الروس يغادرون قره باغ "آرتساخ".. سيناريو الدكتور يوسف يتحقق بحذافيره

بقلم الزميل المقيم حسان يونس

من أخطر ما قد تواجهه الدول الاستبدادية هو تسلل عقل فاسد ضال مضل إلى مركز صنع القرار، وصولا إلى امتلاكه القدرة على توجيه دفة السفينة.
واجهت روسيا هذا النموذج في مراحل عدة من تاريخها الحديث. ولعل مستشار الامبراطورة الروسية راسبوتين (1869 – 1916) هو الاشهر في هذا السياق، بحيث اعتبر الباحثون أنه المسمار الأخير الذي دُق في نعش أسرة رومانوف والحكم الإمبراطوري، وعجّل في دوران دواليب الثورة الشيوعية ضمن روسيا. وصولا إلى إعدام القيصر نيقولاي الثاني وزوجته الكسندرا فيدوروفنا وعائلتهما.
ليس من قبيل المبالغة القول ان ألكسندر دوغين، “منظر الاوراسية الجديدة” و “عقل بوتين” يلعب دورا مشابها وهو بمعنى من المعاني راسبوتين معاصر.
نظّر دوغين للاوراسية الجديدة القائمة على مجموعة تصورات، من ضمنها أن الشخصية الحضارية الروسية تقوم على مزيج سلالي – حضاري تركي سلافي وأن الامبرطورية الجديدة التي يتوقف مصير روسيا عليها تقتضي ان تتحالف روسيا مع الدول التركية الممتدة، جنوب روسيا من اقصى آسيا الوسطى إلى البحر المتوسط.
ولعل أخطر ما نتج عن هذه الفكرة الفاسدة هو تحالف روسيا مع تركيا برئاسة رجب طيب اردوغان، نتيجة الوهم بأن تحالفا كهذا قد ينتزع تركيا من أحضان حلف الناتو.
منذ العام 2016 لم تتوقف تركيا عن تقديم البراهين على فساد هذا التصور واخر ما ظهر في هذا السياق هو ما أعلن مؤخرا عن استقبال الرئيس الأميركي جو بايدن نظيره التركي رجب طيب أردوغان في البيت الأبيض للمرة الأولى في التاسع من مايو المقبل. بعدما جرى آخر لقاء بين الرئيسين في إطار حلف شمال الأطلسي في يوليو 2023، على هامش قمة الحلف في فيلنيوس. حين اقنع الرئيس الأميركي نظيره التركي بالموافقة بالتوقف عن عرقلة انضمام السويد إلى الناتو.
تزامن الاعلان عن لقاء الرئيس التركي مع نظيره الأمريكي مع إلغاء زيارة كانت مقررة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى تركيا في التاسع من فبراير، جرى الغاؤها في اللحظات الأخيرة. ما يشير اتجاه السياسة التركية بعيدا عن روسيا واحلامها الاوراسية.
يتفق سياق الخيبة الروسية ازاء تركيا مع ما أشار إليه رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف في دراسته المعنونة “فاغنر… ثالثة أثافيِّ الإخفاق الاستراتيجي الروسي“، 10 يوليو 2023، التي شرح فيها بشكل مسهب مواضع وسياق الخذلان التركي لروسيا واوهامها الاستراتيجية حيال تركيا: “لقد زين المفكر القومي الروسي ألكسندر دوغين للرئيس بوتين إمكان إخراج تركيا من حلف الناتو كونها دولة اوراسية وليست دولة اطلسية ليبدا بعد ذلك تفكك حلف الناتو وتذهب تركيا إلى الانقياد لروسيا كون روسيا قائدة اوراسيا وفق نظريته السياسية الرابعة. ولا يزال الرئيس بوتين يقدم المكاسب الجيوسياسية الحقيقية لتركيا وللرئيس أردوغان طمعا واملا في سراب انسحاب تركيا من حلف الناتو، والرئيس التركي يوهمه بذلك ببعض الخطب الغاضبة على الغرب غير انه في الواقع يزداد تمسكا في حلف الناتو ويعض عليه بالنواجز”.
في ذات الإطار اعلن خلال اليومين الفائتين عن مغادرة قوات حفظ السلام الروسية إقليم ناكورني كارباخ بعدما سيطرت عليه القوات الاذرية في سبتمبر 2023، وتزامن ذلك مع تطورات عدة في المواقف الارمنية اتجاه روسيا، حيث امتنعت ارمينيا عن المشاركة في اجتماع مجلس وزراء خارجية رابطة الدول المستقلة، الذي كان مقررا في 12 أبريل الجاري في مينسك. وعوضا عن ذلك شاركت يريفان، قبل أيام من اجتماع مينسك، في اجتماع ثلاثي جمعها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الذي كان اعتمد في 13 مارس الفائت قرارا يدعو إلى دعم رغبة يريفان في التقدم بطلب للحصول على وضع مرشح للاتحاد الأوروبي.
مجمل هذه التطورات كان قد نبّه إليها الدكتور محمد وليد يوسف في دراسته “روسيا تخرج من جنوب القوقاز”، سبتمبر 2023، وحذّر فيها من الاستراتيجية الروسية الممالئة لتركيا واذربيجان: “وتسلك روسيا استراتيجية خاطئة، حيث تسوق هذه الاستراتيجية إلى أن تخرج أرمينيا من معاهدة الأمن الجماعي التي تربطها بروسيا وتخلع ربقة الانتظام في الاتحاد الاوراسي الذي تقوده موسكو وقد تشخص ببصرها إلى الانضمام إلى حلف الناتو، وستذهب أرمينيا الى طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أيضا، مما يجعل الغرب مع بنيته العسكرية والاقتصادية على حدودها الجنوبية، وعندها ستطلب أرمينيا من روسيا اغلاق قاعدتيها العسكريتين على أراضيها بعدما ظهر لها اخفاقها وقعودها عن حماية حدودها وصون مصالحها”.
وحذر الدكتور محمد وليد يوسف من أن السياسات الروسية الخاطئة ستغير التركيب الجيوسياسي في جنوب القوقاز لغير صالحها: “وستفضي سياسات روسيا في القوقاز إلى ظهور واتمام ممر زانجيزور الذي يربط أذربيجان بتركيا عبر أراضي أرمينيا التاريخية واقليم ناخيتشيفان (الاذري) وتسعى تركيا إلى بناءه منذ أمد لتصل وسط آسيا التركي والصين بأوروبا وتجعل تركيا مركزا للنفط والغاز والسلع وخطوط الطاقة والمعلومات، حتى إذا استقر لانقرة وباكو الأمر في جنوب القوقاز ستطلب أذربيجان من روسيا إخراج قواتها وقواعدها من إقليم قره باخ (ارتساخ) وان أبت روسيا اخرجوها عنوة بعدما هان أمرها وضعف جيشها في حرب أوكرانيا وظهر عجزها”.
وفي هذه اللحظات يغادر الجنود الروس إقليم ارتساخ كنتيجة لتواطؤ روسيا مع أذربيجان وتركيا، تصديقا لاستشراف الدكتور يوسف.
