الشائع

سيناريو المرحلة الانتقالية.. الوجه الجديد لقطاع غزة

بقلم الزميل غير المقيم رحيم عيزوقي

محامٍ وحقوقي

هل كانت حرب غزة فعلاً مفاجأة لدوائر البحث والاستخبارات أم أنها كانت شبيهة بالظروف الموجودة بين أوكرانيا وروسيا والتي أجبرت الأخيرة على التدخل العسكري في أوكرانيا بعد كل الاستفزازات الغربية لها خاصةً من حلف الناتو؟ وهكذا فحركة حماس المسجونة في قطاع صغير مع مليونين ومئتي ألف نسمة في ظل حصار عسكري واقتصادي خانق وفي ظل المتغيرات الدولية والإقليمية الملتهبة بالمنطقة لربما دفعت حماس للاعتقاد بأن من مصلحتها القيام بعملية عسكرية ضد إسرائيل والمسماة بـ”طوفان الأقصى” مدفوعة بعدة أسباب ذاتية من داخل حماس وقياداتها وخارجية مدفوعة بتشجيع من الأطراف الداعمة لحركة حماس، لذا فإن تآكل حركة الإخوان المسلمين حول العالم وتراجع شعبيتها بين شعوب الدول المتواجدة فيها، بسبب الإفلاس السياسي لكل حركات الإسلام السياسي العربي وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين، التي خرجت من دائرة القرار في مصر2013 بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي ثم من تونس بعد انقلاب الرئيس قيس سعيد على حزب النهضة، وبعد المصالحة الخليجية القطرية ثم الخليجية التركية، والتقارب التركي القطري مع مصر أصبحت حركة حماس تتلمس رأسها فقررت القيام بحرب استباقية، خاصةً أن التفاهم الحمساوي مع منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح وصل لطريق مسدود منذ انتخابات 2007 البرلمانية والتي فازت فيها حماس ورفضتها منظمة التحرير بزعامة الرئيس محمود عباس فانقسم الفلسطينيون على نفسهم وعلى هذا الأساس استقلت حماس بقطاع غزة وأقامت ما يشبه الكانتون الإسلامي ذي الحكم الذاتي بينما بقيت منظمة التحرير مدعومة من المجتمع الدولي والعربي بغالبيته، فكانت حماس الخاصرة الرخوة في جسد القضية الفلسطينية، وهذا ما سبب إحراجاً للدول العربية وجعل القضية الفلسطينية في سبات لليوم، ومع تكرار حماس للهجوم على إسرائيل عام 2008، 2012، 2014 ،2021 كانت العزلة العربية لحماس تزداد يوماً بعد يوم وهذا ما جعل حماس الإخوانية ترتمي بالحضن الإيراني بصفته داعماً لفلسطين ومستغلاً هذا الدعم لمناكفة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لمصالحه الخاصة، وبالحضن التركي الذي احتضن الإخوان المسلمين و وفر لهم الدعم طمعاً في تحقيق مصالحه السياسية والاقتصادية من خلال الأحزاب الإخوانية ومنهم حماس في الوطن العربي، وتكلل هذا الارتماء بعد المعاهدات الإبراهيمية بين عدة دول عربية وإسرائيل، والتقارب السعودي الإسرائيلي في الآونة الأخيرة والذي لم يكن خطراً أكبر على حماس فقط وإنما على إيران بالدرجة الأولى التي دفعت المرشد علي خامنئي لوصف هذه الاتفاقات قبل أربعة أيام من تنفيذ حماس هجومها على إسرائيل بأنها “محاولة عبثية تماماً” ومحذراً “الدول التي تخاطر بالتطبيع مع اسرائيل بأنها ستخسر”، ويؤكد هذا المحاضر والباحث في جامعة لاهاي دامون غولريز حيث يقول “إن مساعي توسيع اتفاقيات ابراهام مع إسرائيل من شأنها أن تخنق أهداف إيران الاستراتيجية في المنطقة”.

وبالنظر للدور الأمريكي الذي يتكفل بأمن إسرائيل بكل أشكال الدعم العسكري والسياسي والمهتم بذات الوقت بعدم تسخين الأجواء الشرق أوسطية أكثر من ذلك من خلال إدارة الأزمات في لبنان وسوريا واليمن وتهدئتها وأيضاً إيجاد مقاربة بين دول عربية وإسرائيل فكان لابد من حسم الجدلية الحمساوية التي باتت تقض مضجع المنطقة من خلال مشغليها وداعميها لهذا خرجت بعض التحليلات لتقول إن حركة حماس وقعت في الفخ حين قررت الهجوم على إسرائيل في 7 أكتوبر، ولا أحد ينكر مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل معاً بالتخلص من حماس لبتر أيادي إيران وتعزيز الأمن الإسرائيلي، حيث لا ننسى المطالبات الإسرائيلية للولايات المتحدة بالتصدي لأعمال إيران وميليشياتها في المنطقة وهذا غير ممكن بدون حرب تقود في النهاية لاتفاقية ترضي الجميع إلا حماس وإيران و المؤكد هو روسيا التي كانت الأسعد بهذا الهجوم الحمساوي الذي تسبب بإشعال حريق في الشرق الأوسط وذلك لتخفيف الضغط على حربها في أوكرانيا حيث وُجهت أموال الدعم الأمريكية لصالح إسرائيل على حساب أوكرانيا وهذا ما تبعه الكثير من الشد والجذب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأمريكي والذي انتهى بتقليص الدعم لأوكرانيا مؤقتاً، أما الجانب التركي فقد ظهر وكأنه ليس سوى حاضن لبعض القيادات الحمساوية ولكنه داعم كبير لإسرائيل عسكرياً واقتصادياً فالعين التركية على ثروات الغاز والنفط المتوسطية والتي لن تنال ما ترغب به بدون رضى أمريكي إسرائيلي عنه وكذلك نيل الضوء الأخضر للانقضاض على القوى الكردية على حدود الجنوب التركي، أما الدول العربية عموماً والخليجية خصوصاً فهي إن لم تكن بموقف المشاهد فبعضها في موقف الداعم للقضاء على حماس ولا يغرن أحداً تلك التصريحات العربية من هنا وهناك أو المبادرات المقترحة فهي ليست إلا من واجب إعلامي فللسعودية ومن ورائها دول خليجية مصلحة في تقليص التمدد الإيراني، ولا ننسى سعي السعودية الحثيث للحصول على برنامج نووي سلمي أسوةً بإيران وتركيا ومصر والإمارات العربية ورغبة بالدعم الدولي لحل الصراع في اليمن ويبدو أن هذا ثمنه ترتيب جديد للبيت الفلسطيني والشرق الأوسط ككل.

وعلى ضوء كل هذا كان “طوفان الأقصى” شراً لابد منه، والذي كان معلوماً أن إسرائيل أرادته حاسماً وهذا ما نراه من حجم الآلة العسكرية التي زجت بها في غزة في حين اقتصرت الحرب على حدودها الشمالية مع لبنان وحزب الله على اشتباكات محدودة ومدروسة جداً، وحيث أننا لم نشاهد في كل هجمات حماس على إسرائيل هذا الإجماع العالمي على ضرورة إرساء أسس جديدة ومرضية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي كما نراه اليوم، و من هنا بات من الواجب أن نفكر باليوم التالي للحرب والذي سيختلف عن اليوم التالي للهجمات السابقة والتي ستنتهي بوقف إطلاق النار وإعادة الإعمار وعودة حماس لتقوية وتطوير أسلحتها.

وبالنظر للسياسة الأمريكية التي بدأت بالتصدي للحركات الجهادية الإسلامية “السنية والشيعية” في العالم عامةً وخاصة في العالم العربي بدايةً من اغتيال قاسم سليماني مروراً بدحر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والآن التصدي للخطر الحوثي في البحر الأحمر فهي مهتمة بالتخلص من حركة حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة.

ومن رحم هذا الواقع صدر قرار مجلس الأمن الأخير الذي وافقت عليه الدول الأعضاء في حين امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت وهذا يعتبر موافقة ضمنية من الأخيرة لما جاء في القرار من وقفٍ لإطلاق النار المؤقت والسماح للمساعدات الإنسانية بالتدفق إلى القطاع، وهذا يعني بداية تبلور اتفاق لليوم التالي من حرب غزة، وعلى هذا قدمت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على لسان يوآف غالانت وزير الدفاع الإسرائيلي خطة اليوم التالي حيث قال “لن تحكم حماس غزة، لن تحكم إسرائيل مدنيي غزة، سكان غزة فلسطينيون لذلك ستتولى هيئات فلسطينية المسؤولية، بشرط ألا توجد أعمال عدائية أو تهديدات لدولة إسرائيل”[1] رغم أن هذه الخطة رفضها نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، أما الخطة التي يسوقها بلينكن وزير الخارجية الأمريكية فجاءت على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية بقوله “ما أوضحناه هو أننا نرى على المدى الطويل تحقق إعادة توحيد الضفة الغربية و غزة تحت حكم بقيادة فلسطينية وذلك ما نعمل على تحقيقه”[2]، أما مصر التي تعد تاريخياً المسؤولة عن قطاع غزة فقد سربت على لسان مصادر أمنية “أن حماس وحركة الجهاد الإسلامي المتحالفة معها رفضتا اقتراح القاهرة بأن تتخليا عن السلطة من أجل إقرار وقف دائم لإطلاق النار”[3]، أما حركة حماس فقالت على لسان إسماعيل هنية “أي ترتيب في غزة أو بشأن القضية الفلسطينية من دون حماس أو فصائل المقاومة هو وهم وسراب” وهذا الرفض الحمساوي جاء مستنداً لتعليمات إيرانية والتي زارها وفد من حماس والجهاد بعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير وصرح بهذا اللقاء رئيس الأركان الإيراني محمد باقري لإسماعيل هنية قائلاً “سنشهد تحرير القدس ببركة دماء قاسم سليماني”[4]، أما الخطة التي اقترحها الرئيس الفلسطيني محمود عباس فهي عقد مؤتمر دولي للسلام للتوصل لحل سياسي يفضي لإقامة دولة فلسطينية في القطاع والضفة الغربية والقدس الشرقية متعهداً بتنفيذ إصلاحات طال انتظارها وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية وهذا الطرح لم يعترض عليه نتنياهو إلا بالقول أن إسرائيل لن تقبل بحكم السلطة الفلسطينية لقطاع غزة بالشكل الحالي.

واليوم ونحن نرى سباقاً بين دوائر المخابرات والخارجيات الغربية والعربية والإسرائيلية لوضع هذا السيناريو، ومن خلال إجراء تقاطع بين هذه الخطط نستطيع تصور اليوم التالي للحرب بحدوث تغييرات جذرية.

فالعالم بات على قناعة أن حماس الأمس واليوم غير قابلة للحياة فهي ككل فروع الإخوان المسلمين ذات أصولية دينية لا تقبل بالديمقراطية والتعددية كما أنها تختلف آيديولوجياً مع منظمة التحرير التي تنعتها بالعلمانية وأنها ضيعت الحق الفلسطيني في معاهدة أوسلو، كما أن حركة حماس الإخوانية غير مستقلة في قرارها الوطني نتيجة تركيبة حركة الإخوان المسلمين العالمية وبالتالي تأخذ مشورتها من مرشد الحركة ولو تعارض مع مصلحتها الوطنية واليوم باتت حماس أكثر تشرذماً بعد ولاءاتها الدولية المتعددة وخاصةً لإيران التي لا تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ولا الدولة الفلسطينية ولا بالمبادرة العربية ملتقية بذلك مع إسرائيل، لذا فحركة حماس غير مدعوة للمشاركة في اليوم التالي للحرب وإن لم يكن من الممكن اجتثاثها نهائياً من القطاع ولكن ستكون هناك تسوية ما تلوي ذراعها سواء بنفي قياداتها لبلد آخر أو ربما تجميد عملهم بوقف الدعم عنهم أو احالتهم لمحاكمات دولية بتهمة جرائم ضد الإنسانية خاصةً بعد قيامهم بتعريض حياة المدنيين الإسرائيليين للخطر والتسبب بحرب غزة.

أما على الصعيد الإسرائيلي والذي أخطأ فيه نتنياهو حين توقع أن بلاده ستسحق حماس وتدمرها متناسياً أن حماس لا يمكن حصرها في شكل أو هيكل معين أو مكان واحد مالم يتم القضاء على أسباب نشوئها وتغلغلها في الداخل الفلسطيني وأيضاً ضرورة ملء هذا الفراغ الذي ستتركه حماس خلفها، لذا سيتكرر مع الحكومة اليمينية بزعامة نتنياهو سيناريو ما بعد حرب 1973 حيث شُكلت لجنة انتهت لتقرير فشل إسرائيل استخبارتياً لأنهم افترضوا أن الدول العربية لن تجرؤ على مهاجمة إسرائيل وعلى أثر تقرير هذه اللجنة استقال كبار المسؤولين في قوات الدفاع الإسرائيلية وكذلك فعلت رئيسة الوزراء حينها غولدا مائير،[5] وهذه الاستقالات ستكون بوابة لعودة العلاقات الدولية مع إسرائيل كما كانت، والاستمرار بالتطبيع مع الدول العربية.

ومن هنا نعرف سبب تشكيل الحكومة الفلسطينية الحالية، وما سبقها من جولات قامت بها كل الأطراف الفلسطينية ومنها جولات محمد دحلان مسؤول فتح السابق ومستشار رئيس الإمارات حالياً بين عدة دول مؤثرة في الملف الفلسطيني وخاصةً لدولة قطر التي اجتمع فيها مع قادة حماس، حيث أكد دحلان “أنه يعمل على إقناع حماس بالانضمام إلى قوة سياسية جديدة والتنازل عن قيادة القطاع”، فجاء عُقب هذا الاجتماع تصريح موسى أبو مرزوق القيادي في حماس “أن الحركة لا تنظر إلى حكم قطاع غزة كغاية وهي مع حكومة كفاءات فلسطينية تدير القطاع”.

وعلى هذا نرى بداية المرحلة الانتقالية في الداخل الفلسطيني والتي ستنتهي بسيناريو يوافق رغبات أمريكا في التصدي للحركات الراديكالية الإسلامية ويحفظ أمن إسرائيل ويقلص من نفوذ إيران، ويعطي الدول العربية الفرصة لاستعادة دورها التاريخي الذي لعبته في دعم المصالحة الفلسطينية الإسرائيلية، وما هذه الدعوات لإرسال قوات عربية للقطاع إلا خير دلالة على تبلور صورة واضحة لما بعد الحرب وإن استمرت أياماً أو عدة أشهر أخرى، ريثما يتم ترتيب الأوراق كلها، مع استبعاد قيام دولة فلسطينية في الوقت الحالي لما تحتاجه من ترتيبات معقدة فلسطينية وإقليمية، ولا ننسى اقتراب الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك انتظار وصول حكومة إسرائيلية غير متطرفة مستعدة للتفاوض على دولة فلسطينية، وحكومة فلسطينية جديرة بثقة الشارع الفلسطيني.

المقالة تعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبر عن رأي المركز


[1] ـ موقع الحرة الالكتروني .

[2] موقع الحرة الالكتروني .

[3] ـ موقع الحرة الالكتروني .

[4] ـ صحيفة الاندبندنت.

[5] ـ دومينيك تيرني أستاذ كرسي سميث للعلوم السياسية في كلية سوارثمور .

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى