الشائع

المكسيك الخاصرة الرخوة لأمريكا والانتخابات

بقلم الزميل المقيم فرهاد باقر

محامٍ وحقوقي، باحث مقيم في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، ومسؤول دائرة الأمريكيتين

تتقاسم الولايات المتحدة الأمريكية مع المكسيك في خاصرتها الجنوبية حدوداً برية وبحرية تزيد عن ثلاثة آلاف كيلومتر وهي عاشر أطول حدود بين البلدين وبالتالي أصبحت المكسيك بوابة عبور برية رئيسية لكل دول أمريكا الوسطى والجنوبية باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعد من أكثر الحدود عبوراً في العالم، وبالتالي خضعت العلاقات بين البلدين لمجموعة من الملفات الساخنة (سياسية – تجارية – أمنية) ولديهما تاريخ طويل من التعاون والتحديات.

والمكسيك هي ثالث أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة الأمريكية وقد تعززت هذه العلاقة بشكل كبير بعد التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) في عام 1992 والتي تم تحديثها عام 2018 باتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) لترتيب العلاقات التجارية وتنظيم العبور وفق ضوابط أمنية باعتبار أن موضوع الحدود بين الدولتين يعتبر من القضايا الرئيسية التي تؤثر على المسارات السياسية في كلا الدولتين وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعتبر من إحدى أهم الأوراق بيد المرشحين للرئاسة وخاصة في السنوات الأخيرة.

شهدت الحدود الأمريكية المكسيكية تدفقاً كبيراً للمهاجرين غير الشرعيين وخاصة القادمين من المناطق التي تشهد الصراعات في أمريكا الجنوبية (نيكاراغوا – هايتي – فنزويلا – كوبا – الاكوادور – غواتيمالا ….إلخ) حيث تشهد هذه الدول صراعات وحروباً داخلية وتنتشر فيها الكثير من العصابات والحركات المسلحة وتجار المخدرات مما يؤدي إلى انعدام مقومات الحياة الأساسية وخاصة الأمنية والمعيشية وانتشار الفقر المدقع الأمر الذي يشجع ويزيد من حركة الهجرة وخاصة باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية مما أدى إلى ضغوطات على المرافق الخدمية في المدن الأمريكية وخاصة ولاية تكساس التي تشهد خلافاً حاداً مع الحكومة الفيدرالية في واشنطن بخصوص السياسات المتبعة بشأن آليات ضبط الحدود وأصبح الموضوع ساخناً في النقاشات السياسية حيث وصلت الأمور إلى درجة المطالبة باستقلال الولاية عن أمريكا من قبل البعض.

فالحدود في حملة الانتخابات الأخيرة والمقرر إجراؤها في الخامس من نوفمبر 2024 أصبحت “حلبة نزال سياسي” بين الرئيس السابق دونالد ترامب والرئيس الحالي جو بايدن حيث يُنَظر إليها كقضية مصيرية قد تحدد نتائج الانتخابات الرئاسية وخاصة أن الولايات المتاخمة للحدود المكسيكية: كاليفورنيا وأريزونا ونيو مكسيكو وتكساس، لها وزنها وقوتها في الانتخابات الأمريكية، لذا فكل من الجمهوريين والديمقراطيين يستخدمون القضايا المتعلقة بأمن الحدود وضبطها وآليات الحد من الهجرة غير الشرعية في أروقة الكونغرس ومجلس النواب الأمريكي لكسب تأييد الناخبين مما أدى إلى تصعيد الخطاب السياسي حول الهجرة وأمن الحدود.

ففي الوقت الذي فشلت فيه إدارة بايدن الحالية بتمرير قانون جديد خاص بأمن الحدود مع المكسيك حيث الإجراءات المشددة أمام طالبي اللجوء الذين يعبرون بطرق غير شرعية وتوسيع سلطة الرئيس على الحدود وحزمة من الإجراءات لسد هذا التدفق للمهاجرين والتي تتضمن تغيّرات في سياسة اللجوء لتعزيز حقوق طالبي اللجوء وتسهيل الإجراءات وتخفيف القيود التي فرضها سلفه دونالد ترامب على القواعد الخاصة باللجوء ومراجعة القوانين الناظمة للعبور والهجرة وتوافقها مع حقوق الانسان وكذلك تجنب الفصل بين الأطفال وأولياء أمورهم (لمّ الشمل) إلا أن هذه الحزمة لم تُمرر من الكونغرس بسبب معارضة الجمهوريين ولارتباطها بملف المساعدات التي ستخصص لكل من أوكرانيا وإسرائيل.

وفي الغضون يسعى دونالد ترامب إلى بناء جدار فاصل ويصر على أن تتحمل المكسيك تمويل بناء هذا الجدار مما خلق امتعاضاً لدى السلطات المكسيكية الرافضة لبناء هذا الجدار وترى بالمقابل أن على الولايات المتحدة القيام بإصلاحات في السياسة الخارجية ومساعدة بعض الدول ورفع العقوبات المفروضة عليها وخاصة فنزويلا وكوبا الأمر الذي قد يساهم في الحد من الهجرة وتدفق المهاجرين.

وأمام هذه الضغوط والتحديات واستمرار تدفق المهاجرين غير الشرعيين وبشكل شبه يومي على الحدود الجنوبية “الخاصرة الرخوة للحدود البرية للولايات المتحدة الامريكية” مما يجعل أزمة الحدود تتفاقم وتهدد حظوظ بايدن في إعادة انتخابه لولاية ثانية حيث يتم استغلال هذه الحالة من الاستياء في الولايات الجنوبية من قبل دونالد ترامب حيث تشير آخر الاستطلاعات إلى تصاعد شعبيته.

وخلاصة القول أن محددات المسار إلى البيت الأبيض في هذه الدورة (الدورة الستون) لم تعد أسيرة اللوبيات السياسية والمالية والسياسات الخارجية فقط في الولايات المتحدة الامريكية.

فهذا الملف الجيوسياسي (الحدود) يكاد أن يكون بيضة القبان في هذه الدورة ومن الواضح أن كفة الميزان فيها تميل لصالح الجمهوريين ومرشحهم دونالد ترامب ما لم يتمكن بايدن من تمرير حزمة القوانين الناظمة لضبط الحدود.

المقالة تعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبر عن رأي المركز

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم
زر الذهاب إلى الأعلى