الجنان، طرابلس ـ لبنان.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى