الحادي عشر من سبتمبر الروسي... وغزوة موسكو

ما أشبه روسيا بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، وإنّها لعمري الحقّ حالة سياسية كوانتية خالصة، فهي تشبه الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر 2001 حين غزت القاعدة يومئذ غزوتَيْ واشنطن ونيويورك في عقر دارها، وقد غزت الدولة الإسلامية موسكو في عقر دار روسيا، وتشبه إسرائيل حين بُهتت لغزوة حماس في 7 أكتوبر 2023 على بلداتِ وقرى إسرائيل في غلاف غزة، وكذلك بُهتت روسيا حين ضربتها الدولة الإسلامية، وهي تظنّ أنّها قد أَمِنَتْ غائلة الإرهاب الإسلامي وأنّ إمساكها عن إدانة غزوة حماس المذكورة وخطابها المداهن والمتملّق للجماعات الإسلامية مثل حماس وحركة أنصار الله (الحوثيين) وطالبان قد كفاها مؤونة الاحتياط من هجمات الإرهابيين الإسلاميين، وأنّ استخدامها حقّ النقض (الفيتو) قد يشفع لها عندهم. وتشبه إيران في سياساتها وردود أفعالها حين اشتدّ القصف الإسرائيلي على مراكز مستشاريها وضبّاطها من الحرس الثوري وفيلق القدس في سورية مقترناً بقصف معسكرات حلفائها في العراق، فذهبت إيران في ردها إلى قصف المدنيين في أربيل بكردستان العراق وبلوشستان باكستان وإدلب السورية في ديسمبر 2023، وكذلك تجنح روسيا إلى قصف أوكرانيا في ردّ فعلها على هجوم الدولة الإسلامية على كروكوس سيتي هول في موسكو.
وكما لم تدفع هجمات إيران الاستعراضية عنها غائلة الهجمات الإسرائيلية عن ضباطها في سورية بقصف إسرائيل أهدافاً إيرانية في دمشق بعد القصف الإيراني ببضعة أيام، بل زادتها جرأة عليها لأنّها أمنت غائلة الردّ الإيراني، حيث علمت أنّها كلّما قصفت أهدافاً إيرانية ردّت إيران في مواطن أخرى لا تضرّ إسرائيل، وكذلك ستزيد روسيا إرهابيي الدولة الإسلامية وجماعات إسلامية أخرى متربّصة بروسيا جرأة عليها لغزوها في مدن أخرى في روسيا وقتل مدنيين إذا أعرضت عن الردّ عليهم وذهبت إلى الانتقام من المدن الأوكرانية.
غير أنّ التِّيه الاستراتيجي الذي دخلته روسيا منذ عام 2016 وإخفاق سياساتها عندئذ يوردها موارد الخطأ والإخفاق.
ولم يزل أمر روسيا مستقيماً حتى عام 2015، وأصابت حين تدخّلت في سوريا وأنقذت الدولة السورية من الجماعات والفصائل الإسلامية وتركيا وقطر حين رمت سورية عن قوس واحدة، ولم يزل أمرها كذلك حتى اعتذرت تركيا لها في يونيو 2016 عن إسقاط الطائرة الروسية SU-24 في نوفمبر 2015 فأسرع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرئيس التركي رجب اردوغان يغدق عليه المكاسب الجيوسياسية والاستراتيجية سعياً وراء سراب التحالف مع تركيا لاستدراجها إلى خارج حلف شمالي الأطلسي (الناتو) فدخلت روسيا منذئذ التِّيه الاستراتيجي. فغضّت الطرف عن غزو أذربيجان وتركيا والمرتزقة السوريين لإقليم آرتساخ (قره باغ) في عام 2020 ثمّ أكملوا نصرهم الاستراتيجي على أرمينيا في عام 2023 تحت سمع وبصر روسيا وقواتها الموجودة في أرمينيا، ولم تذهب إلى العمل بقواعد معاهدة الأمن الجماعي لإنقاذ أرمينيا من الهزيمة الاستراتيجية النكراء في حين ذهبت إلى العمل بهذه المعاهدة في يناير 2022 لإنقاذ نظام قاسم جومرت توكاييف الحاكم في كازخستان من أعمال شغب كادت تخلع نظامه، لينقلب بعدها توكاييف على روسيا ويتحالف مع واشنطن وتركيا وأذربيجان لتوطيد دعائم منظمة الدول التركية التي ستكون خطراً عظيماً على روسيا في العقود القادمة وذلك بسائق من صلة القرابة واللغة والدم والدين الإسلامي والمذهب التي تعقد بينهم وبين الجمهوريات الإسلامية داخل روسيا.
ولا ريب أنّ منفّذي الهجوم الإرهابي في موسكو من القومية التركية من جمهوريات وسط آسيا أو من الجمهوريات الإسلامية الروسية.
إنّ تركيا التي عزّز بوتين قوّتها وشارك في صعودها قوّة إقليمية هي التي ستقود العالم التركي الذي سينشر التمزّق والفتن والفوضى في داخل روسيا.
إنّ روسيا مطمئنّة اليوم بسائق من أنّ حكام كازخستان وأذربيجان وأوزباكستان وقرغيزستان وتركمانستان من الجيل الذي أدرك العهد السوفياتي ويتحدّث اللغة الروسية ويتمسّك بالتقاليد والأعراف الروسية السياسية القديمة، حتّى أنّ الرئيس الأذري إلهام علييف التركي المسلم الشيعي – خرّيج الأكاديمية الروسية للعلوم – وهو ابن الزعيم السوفياتي حيدر علييف أقرب إلى الرئيس بوتين والقيادة الروسية من نيكول باشينيان رئيس الحكومة الأرمينية المسيحي الأرثوذكسي.
وكأنّ روسيا غافلة عن أنّ إلهام علييف وأقرانه من زعماء الجمهوريات الإسلامية التركية في وسط آسيا هم آخر جيل سوفياتي يحكم بلاده، ومع انقراض هذا الجيل سيأتي إلى السلطة في هذه البلدان نخبة سياسية تركية إسلامية خالية من الموروث والتقاليد والأعراف السياسية السوفياتية وعندها تعلم روسيا عواقب سياساتها الخاطئة وإخفاقها الاستراتيجي.
إنّ الإرهاب واحد، وليس ثمّة إرهاب سيّئ وإرهاب آخر جيّد، ويقتضي الحقّ إنكار الإرهاب كلّه وإدانته بغضّ النظر عمّن قام به.
وكما أنّ الهجوم الذي قامت به الطليعة المقاتلة بقيادة إبراهيم يوسف على مدرسة المدفعية في حلب بسورية عام 1979 كان إرهاباً يستحقّ الإدانة والذمّ وكما كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 في أمريكا إرهاباً منظّماً يستوجب القدح والذمّ والإدانة، وكذلك كانت أحداث بالي في إندونيسيا عام 2002 إرهاباً إسلامياً يوجب الإدانة، وكذلك تفجيرات الرياض بالسعودية عام 2003 ومدريد الإسبانية ولندن البريطانية وبومباي الهندية وباريس ونيس الفرنسيتَيْن عامَيْ 2015 و2016 وهجوم مسجد النور في مدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا في مارس 2019 كان إرهاباً يوجب الذم والإدانة، وكذلك فإنّ سوق مقاتلي الدولة الإسلامية 1700 فرد من قاعدة سبايكر بالعراق إلى القتل والذبح مقيّدين في الأغلال والأصفاد كان إرهاباً منظّماً يوجب الذمّ والإنكار، وكذلك فإنّ الهجوم بطائرات مسيّرة على حفل تخرّج الضباط في الكلية الحربية في حمص بسورية بحضور أهلهم من المدنيين في 5 أكتوبر يوجب الإدانة والذم، وكذلك فإنّ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 على المدنيين وقتلهم في بلدات غلاف غزة كان إرهاباً منظّماً يوجب الإدانة والإنكار، وأساء إلى قضية الشعب الفلسطيني ولم ينفعها بشيء قطّ وجلب الخراب والقتل والدمار على غزة من غير طائل.
إنّ موسكو ضُرِبَتْ حين أمسكت عن إدانة هجوم حماس في 7 أكتوبر ظناً منها أنّ ذلك يُنفق ويُدلَّس على الجماعات الإسلامية وتستدرجهم إلى معسكرها في حربها على أوكرانيا وخصومتها مع الغرب.
إذا لم يُؤخذ على أيدي الجماعات الإسلامية الإرهابية ولم يجرّد عليها الحملات العسكرية حين تضرب وتقتل المدنيين فإنّها ستدفع جماعات أخرى إلى فعل مثلها وأكثر.
وإن كانت القيادة الروسية قد دعت المجتمع الدولي إلى إدانة العمل الإرهابي في موسكو في 22 مارس 2024 وهو حقّ، فعلامَ أمسكت عن إدانة هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. وإن كانت زعمت روسيا أنّ مظالم الشعب الفلسطيني تبرّر لحماس هجومها، فإنّ تنظيم الدولة الإسلامية يتحدّث عن مظالم ألحقتها بها روسيا في سورية وهي تقصف مواقعه منذ عام 2016، وقتلت منه آلاف المقاتلين والمدنيين في تدمر والسخنة والشولا ودير الزور وبادية الشام وغيرها.
إنّ الإرهاب واحد، ولا سبيل إلى تسويغ إرهاب وتأويله وتبريره وإنكار إرهاب آخر وذمّه وقدحه.
