تحدي العملات

بقلم الزميل غير المقيم الأستاذ رحيم عيزوقي
محامٍ وحقوقي

هناك مقولة عالمية تقول “إذا رأيتَ حريقاً في منطقة ما، ففتش عن النفط”.
إن البترودولار هو الدولار الأمريكي الذي يحصل عليه أي بلد من خلال بيع نفطه إلى بلد آخر، وقد تمت صياغة هذا المصطلح في عام 1973 من قبل أستاذ الاقتصاد إبراهيم عويس الذي أكد على ضرورة استخدام هذا المصطلح والذي يمكن وصفه بـدولارات الدول المصدرة للنفط (أوبك)[1].
فعندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها سنة 1945 تأسس ما بات يطلق عليه لاحقا “النظام العالمي الجديد”، وهو نظام جيوسياسي دولي يتسم بتراجع هيمنة الاستعمار الأوروبي لصالح هيمنة جديدة تترأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
وسنركز هنا على ما يتصل بالهيمنة المالية للولايات المتحدة باعتبارها سبباً في ظهور البترودولار عن طريق ربط الدولار بالذهب وصولاً لنظام البترودولار.
بدايةً مع اتفاقية بريتون وودز 1944: حيث اجتمعت وفود 44 دولة في مدينة بريتون وودز الأمريكية واتفقوا على تثبيت سعر صرف العملات مقابل الدولار وربط الدولار بالذهب أي أن الدولار أصبح عملة احتياط وربط، وقد تم تحديد سعر الدولار وقتها بما يعادل 35 دولاراً للأونصة.
وتم إنشاء صندوق النقد الدولي لإقراض ومساعدة الدول وكان للولايات المتحدة دور بارز فيه فهي تشارك بحوالي 17% من تمويله وتملك فيه حق النقض الذي يسمح لها بمنع أي عملية اقراض قد تتعارض مع مصالحها، كما يقوم صندوق النقد الدولي بمراقبة سعر صرف العملات، وتُقَدَّم قروض الصندوق عن طريق حقوق السحب الخاصة وهي عبارة عن أصل احتياطي دولي يُدفع بسلة عملات مكونة من الدولار الأمريكي، الجنيه الإسترليني، الين الياباني، اليورو، واليوان الصيني.
ولكن في نهاية السنة الاولى من عهد الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون 1969 بدأت تعصف بالاقتصاد الامريكي أزمات عدة أهمها الركود وهبوط في سعر الفائدة، وانخفضت قيمة الدولار مقابل الذهب ووصل الحال لعجز احتياطي الذهب الامريكي عن تغطية الدولار مما دفع بالرئيس الأمريكي نيكسون بتاريخ 15 أغسطس 1971 إلى فك ربط الدولار الامريكي بالذهب ممزقاً بذلك أحادياً اتفاقية بريتون وودز، وكان لهذا تبعات دولية خطيرة وكل المحاولات الأوروبية لتدارك الوضع باءت بالفشل ورُفِضت أمريكياً.
لم يكن التصميم خلف استراتيجية نيكسون في يوم 15 أغسطس 1971 ليظهر إلا بعد سنتين في أكتوبر 1973، حيث عُقد اجتماع سري لتجمع بيلديربرغ في سالتزجوبادن السويدية، واستمع المشاركون الى السيناريو الأمريكي لرفع أرباح بترول أوبك بنسبة 400% ولوضع مخطط لإدارة هذا الطوفان المالي الذي سيجنى ويتدفق من أرباح أوبك والتي أطلق عليها وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كسينجر “إعادة تدوير ضخ البترودولار”، وبما أن أسعار تجارة النفط ومنذ عام 1945 كانت بالدولار الامريكي حيث شركات النفط الامريكية كانت هي المسيطرة عالمياً على السوق بعد الحرب فإن أي ارتفاع حاد مفاجئ في الأسعار سيكون مصحوباً بارتفاع دراماتيكي على طلب الدولار لتسديد نفقات النفط المطلوب، وفي السادس من أكتوبر 1973 قامت كل من سوريا ومصر بهجوم عسكري على إسرائيل، وفي اليوم الثاني للحرب قررت كل من السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، العراق، ليبيا، والجزائر خفض انتاج البترول شهرياً بنسبة 5% الى أن تنسحب إسرائيل كلياً من كافة الاراضي العربية التي احتلتها في يونيو سنة 1967 وإعادة كافة الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني وهكذا كانت هزة النفط الاولى للعالم.
وفي نفس الوقت الذي بلغت فيه أزمة البترول ذروتها، قامت الخزانة الامريكية، بعقد اتفاقية سرية مع مؤسسة النقد السعودية (ساما)، وهكذا تم الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية على بيع النفط السعودي بالدولار الأمريكي في عام 1974، و في فبراير 1975 تم عقد اتفاقية تنص على أن تقوم السعودية باستثمار مبالغ كبيرة من عوائد النفط الهائلة لتمويل عجز الحكومة الامريكية، ومن هذه الاتفاقية المفيدة للطرفين ولد نظام البترودولار ولكن قد يسأل البعض ما الذي يعنيه هذا نظام من الناحية الاقتصادية والاجتماعية وما أثره على الدول والأفراد؟ والجواب باختصار أن ميلاد هذا النظام يعني فعلياً “موت النقود” فما فعلته أمريكا من إلغاء قاعدة الذهب وإلزام العالم بشراء النفط بالدولار ما هو إلا انتقال بالنقود من نظام السعر الثابت إلى نظام التعويم، ويختلف نظام غطاء الذهب عن نظام غطاء البترول في طبيعة المادتين، فالذهب مادة معمِّرة يمكن تثبيتها كمقياس للقيمة، أما البترول فإنه مادة تُستهلك بشكل سريع، ولهذا يحتاج العالم إلى تدفقات يومية من البترول تقابلها تدفقات يومية من ورقة الدولار، وهذا يعني أن أي تذبذب في إنتاج النفط يقابله تذبذب مماثل في سعر الدولار، والعكس بالعكس كل تقلُّبات تصيب الدولار يظهر أثرُها في أسعار البترول، أي أنه إذا عطست أمريكا أصيب العالم كله بالزكام.
ولكن مع مرور الوقت راكمت الدول المصدرة للنفط الدولار الأمريكي بكميات لم تتمكن من استخدامها بالسرعة الكافية، ولذا أنشأت العديد من الدول المنتجة للنفط صناديق سيادية بالدولار الأمريكي مسؤولة عن إعادة تدوير الأموال وبذلك كبَّلت الولايات المتحدة شركاءها التجاريين ممن يتمتعون بفائض في الحساب التجاري معها بمغريات الاستثمار بالسندات الحكومية الأمريكية، وهنا تحول العجز التجاري الأمريكي إلى فائض في الحساب الرأسمالي لميزان مدفوعات الولايات المتحدة، وكذلك تحوَّل الربح التجاري لبلدان الفائض في الحساب الجاري لموازين المدفوعات في جانب كبير منه إلى استثمارات مالية في سوق السندات الأمريكية التي ولدت الدولار نفسه في دورة اقتصادية أمريكية تبدأ بعجز تجاري وتنتهي بفائض رأسمالي في ميزان المدفوعات والتي قد تستمر ولا تنتهي إلا بنهاية النظام النقدي الدولي القائم.
وكأي نظام اقتصادي كان للبترودولار فوائد تصب في مصلحة كل الأطراف المشتركة فيه وغير المشتركة وعيوب يتضرر منها الجميع أيضاً ومنها[2]:
- الاستقرار: يوفر نظام البترودولار الاستقرار للنظام العالمي من خلال ربط قيمة النفط بالدولار الأمريكي، وهذا يضمن حصول البلدان المصدرة للنفط على دخل ثابت مقابل صادراتها النفطية، في حين يضمن أيضاً بقاء الدولار الأمريكي العملة العالمية المهيمنة.
- السيولة: يضمن نظام البترودولار وجود إمدادات ثابتة من الدولار الأمريكي في الاقتصاد العالمي مما يزيد السيولة ويسهل التجارة العالمية فالدولار الأمريكي يتحكم في حوالي 80% من أحجام التداولات العالمية اليومية، ونحن نلاحظ الاكتشافات الواعدة في المتوسط كقبرص ومصر وسوريا ولبنان إضافة لأهمية الغاز في آسيا الوسطى وفي إفريقيا وهذا كله يحتاج لسيولة مالية في المستقبل، لا يمكن أن توفرها دولة غير الولايات المتحدة بصفتها من تمتلك مطابع الدولار الأمريكي.
- وضع الدولار كعملة احتياطية: تربط 65 دولة عملاتها بالدولار الأمركي[3]، كما أن كل الدول حول العالم تبقي على احتياطيات من العملات الأجنبية وفي مقدمتها الدولار الأميركي والتي تحتفظ بها البنوك المركزية، والتي عادة ما تستخدمها الدول في مواجهة الصدمات الاقتصادية، ودفع قيمة الواردات، والديون، وضمان استقرار قيمة العملة.
- تمويل العجز التجاري: من الفوائد الأساسية لنظام البترودولار أنه سمح للولايات المتحدة بتمويل عجزها التجاري من دون أن تشهد انخفاضاً كبيراً في قيمة عملتها، بالإضافة إلى ذلك سمح النظام للولايات المتحدة بالحفاظ على وجودها العسكري العالمي من خلال توفير مصدر ثابت لتمويل مجمعها الصناعي العسكري.
أما المخاطر التي ينطوي عليها هذا المستبد الأخضر فهي أن اعتماد الدول المصدرة للنفط على نظام البترودولار يمكن أن يؤدي إلى توترات سياسية، فمن مزايا هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي ما يتيح من استخدامه بقوة في “معاقبة” الخصوم، مثل إيران وروسيا، ولهذا سعت موسكو منذ بداية حربها على أوكرانيا إلى بيع نفطها بالروبل الروسي بعيدا عن الدولار وذلك بعد أن جُمدت أرصدتها البالغة 300 مليار دولار وطردت من نظام سويفت.
ومن العيوب أيضاً التضخم حيث أن العرض الثابت للدولار الأمريكي في الاقتصاد العالمي يمكن أن يؤدي إلى زيادة المعروض من الدولار الأمريكي، ويمكن أن يؤدي هذا الفائض إلى انخفاض قيمة الدولار الأمريكي وزيادة التضخم، وهذا ما يعمل على إدارته البنك المركزي الأمريكي من حيث رفع أو خفض سعر الفائدة للدولار، ولكي نفهم أكثر خطورة غطاء النفط بالنسبة للدولار الأمريكي يؤكد خبير البترول عبد الحي زلوم أن الخزانة الأمريكية في منتصف العقد الأول من القرن الحالي كانت تطبع حوالي 5 مليارات دولار يوميا، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أنه في عام 2006 على سبيل المثال كانت أسعار البترول تتراوح بين 60 و70 دولاراً للبرميل مع معدل استهلاك عالمي يتجاوز 80 مليون برميل يوميا في تلك الفترة، بينما يصل اليوم إلى قرابة 100 مليون برميل يوميا مع سعر يتجاوز 70 دولارا للبرميل[4].
كما أن هناك مخاوف بيئية حيث يشجع نظام البترودولار على استخدام الوقود الأحفوري أكثر لزيادة احتياطي القطع الأجنبي للدول المنتجة ولا يخفى علينا ما لهذا من آثار بيئية كبيرة على المناخ.
ولكن هذه الهيمنة لنظام البترودولار لم تمر بسلام فمن رحم هذا النظام نشأ ما يسمى حرب العملات الناعمة التي انعكست حروباً بالوكالة، ونستطيع القول منذ 1945 بدأت الدول تسعى لمواجهة الدولار الأمريكي وكانت البداية من أوروبا، فقد حاول الأوروبيون التصدي للفعل الأمريكي بأن فكروا جدياً في خلق كيان اقتصادي ومالي وسياسي بل حتى عسكري، مكافئ لكيان الولايات المتحدة حتى يمكنهم الوقوف في وجه الابتلاع الأمريكي لأوروبا، وكانت البداية بالسوق الأوروبية المشتركة سنة 1957، التي تطورت لتصبح اتحاداً سياسياً سمي الاتحاد الأوروبي الذي تأسس بناء على اتفاقية معروفة باسم معاهدة ماستريخت الموقعة عام 1991، ومن أهم انجازات هذا الاتحاد إصدار العملة الأوروبية الموحدة بشكل رسمي عام 1999، لتصبح عملة تداول كاملة بحلول عام 2002، ولكن بعد عشرين عاماً من تداول اليورو لم تستطع منافسة عمق وسيولة الدولار الأمريكي بسبب عدم وجود خزانة أوروبية موحدة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 85% من جميع معاملات الصرف الأجنبي تنطوي على الدولار وفقاً لصندوق النقد الدولي، ويشكل الدولار ما يقارب 60% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية بينما اليورو لا يشكل سوى 20% من الاحتياطيات العالمية.
وفي عام 2023 قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “على أوروبا أن تقلل اعتمادها على الدولار الأمريكي من أجل الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية وتجنب أن تصبح تابعة لأمريكا”، وهذا الاعتراف الفرنسي يمثل عجزاً لليورو أمام نفوذ الدولار[5].
وبناءً على هذا يقول الخبير الاقتصادي اللبناني سامي نادر “إنهزم اليورو بحرب العملات أمام الدولار الأمريكي وذلك لأسباب عديدة، منها ما هو متعلق بالحرب الأوكرانية ومنها ما يرتبط بغياب النمو أو الكساد المستدام في أوروبا”[6].
ورغم ضخامة حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي وتشابك علاقاته التجارية الدولية، لكن ما يزال هناك عدم تكامل بين دول الاتحاد، كما أن سوق منطقة اليورو للديون السيادية مجزأة في الغالب بين الدول الأعضاء فيها، وهذا ما يجعل اليورو لا يمثل خطراً عاجلاً على وضع الدولار عالمياً.
وقد رحل عام 2023 وطوى معه الآمال والطموحات التي كان من المفترض أن تشهد تكريساً للاتحاد الأوروبي بوصفه قطباً جيوسياسياً في المشهد الدولي، تحت وطأة الانجراف إلى ضفاف اليمينية والشعبوية، ومنذ سنين والرياح الخارجية لا تجري كما تشتهيها السفينة الأوروبية التي تواجه خلافات في التعايش بين الشركاء وخصوصاً بعد الحرب الأوكرانية التي كشفت العجز وخلطت أوراق التوازنات الأمنية والجيوستراتيجية داخل الدائرة الأوروبية وخارجها، ومع مرور الوقت اتضح إمساك الولايات المتحدة بجميع مفاتيح قرارات الدعم الغربي لأوكرانيا، وأظهرت الحرب في أوكرانيا أن السياسة الخارجية والدفاعية الموحدة ستبقى سراباً يسعى له الاتحاد الأوروبي، وأن الإصرار على هذا السعي بأي ثمن من شأنه أن يخلخل التماسك الاقتصادي والاجتماعي الذي أظهر الوهن واضحاً في الجسد الأوروبي.
أما الحرب الأخرى التي واجهها الدولار الأمريكي ونظامه فهي مع نشأة مجموعة بريكس[7] وترمز كلمة بريكس إلى الأحرف الأولى للدول الخمسة التي تكون المجموعة وهي البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب أفريقيا، مع قابلية هذه المجموعة للتوسع بوجود 25 دولة ترغب بالانضمام لها، وتهدف المجموعة إلى خلق توازن في الاقتصاد العالمي والقضاء على سياسة القطب الواحد وهيمنة الولايات المتحدة على السياسات المالية العالمية إضافة إلى تحقيق تكامل اقتصادي وجيوسياسي بين الدول الأعضاء، وإنشاء مؤسسات اقتصادية موازية للمؤسسات الغربية مثل البنك الدولي ونظام سويفت، لتفعيل أهدافها، وقد قامت المجموعة بتنفيذ بعض البرامج والمشروعات نذكر منها نظام سيبس هو النظام الذي يوازي نظام سويفت الغربي هو عبارة عن دمج نظام الدفع العالمي الصيني مع النظام الدفع الروسي العالمي والمحلي وربطهما مع شبكات الدفع المحلية الهندية والإيرانية ويستخدم نظام سيبس في تسوية عمليات التجارة البينية والمعاملات الاستثمارية بين هذه الدول مما أدى إلى تهميش دور الدولار الأمريكي في معالجة هذه المعاملات إضافة إلى تخفيف المعاناة التي تسببها العقوبات الأمريكية على بعض دول هذه المجموعة.
كما قامت المجموعة أيضا بإنشاء بنك التنمية الجديد في عام 2014 بمدينة شنغهاي (المركز الرئيسي للمجموعة) بغرض تمويل مشروعات البنية التحتية وتشجيع الاستثمارات في مشروعات التنمية وتعزيز العلاقات التجارية بين دول المجموعة والدول النامية. وتحاول المجموعة التوسّع وإصدار عملة موحدة ويُزعم بأنه عندما تتمكن مجموعة بريكس من إصدار عملة موحدة للمجموعة، رغم التعقيدات التي تحيط بهذا الموضوع، سيحقق لها نوعاً من الاستقلال الاقتصادي الذي تنشده وتعزز من قدرتها التنافسية في النظام المالي العالمي ولكن هل هذا ممكن من الناحية العملية وبالسهولة المتداولة في التحليلات الإعلامية، ربما هذا الحلم لن يتحقق أبداً وكما قال المفكر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف بوصفه الصراع بين مجموعة البريكس والولايات المتحدة بأنها: “ستعجز عن كسر الهيمنة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية وانفرادها بالقرار الدولي وذلك لغياب الأيديولوجيا عن مجموعة البريكس، وصدور سياساتها عن مصالحها الخاصة وارتكازها في تحالفها في هذه المجموعة على هذه المصالح فقط، ويقضي البحث والنظر في علاقات هذه الدول بعضها ببعض إلى أن ما بينها من تناقض وتنافر أعظم مما بينها من توافق ولو قام هذا التحالف على الأيديولوجيا لاختفى هذا التناقض وزال التنافر”، لذا والحديث للدكتور محمد: “فإن مجموعة البريكس وفق صياغتها الحالية عاجزة عن مواجهة الولايات المتحدة، لأن علاقات بعض أعضائها مع الولايات المتحدة أشد قوة من علاقاتها مع أعضاء المجموعة، فالهند متمالئة مع الولايات المتحدة في كثير من سياساتها، وهي تقدم مصالحها معها على مصالحها مع الصين، كما أن ما بين الصين والولايات المتحدة من مصالح وتبادل منافع اقتصادية أعظم مما بين الصين والهند بعشرات الأضعاف، وأعظم مما بين الصين وروسيا بأضعاف..”[8].
أما الحرب التي يتم التبشير بها اليوم هي بين البترويوان والبترودولار، ففي سنة 2016 نجحت الصين عبر مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بأن تجعل عملتها المحلية اليوان واحدة من العملات الدولية القابلة لتكون أحد مكونات الاحتياطيات من النقد الأجنبي للدول، كما وقّعت الصين بين العامين 2016 و2022 اتفاقيات مع الكويت وروسيا وفنزويلا ودول الخليج العربي، لتسوية الدفعات التجارية بينها بالعملة الصينية، وعمل البنك المركزي الصيني منذ مطلع عام 2022 على تنفيذ خطط لتعزيز مكانة اليوان في التعاملات المالية الدولية، وبدلاً من التركيز فقط على تسعير السلع والخدمات المستوردة مثل النفط وغيره باليوان، أصبح يتَّبع مساراً مزدوجاً بالعمل حيث يسمح بتسهيل وصول المستثمرين الأجانب لأسواق الأوراق المالية الصينية، وكذلك زيادة نصيب العملة الصينية من اعتمادات تمويل التجارة الدولية.
كما زاد نصيب اليوان الصيني في تمويل التجارة الدولية بأكثر من الضعف خلال عام 2022 وذلك منذ بدأت الحرب في أوكرانيا ليبلغ 4.5%، وأرجع المحللون ذلك لزيادة استخدام اليوان بكثافة في تسهيل التجارة مع روسيا نتيجة العقوبات الاقتصادية المشددة المفروضة على موسكو، إلى جانب ارتفاع كلفة التمويل بالدولار الأمريكي.
ولكن ما زال استخدام اليوان في سوق البترول والغاز محدوداً ولا يؤثر بشكل كبير على الدولار، إلا أن خطوات الصين من شأنها إثارة قلق الولايات المتحدة التي تتابع عن كثب التمدد الصيني بمناطق نفوذها التقليدية في المنطقة.
ولكن كل هذا لا يشكل تهديداً ولو بسيطاً للدولار الأمريكي إذا ما علمنا أن الدولار يشكل 60% تقريباً من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في حين كل ما يشكله اليوان هو 2.7% من الاحتياطيات، كما أن 75% من فواتير البضائع الصينية المتداولة تدفع بالدولار، وبالنظر إلى أن الصين تعد الدائن الأكبر عالمياً للولايات المتحدة من خلال سندات الخزانة التي تبلغ 1.3 تريليون دولار نعلم أن الصين غير قادرة على تقويض الدولار على المدى القريب، ويبدو أن الصين تأخذ بحسبانها الحظر الذي تعرضت له روسيا من نظام مقاصة الدولار والسويفت الذي ستكون له تداعياتٌ لا تُحتمل على المصارف الصينية والاقتصاد العالمي معاً.
وقد استعرض تقرير لموقع Business Insider الأمريكي[9] ما وصفه بعدم رغبة الصين في إلغاء دولرة الاقتصاد العالمي وجعل اليوان بدلاً عنه وحدده بسببين: الأول أن بكين لن تخفف القيود على دخول وخروج الأموال ولذا يبدو أن الصين حريصة على زعزعة الهيمنة الأمريكية العالمية، ولكنها تود فعل ذلك بشروطها، فبكين لن تتمكن من تحرير حسابها الجاري بالكامل مطلقاً، لكنها ستظل قادرة على الاستمرار في تدويل اليوان، أما السبب الثاني يكمن في صعوبة أن تتحمل الصين تكلفة العجز المالي الدائم الذي تعاني منه الولايات المتحدة.
وفي الخاتمة نرى أن ليس هناك من عملة في الأفق القريب أو المتوسط يمكن أن تحل محل الدولار، فلا يوجد أي دولة أو تكتل سياسي يتمتع بما تتمتع به الولايات المتحدة من علاقات اقتصادية حول العالم، كما أن الإنتاج النفطي الأمريكي بلغ 13.3 مليون برميل يومياً في 2023 بنمو متوقع 400 ألف برميل يومياً عام 2024 أي بحجم انتاج يتجاوز السعودية وروسيا منفصلتين، ولهذا يكون على من يريد الحرب مع الدولار أن يتوقع حرباً ضروساً سواء بالوكالة أو بالمواجهة التقليدية مع استبعاد حصول الأخيرة.
والأهم أن هناك متطلبات يجب أن تتمتع بها العملة التي تريد المنافسة مشابهة لما تتمتع به عملة الدولار من قوة واستقرار منها:
- سيادة القانون: حيث يضع النظام القانوني الأجانب والمصالح المالية والقانونية الأخرى بالنسبة للدولار على قدم المساواة مع مواطني الولايات المتحدة ويحميهم بنفس الدرجة.
- أن يكون للعملة المنافسة حجم وسيولة الأسواق المالية الأمريكية والسهولة التي يمكن بها للأجانب الاقتراض والاستثمار في الدولار الأمريكي، فمكانة وهيبة الدولار كعملة احتياطية تأتي مقابل ثمن يجب دفعه ويتمثل في عجز الحساب الجاري الأمريكي بصورة أبدية والسبب أن الطلب العالمي على الدولار أكبر من الطلب الأمريكي على الواردات المدفوعة أيضاً بالدولار.
- القوة العسكرية للدولة أو مجموعة الدول فيما بينها، فالولايات المتحدة تحمي الدول المتحالفة معها، وهكذا لا تضطر هذه الدول لرفع ميزانيات انفاقها العسكري، وكلنا نتذكر حين هدد الرئيس الأمريكي السابق ترامب الدول الأوروبية بعدم الحماية في حال لم يسددوا ما ترتب عليهم بسبب الاشتراك بحلف الناتو وكيف أذعن له الجميع، ولابد أن نعرف أن للولايات المتحدة 750 قاعدة عسكرية في أكثر من ثمانين دولة.
كما لا يتوفر لأي دولة أو تكتل سياسي القوة الاقتصادية المماثلة للولايات المتحدة، حيث أن الولايات المتحدة تملك الاقتصاد الأكبر بالعالم وتمثل نسبة 34% من حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والعملة الأمريكية هي العملة المعتمدة في معظم الحركات التجارية العالمية رغم وجود 185 عملة لدول العالم الأخرى.
وكما قال المفكر السياسي محمد وليد يوسف “عن سراب زوال الدورة الحالية من النظام الدولي التي يُهيمن فيها القطب الأمريكي مع ظهور عالم متعدّد الأقطاب من دون خوض عهد الصراع والحروب الإقليمية، حيث دأب القادة الروس منذ عام 2012 على التبشير بهذا العالم تدليساً على الناس، واغترت بقولهم الصين منذ عام 2018 وذهب بعض السياسيين فيها إلى القول بذلك أيضاً، ثم شاع هذا القول وفاض في البلدان الأخرى المتحالفة مع الصين وروسيا مثل إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وغيرهم”.[10]
لا يخفى على أحد أن الصراعات الحالية حول العالم هي حروب بالوكالة للسيطرة على مصادر الطاقة عموماً والنفط والغاز خصوصاً بعد الحرب الأوكرانية الروسية التي عطلت بعض طرق التوريد، وحرب العملات هي أحد أسباب هذه الحروب التي تهدف لتحقيق أهداف سياسة بأقل التكاليف وبأعلى العوائد الممكنة وهذا يعكس صراعات أيديولوجية واسعة.
وأخيراً إن الحرب الدائرة الآن بين روسيا والصين وحلفائهما من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، حتى وإن كانت حربا بالوكالة فهي تستهدف إسقاط الدولار عن عرش الهيمنة النقدية العالمية، لكن ما هو النظام البديل عن نظام البترودولار الأمريكي في حال انهيار هذا الأخير؟ فإذا كان الجواب هو عملة الصين أو الروبل الروسي مثلاً فإن أصدق وصف للوضع الجديد هو قول الشاعر جرير:
زَعم الفرزدق أن سيقتلُ مَربَعاً أبشر بطولِ سلامةٍ يا مِربَعُ.
[1] ـ البترودولار وإعادة تدويره موقع” مقالة”.
[2] ـ نظام البترودولار كيف يلعب النفط دوراً في وضع العملة الاحتياطية، موقع fasterCapital الالكتروني.
[3] ـ موقع”إنفستوبيديا” الالكتروني.
[4] ـ موقع الشروق الالكتروني.
[5] ـ حرب عالمية على الأخضر المستبد، موقع عربي بوست الالكتروني.
[6] ـ موقع الحرة الالكتروني.
[7] ـ إبراهيم حسن يس، التكتلات الاقتصادية وأثرها على هيمنة الدولار الأمريكي، موقع سودانايل الالكتروني.
[8] ـ المفكر السياسي محمد وليد يوسف رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، دراسة بعنوان” بريكس مثال ظاهر لتفكك عُرى الأحلاف غير الأيديولوجية.
[9] ـ Business Insider موقع الكتروني.
[10] ـ المفكر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية.
