بلديات تركيا تدفن حلم إردوغان بدستور أكثر تديُّناً

بقلم الزميل غير المقيم جو حمورة
باحث لبناني، متخصص في شؤون الشرق الأوسط وتركيا

أبعد من هوية الفائزين بالانتخابات البلدية التركية، تشكل الصفعة التي تلقاها حزب “العدالة والتنمية” ضربة قاصمة لحلم رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان في إقرار تعديلات دستورية تنتج دستوراً متشدداً إسلامياً.
وكان إردوغان قد أعلن في الثامن من آذار/مارس الحالي عن رغبته في ترك السلطة عند انتهاء ولايته عام 2028، من دون أن يُخفي، في أكثر من مناسبة، رغبته في إجراء تعديلات دستورية جديدة.
وأتت نتيجة الانتخابات مذلة نوعاً ما للحزب الحاكم، حيث خسر للمرة الثانية على التوالي بلديات العاصمة أنقرة، إسطنبول، وإزمير التي تضم مجتمعة حوالي ثلث السكان. كما خسر بلديات المدن المتوسطة الحجم الأخرى، مثل أضنة، مرسين، بورصة وغيرها، مكتفياً بالاحتفاظ برئاسة بلديات المحافظات الريفية الواقعة في الأناضول وسط البلاد، مثل كونيا، اكسراي، ملاطيا، وكهرمان-مرعش.
النتائج المخيّبة للآمال دفعت إردوغان نفسه للاعتراف بأنها “لم تكن كما نأمل”، مؤكداً “احترام قرار الأمة” في الانتخابات التي تشكّل “نقطة تحوّل في بلادنا”. نقطة التحوّل هذه ثبّتتها نتائج الانتخابات، حيث تراجع رصيد الحزب الحاكم لحساب أحزاب علمانية وقومية أخرى، وحركات شبابية تحمل أفكاراً غربية ليبرالية، فحلّ حزب “العدالة والتنمية” ثانياً على صعيد البلاد، متراجعاً أمام حزب “الشعب الجمهوري” العلماني المعارض الذي حلّ بالمركز الأول بنسبة 37.7 في المئة من الأصوات.
مع اقتراب تركه للسلطة، لم يبقَ أمام الرجل التركي الأقوى سوى إدخال تعديلات دستورية تتيح له وضع بصمته على مستقبل بلاده، بعدما وضعها على ماضيها القريب وحاضرها. يريد إردوغان تخطي العلمانية “الأتاتوركية” كما إفراد مساحة في الدستور الجديد للتعليم الديني، اللباس الديني، ودور العائلة التقليدية في المجتمع.
هذه باتت أحلام، ولن تتحقق على ما يبدو في الوقت القريب، إذ أن إقرار تعديلات دستورية جديدة تتطلب القيام باستفتاء شعبي، وهو الأمر الذي لا ضمانة له بأن يلقى قبول الجمهور التركي. فحتى التعديلات “السلطوية” التي أجريت عام 2017 على الدستور التركي، لم تخرج عن نطاق الصلاحيات السياسية وعلاقة السلطات مع بعضها البعض والمهل الدستورية، ولم تتخطاها إلى حدود العبث بالهوية الاجتماعية للجمهورية التركية.
في الماضي، حاذر إردوغان خوض غمار تغيير تلك الهوية، مفضلاً إحداث تغييرات “من تحت” وليس “من فوق”. بمعنى أنه راح يشجع الحركات الشبابية الإسلامية، كما الفئات المحافظة والمتديّنة على زيادة ضغطها على الحكومة، ليجد مبرراً لإحداث تغييرات في القوانين والأنظمة وتوسيع حضور تلك الفئات. في المقابل، لم يخطو خطوة جدية نحو تعديل هوية الجمهورية والشعب في الدستور، مكتفياً بإجراء تغييرات تلبية لـ”حاجة الشعب” كما يقول دوماً.
على النقيض من رغبته، يمكن اعتبار نتائج الانتخابات البلدية في تركيا على أنها مؤشر معاكس على تحوّلات سياسية واجتماعية في البلاد، حيث بدت تلك النتائج تعكس تحولاً نحو تفضيل العلمانية والديمقراطية الليبرالية، على حساب الاتجاهات الإسلامية المحافِظة التي تمثلها حكومات “العدالة والتنمية” المتتالية بقيادة إردوغان.
في السياق ذاته، يمكن أن يعود ويطفو على سطح النقاش السياسي في تركيا، موضوع تقليص صلاحيات الرئيس التركي، وهو المطلب الذي تؤيده أغلب أحزاب المعارضة، وربما يجد دفعاً جديداً بعدما أطبق رئيس الجمهورية على كامل السلطات نتيجة توسيع صلاحياته بعد الاستفتاء الشعبي على تعديلات دستورية عام 2017.
وعلى الرغم من أن إردوغان أعلن استعداده للتنازل عن السلطة بعد نهاية ولايته الحالية، إلا أن النتائج الانتخابية الأخيرة قد تؤدي إلى تأجيل تلك الخطط أو تغييرها تماماً، خاصة إذا ما استمرت الانتقادات المتزايدة لسياساته وتعاطيه مع القضايا الداخلية والخارجية، وتراجع الاقتصاد التركي الذي يبقى المحرك الأساسي لأي حركة شعبية معادية للحكم أو ناقمة عليه.
ففي السنة الماضية، تعرض الاقتصاد التركي لنكسة كبيرة، وأبدى تراجعاً مثيراً دفع ثمنه الأتراك العاديون. التضخم زاد بنسبة 67 في المئة مقارنة بالعام الماضي، وتراجعت قيمة العملة المحلية لتصل إلى حدود 32.4 ليرة تركية مقابل كل دولار أميركي واحد في الأول من نيسان/أبريل الحالي، بينما كانت قيمتها 19.43 في مقابل الدولار في نيسان/أبريل الماضي. هذا الواقع الاقتصادي الصعب ربما كان السبب الأساسي الذي أدى إلى تصويت عقابي من الشعب التركي، وبخاصة في المدن التي تتأثر بالأزمات الاقتصادية عادة أكثر من الأرياف المحافِظة.
وكما يُعلّم التاريخ، فإنّ لكل حكم خطاً بيانياً، حيث ما أن يبدأ بالتراجع بعد صعود مستدام، حتى يستمر بالهبوط حتى ضموره. فإن كان الوضع الاقتصادي مؤشراً حقيقياً على تراجع حكم إردوغان، كذلك بدا إعلانه التخلي عن السلطة عام 2028، وكذلك هي نتائج الانتخابات البلدية الحالية.
التراجع هذا، لا شك أنه سيستمر، فيما إصلاح الحكم من الداخل ومحاسبة الفاسدين وغيرها من الشعارات التي يمكن أن تعكس الخط البياني التنازلي تبقى مجرد وهم. الحكم وتجارب الماضي لا تشي بمثل هذا السيناريو، وخاصة في تركيا، حيث ما أن يتراجع طرف محدد، حتى يستمر في تراجعه إلى حين خروجه من الحكم.
إضافة إلى تحليل النتائج الانتخابية وتأثيرها على مستقبل إردوغان وحكم حزب “العدالة والتنمية”، تجدر ملاحظة خيارات المعارضة التركية وكيفية استغلالها لهذه الفرصة السياسية الجديدة والنادرة، على الأقل منذ عام 2002 – تاريخ وصول “العدالة والتنمية” إلى الحكم.
لقد أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة نجاح حزب “الشعب الجمهوري” العلماني في تصدر المشهد الشعبي في البلاد، مما يعزز مكانته كقوة رئيسية في المشهد السياسي العام. يمكن لهذا النجاح أن يحفز المعارضة على تشكيل تحالفات أوسع نطاقاً لتعزيز فرصها في الفوز في الانتخابات المستقبلية، سواء كانت برلمانية أو رئاسية، أو حتى عرقلة جهود الحكومة و “العدالة والتنمية” عند كل مفترق سياسي قادم.
علاوة على ذلك، من الممكن أن تتجه المعارضة نحو تكثيف جهودها لتعزيز الحريات الفردية وحقوق الإنسان، وهو الأمر الذي قد يجذب دعماً أكبر من الشرائح السكانية التي تشعر بالقلق إزاء تزايد التدخل الحكومي في حياتهم اليومية. سيطرة المعارضة التركية على المدن وخسارتها في القرى والمحافظات المحافِظة، يفترض أن تدفعها لكي تتبنى خطاباً يؤثر في البيئات الريفية كذلك، وعدم الاكتفاء في حمل تطلعات سكان المدن الحضرية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمعارضة أن تعمل على تقديم برامج وخطط موثوقة وملموسة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها تركيا، وهو الأمر الذي قد يساعدها في كسب ثقة الناخبين وزيادة دعمها في الانتخابات المقبلة.
أما خيارات “العدالة والتنمية” فتبقى أقل ضيقاً، إذ أن الخسارة التي مني بها لن تدفعه لتغيير خطابه السياسي المحافِظ، أو إلى تبني برامج تهتم بالحريات العامة وحقوق الإنسان، إنما إلى الرد على الهزيمة بعناد أكبر وراديكالية، وهو الأمر الذي يفتح المجال أمام حالة من الاستقطاب الموجود أصلاً في المجتمع التركي، كما يفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية في تركيا ويعمق الانقسامات في المجتمع
.
ختاماً، فإن النتائج الانتخابية هذه تمثل نقطة تحوّل هامة في المشهد السياسي للبلاد. تتطلب هذه النتائج من الأطراف السياسية، سواء الحكومة أو المعارضة، التصرف بحكمة وتحمل المسؤولية لضمان استقرار تركيا وتعزيز الديمقراطية والحريات العامة والشخصية. إلا أن اختيار الحكومة السير في طريق الراديكالية والمحافظة، سيؤدي إلى تفاقم الأزمات والتوترات وعزل تركيا على الساحة الدولية.
كل ذلك يبقى رهن إرادة إردوغان الذي لا يزال يحكم تركيا، ويُطبقُ السيطرة على كل مؤسساتها دون شعبها. أما حلمه في تغيير الدستور وهوية الجمهورية، فيبقى حلماً غير قابل للتحقق طالما الخط البياني لحكمه يستمر في الهبوط.
المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط وليس عن رأي المركز
