ما هو أبعد من التنافس الاقتصادي.. ممر يربطها بباكستان يضع الصين بمواجهة الهند

بقلم الزميل غير المقيم كريستيان أبي خليل
صحافي مهتم بالشؤون الجيوسياسية كاتب ومحرر موقع “vdlnews”، وخريج كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية.

باتت الأقاليم الانفصالية، والممرات والخطوط التجارية، عنوانًا للتنافس بين القوى الاقتصادية والعسكرية في الآونة الأخيرة، لتبلغ أحيانًا حدّة التوترات الحدودية والاقتصادية مستوى النزاع العسكري. فمذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، شهدت الساحة الدولية انقسامًا واضحًا وصريحًا إلى معسكرين، الأول “غربي الهوية” وداعم لأوكرانيا أما الثاني “شرقي الهوى” وداعم لروسيا. وبغية مواجهة الضغوطات والعقوبات الاقتصادية المتتالية، عمدت روسيا وحليفتها الصين على توطيد دورهما على صعيد العالم عن طريق توسيع عضوية مجموعة “بريكس” التي كانت تتألف بالأساس من الدول الآتية: روسيا – الصين – البرازيل – الهند – جنوب أفريقيا. وقد أثار هذا الائتلاف الانتقادات على اعتبار أن المجموعة هذه، وحتى قبل الإعلان عن انضمام قوى جديدة تتناحر في ما بينها، تمثل بركانًا قد ينصهر في أي لحظة… والسبب هو التنافس الصيني – الهندي الاقتصادي من جهة، والخلاف الحدودي العميق بينهما من جهة أخرى.
العرش التجاري وطموح نيودلهي
بالنظر إلى سياق التفاعلات الدولية إزاء الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التحليلات حول استدعاء نمط التعددية القطبية، ارتبط إعلان مشروع “الممر الاقتصادي الهندي” أي “طريق التوابل” برعاية الولايات المتحدة وأوروبا، بالتحرك نحو تقويض التمدد الصيني بالشرق الأوسط، وذلك بهدف خلق “مراكز ثقل جديدة” لموازنة الوجود التجاري الصيني في العديد من النقاط الاستراتيجية منها الشرق الأوسط، والمناطق المتاخمة للمحيطين الهادئ والهندي، ليس فقط لضرب بكين وحسب، إنما لتضييق الخناق أيضًا على روسيا، شريكتها الأولى والأهم.
وهنا تُطرح أسئلة عدّة حول إمكانية احتواء “بريكس” هذا القدر من التوتر المتنامي بين الصين والهند، سيما أن الأخيرة تعمل على توطيد علاقتها مع واشنطن ما يزعج بكين حتمًا، كون هذا التقارب الهندي – الأميركي يأتي في سياق طموح نيودلهي باستبدال الصين وسلبها مكانتها على عرش التجارة العالمية والتكنولوجيا.
ويمكن اعتبار أن ما يشعل فتيل التوتر بين البلدين، الذي هو أبعد بكثير من التنافس الاقتصادي، فالخلاف الحدودي التاريخي والعميق بينهما حول ما يقارب 3800 كيلومتر من الحدود المتنازع عليها، وخصوصًا تمسك الصين ببسط سيادتها على ولاية أروناتشال براديش، ينذر بصراع عسكري جديد بين عملاقين نوويين، على الرغم من كل المحاولات لضبط الصراع وإيجاد حل نهائي ومنصف لكلا الطرفين.
ما هي النقاط الحدودية المتنازع عليها؟ ولماذا تتمسك الصين بمنطقة أروناتشال براديش؟
تاريخ وجذور الصراع الحدودي
تعتبر منطقة أروناتشال براديش أخطر نقاط المواجهة، فقد ضُمت إلى الأراضي الهندية خلال حقبة الاستعمار البريطاني. وبعد نيل الهند استقلالها أواخر أربعينيات القرن الماضي، طالبت كل من بكين ونيودلهي بالسيادة على المنطقة المتنازع عليها، وتفاقم الصراع عام 1959 عندما لجأ الدلاي لاما، القائد الروحي الأعلى للبوذيين في منطقة التبت إلى الهند، هربًا من السلطات الصينية آنذاك.
وفي عام 1962 حصلت مواجهات عسكرية ضارية بين البلدين، غير أنه على الرغم من “هزيمة” الهند، احتفظت الأخيرة بولاية أروناتشال براديش بعد انسحاب القوات الصينية على وقع الضغوطات الدولية. مع ذلك، اندلعت المواجهات مجددًا بين البلدين عام 1987، عندما صنفت الحكومة الهندية منطقة أروناتشال براديش على أنها “ولاية”، الأمر الذي أغضب بكين، وأنذر بنشوب حرب، قبل أن يتوصل الطرفان إلى حل دبلوماسي.
وفي 2017، عملت الصين على شق طريق حدودي واستدعى الأمر استقدام قوة من الجنود لتأمين الحماية لأعمال البناء، ما أثار امتعاض الهند التي بدورها نشرت قواتها عند الحدود، ما حال دون استكمال المشروع الصيني وسط أجواء مشحونة.
وقد بررت نيودلهي ذلك بأن السماح ببناء هذا الطريق، من شأنه أن يجعل الوصول إلى مناطق حساسة يسيرًا بالنسبة للصين، مما يعني تحسين وضعها الأمني والاستراتيجي بحال نشوب حرب، فيما اتهمت بكين القوات الهندية بأنها اجتازت الحدود الصينية، وطالبت جارتها الهند بسحب قواتها من الجزء الصيني للشريط الحدودي بينهما.
النقاط المتنازع عليها
الصراع دائر عند المثلث الحدودي بين الصين والهند ومملكة بوتان. ولعل أبرز منطقة متنازع عليها والتي قد تشعل حربًا في أي لحظة هي هضبة أروناتشال براديش، الواقعة عند مفترق طرق بين الصين وبوتان وولاية سيكيم التي تقع شمال شرق الهند. وتطلق كل من بوتان والهند على المنطقة اسم “هضبة دوكلام”، بينما تطلق عليها الصين اسم “جنوب التبت” وتؤكد أنها خاضعة للسيادة الصينية وجزء لا يتجزأ من أراضيها، فيما تدعم الهند مطالب بوتان بالسيادة على المنطقة، وتقول إن الصين تحتل أجزاء كبيرة منها.
أما منطقة أكساي تشين، هي أيضًا منطقة متنازع عليها بين الهند والصين وتقع غرب جبال الهيمالايا، حيث تبلغ مساحتها نحو 38 ألف كيلومتر مربع، وهي شبه خالية من السكان، وتخضع المنطقة للسيطرة الصينية، وتعتبرها بكين جزءاً من إقليم شينجيانغ الصيني، بينما الهند لا تزال تطالب بالمنطقة وتعدها جزءًا من منطقة لاداخ الواقعة في إقليمي جامو وكشمير الهنديين.
الهند تتحرك نيابةً عن بوتان
في ضوء التوترات الحدودية بين الهند والصين بشكل أساسي، وبوتان بشكل ثانوي، ونظرًا لتواضع قوتها العسكرية، تقول بكين إن حقها في السيادة على المناطق المتنازع عليها مدعوم بمجموعة من الوثائق العائدة إلى اتفاقية حدودية أبرمت بين الصين وبريطانيا عام 1890، وعرفت باسم اتفاقية “سيكيم – التبت”، بالإضافة إلى وثائق من السفارة الهندية في الصين صدرت عام 1960 تؤكد اعتراف وقبول الهند ببنود الاتفاقية.
بينما دولة بوتان الصغيرة، الواقعة بين العملاقين الصيني والهندي في الطرف الشرقي من جبال الهيمالايا، ليست لديها أي علاقات دبلوماسية مع الصين، وتتواصل مع بكين عبر السفارة الصينية في الهند. وبوتان من جهتها، تعتبر أن “دوكلام” أرض متنازع عليها، وأن هناك اتفاقًا مكتوبًا بين بوتان والصين يحول دون التوصل إلى أي تسوية نهائية لمسألة الحدود بينهما، وتطالب بالحفاظ على السلام والهدوء، في المنطقة. ويشار إلى أن القوات الهندية المتمركزة في المنطقة تضطلع بدور حيوي في تقديم التدريب والمساعدة لقوات بوتان المسلحة، حيث يمثل التعاون الأمني عنصرًا أساسيًا في العلاقات الثنائية بين البلدين.
هذا وتعد الهند بمثابة الحامي والحارس لبوتان، وعلى الرغم من أن منطقة “دوكلام” المتنازع عليها ليست جزءًا من الهند ولا تطالب بها، فإن نيودلهي تتحرك في المشهد الآسيوي استنادًا إلى مزاعم تقول إن حكومة بوتان طلبت منها التدخل بالنيابة عنها، وتعتبر المنطقة ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة للأمن القومي الهندي، حيث إن سيطرة بكين عليها من شأنها أن تسهل للقوات الصينية الوصول بيُسر إلى ممر سيليغوري الذي يربط بين ولايات الهند الشمالية والشرقية بباقي البلاد.
الصين تهيّئ بنية تحتية عسكرية
تسرع الصين في بناء شبكتها من المخابئ والأنفاق تحت الأرض في المناطق المتنازع عليها على الحدود مع الهند، وفق ما أوردته صحيفة “التايمز” البريطانية، الأمر الذي يثير احتمال تصعيد عسكري بين القوتين النوويتين.
وأكدت الصحيفة أن صور الأقمار الصناعية أظهرت أعمال بناء صينية في منطقة لاداخ الشرقية، بما في ذلك مطارات جديدة، وقواعد صاروخية، وطرق وجسور وغيرها من البنى التحتية العسكرية على طول الحدود المتنازع عليها على مسافة 2100 ميل في الهيمالايا، والتي تعرف باسم خط السيطرة الفعلية.
وبحسب “التايمز” أيضًا، تظهر صور الأقمار الصناعية مجموعة جديدة من البنى التحتية في أكساي تشين، تبعد حوالي 40 ميلا عن الحدود. كما تكشف عن مخابئ وأنفاق تحفر في منحدر التل، التي يُعتقد أنها مصممة لحماية الأسلحة والقوات الصينية من الهجمات الجوية الهندية.
ونقلت الصحيفة عن أحد المتقاعدين بالجيش الهندي برتبة فريق قوله إن “مثل هذه البنية التحتية تشير إلى الاستعدادات لاحتمال أعمال عدائية، والصين كانت تنشئ طرقًا، وخطوطًا لأنابيب النفط، وأنظمة اتصالات، ومساكن للقوات ومخازن للمعدات على مدار الأعوام الثلاثة الماضية”.
ممر يربط الصين بباكستان
وفق ما أوردته “سكاي نيوز عربية” نقلًا عن خبيرة في الشؤون السياسية الصينية والآسيوية، قد نجد العديد من الأسباب التي تقف وراء تفاقم النزاع الحدودي بين الصين والهند، منها محاولة الهند اللحاق بالصين في تدشين بنية تحتية متطورة في مناطق النزاع الحدودية بينهما، إذ بدأت نيودلهي، تحت حكم رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي، في بناء عشرات الطرق على امتداد خط الحدود بينهما.
كما أن أحد الطرق الجديدة يصل إلى وادي “غالوان”، وهو الموقع الذي وقعت فيه المواجهة الأخيرة بينهما في 2020، فيما يبقى أهم تلك الممرات التي تحاول الصين والهند السيطرة عليها، هو طريق “كاراكورام” الإستراتيجي في المنطقة التي تربط الصين بباكستان، وتشمل الخطة الصينية إنشاء طريق سريع رئيسي لنقل البضائع من ميناء غوادر، ما يتيح لبكين موطئ قدم لها في منطقة بحر العرب. بالتوازي، تتوجس نيودلهي من استخدام الصين ميناء غوادر الباكستاني في المستقبل لدعم عمليات البحرية الصينية في منطقة بحر العرب، في وقت لا تأخذ الصين طموحات الهند الجيوسياسية على محمل الجد، وتنظر إليها كحليف لمنافسيها التقليديين أمثال الولايات المتحدة واليابان.
وتطالب الصين بمجمل مساحة ولاية أروناتشال براديش التي تسميها التبت الجنوبية، ويضاف إلى ذلك مناطق أخرى تختلف وجهات نظر البلدين بشأن الحدود الفاصلة بينهما.
فشل الاتفاق في قمة “بريكس”
خلال قمة مجموعة بريكس” في جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا العام الماضي، جرى حوار غير رسمي بشأن الخلاف الحدودي بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جين بينغ. ويقال إن الرئيسين فشلا في التوصل إلى أي اتفاق، فيما قالت بكين للصحافيين إن مودي طلب إجراء اللقاء، في حين قالت نيودلهي إنه كان مقترح الصين.
وبحسب ما ورد في “التايمز” أيضًا، إن مودي أبلغ شي أن استعادة السلام على الحدود واحترام خط السيطرة الفعلية الفاصل بين الأراضي التي تسيطر عليها الهند وتلك التي تسيطر عليها الصين في إقليم لاداخ ومنطقة التبت الصينية، أمران ضروريان لتحقق ذلك.
في ظل التعثر بإيجاد حلول تضمن عدم حصول أي مناوشات حدودية مستقبلية، لا يزال الغموض يكتنف مستقبل العلاقات الهندية – الصينية التي تشهد تبريداً نسبياً مؤخراً، إلا أن دور الهند الجوهري في المشروع الأميركي الجديد المضاد لطريق الحرير، والخلاف الحدودي، يجعل العالم بحالة ترقب وحذر.
وهنا لا بد من توقّع لعب روسيا دورًا وسيطًا بين الجانبين قد يحول دون إرساء قواعد جديدة تحكم طريقة التعاطي بين الهند والصين، لتفادي أي خلاف متأزم بين ركيزتي بريكس اقتصاديًا، قد يؤدي إلى حدوث شرخ في المجموعة من شأنه أن يقوض قدرتها على مواجهة التحديات، والمضي قدمًا بسياسة دحر الأحادية القطبية.
