الاتفاق الأمني التركي – العراقي… هل ينهي الخلافات العميقة بين الجانبَيْن؟

تجمع تركيا والعراق علاقة غريبة ومتباينة، فعلى مرّ الـ20 عامًا الماضية، سادت العلاقة بين بغداد وأنقرة خلافات بسبب عدد من الملفات العالقة بينهما، أهمها ملف حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا “منظمة إرهابية” وتعتبره تهديداً أمنياً لها على حدودها، وملف الموارد المائية.
وفي نقلة نوعية في العلاقة بين البلدين، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بغداد في 22 أبريل 2024 في أول زيارة دولة يقوم بها إلى العراق منذ عام 2011. وخلال الزيارة، وقّع البلدان اتفاقية أمنية مشتركة تسمح لتركيا بالقيام بعمليات عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في عمق الأراضي العراقية، مقابل حصول بغداد على زيادة في تدفق المياه من تركيا.
فعلى المستوى الاقتصادي، تحتل قضية الموارد المائية جزءاً كبيراً في الخلاف بين العراق وتركيا، حيث أدى بناء تركيا لسدود ومشاريع على نهرَيْ دجلة والفرات إلى نقص كبير في كميات المياه التي تصل إلى العراق، مما أثّر سلبًا على الزراعة والري، وزاد من مساحات التصحر. هذا التأثير السلبي فرض على العراق الاعتماد المتزايد على وارداته الزراعية، مما أثّر على الاقتصاد والأمن الغذائي للبلاد.
أمّا أمنياً، فدائماً ما كان تواجد حزب العمال الكردستاني المناهض لتركيا في الأراضي العراقية على رأس القضايا الأمنية بين البلدين، وهو ما فتح الباب أمام التواجد العسكري التركي داخل العراق. تمّ تشكيل حزب العمال الكردستاني، وهو حزب كردي يكافح من أجل الحكم الذاتي في تركيا، في أواخر سبعينيات القرن العشرين من قبل عبدالله أوجلان الموجود في السجون التركية. ويخوض حزب العمال الكردستاني، الذي تصفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنه منظمة “إرهابية”، حرباً مسلحة بمواجهة هجمات الجيش التركي منذ عام 1984.
وتعتبر تركيا وجود حزب العمال الكردستاني في العراق تهديدًا لأمنها، مما دفعها لإنشاء قواعد عسكرية في مناطق دهوك وأربيل شمالي العراق لمواجهته. ومع تصاعد التوترات بين الأطراف المعنية، خاصة بعد استفتاء تقرير المصير الذي أجراه إقليم كردستان في سبتمبر 2017، وانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، شهدت المنطقة زيادة في العمليات العسكرية التركية. وفي عام 2018، بدأت تركيا في إقامة قواعد عسكرية دائمة في تلك المناطق. وفي عام 2020، نفذت القوات العسكرية التركية عمليتي “مخلب النمر” و”مخلب النسر” داخل الأراضي العراقية، وكانتا مثار خلاف بين أنقرة وبغداد في السنوات الماضية.
ولا تقتصر الخلافات بين العراق وتركيا على هذه القضايا. فتاريخياً، تعود بعض الخلافات والتوترات بين البلدين إلى الفترة العثمانية، خاصة فيما يتعلق بتقسيم الأراضي والمناطق الإدارية. بموجب معاهدة لوزان 1923 التي قسّمت الأراضي بين الدول المختلفة في المنطقة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وضمت إقليم الموصل إلى دولة العراق الحديثة بعد أن كان جزءًا من الإمبراطورية العثمانية. ولايزال الأتراك يعتبرون أن لهم أحقّية في محافظة الموصل العراقية.
في حالات التوتر بين تركيا وحكومة بغداد، كانت تركيا تلجأ إلى الأكراد في العراق، حيث قدمت دعمها لحكومة إقليم كردستان لتصدير النفط عن طريق خط أنابيب يصل إلى ميناء جيهان التركي بشكل مستقل عن بغداد، وهو ما يتعارض مع الدستور العراقي، وينتهك بنود اتفاقية خط الأنابيب الموقعة بين العراق وتركيا عام 1973. ورحبت حكومة إقليم كردستان بالدعم ووسعت علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع تركيا، بهدف تحقيق درجة من الاستقلالية عن الحكومة المركزية. هذه العلاقة الوثيقة بين أربيل وأنقرة ساهمت في تباعد بغداد عن تركيا بشكل كبير.
وفي عام 2014، قدّم العراق طلبًا للتحكيم أمام غرفة التجارة الدولية في باريس بشأن دور تركيا في تسهيل صادرات النفط من إقليم كردستان من دون موافقة الحكومة في بغداد. وفي مارس 2023، حكمت المحكمة الدولية في باريس لبغداد بوقف تصدير أربيل للنفط بشكل مستقل، وأمرت تركيا بدفع غرامة بقيمة 1.3 مليار دولار أمريكي كدفعة أولى. لكن تركيا رفضت دفع الغرامة وطالبت حكومة إقليم كردستان بتحملها، وأغلقت خط الأنابيب، مما أدى إلى خسارة حكومة إقليم كردستان والعراق تصدير 400 ألف برميل من النفط يوميًا.
ومع سعي البلدين لتحسين اقتصادهما من خلال احياء مشروع طريق التنمية، وهو مشروع عراقي لربط سككي وبرّي بين تركيا وأوروبا شمالاً ودول الخليج العربية جنوباً، لنقل البضائع بينها وبين أوروبا عبر العراق، بدأت العلاقة بين البلدين بالتحول. فعلى مرّ السنتين الماضيتين، قام الطرفان بزيارات متبادلة على مستوى وزراء الخارجية لإيجاد حلّ للقضايا الخلافية، وآخرها زيارة الرئيس التركي لبغداد، التي نتج عنها توقيع اتفاقية أمنية بين تركيا والعراق، شبيهة بالاتفاق الأمني الموقّع بين العراق وإيران في مارس 2023.
وفي مارس 2024، قام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان برفقة رئيس هيئة الأركان التركي متين غوراك ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن بزيارة إلى بغداد، تمهيداً لزيارة الرئيس التركي، وطلبوا من الحكومة العراقية تصنيف حزب العمال الكردستاني “منظمة إرهابية” كشرط تركي لبدء صفحة جديدة لحلّ الصراع الأمني بين الطرفين. وأعلن العراق في مارس 2024 تصنيف “العمال الكردستاني” تنظيمًا إرهابيًا ومحظورًا من ممارسة أنشطته على أراضيه.
كما تسعى تركيا لتنفيذ ثالث عملية عسكرية “المخلب – القفل” للجيش التركي في شمال العراق ضد عناصر حزب العمال الكردستاني، والتي من المقرر أن تبدأ هذا الصيف، بمشاركة القوات الجوية والبرية، بموافقة من بغداد. كما تخطط الحكومة العراقية لإصلاح وإعادة فتح خط الأنابيب في إقليم كردستان الذي يعد مصدرًا رئيسيًا للإيرادات للمنطقة، والذي سيسمح لها بتصدير 350 ألف برميل يوميا إلى تركيا مع تعثر المحادثات بين بغداد وإقليم كردستان.
وخلال زيارة اردوغان لبغداد في أبريل 2024، تم توقيع نحو 26 اتفاقية بين أنقرة وبغداد في مجالات مُتعددة أمنية وسياسية وتنموية، كالتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، ومشروع طريق التنمية، وقضايا متعلقة بالمياه بخاصة السدود التركية على نهر الفرات وبتصدير النفط. لقد نجحت تركيا في إقناع العراق بمعادلة “الأمن مقابل المياه والتنمية”، واتفقت على دخول العراق شريكاً كاملاً معها في عملية “المخلب – القفل” التي تهدف تركيا من خلالها لتعزيز الأمن والسيطرة على الحدود ومكافحة ما تعتبرها “تهديدات أمنية مشتركة”، إضافة لتأمين بناء “ممر أمني” عبر حدودها مع العراق وسوريا.
في المقابل، وبموجب هذا الاتفاق، سيحصل العراق على الأولوية في حصته من المياه من نهري دجلة والفرات. كما ستساعد تركيا العراق في إدخال تقنيات الري الحديثة وتحسين استخدام المياه في الزراعة. ولكن هذه الاتفاقيات قد لا تحقق النتائج المرجوة لبغداد، لأنّها لم تنه الخلاف حول “محلية” أم “دولية” نهري دجلة والفرات، ولم تقم بتحديد كميات المياه التي سيتم إطلاقها إلى العراق.
والخطوة التالية في الاتفاق ستشمل إنشاء “منطقة عازلة” تمتد على نحو 30-40 كيلومتراً داخل الأراضي العراقية، وتحويل المناطق التي تستخدمها القوات العسكرية التركية في إقليم كردستان إلى “حزام أمني” يشمل جميع المناطق التي تنشط فيها مجموعات حزب العمال الكردستاني، بما في ذلك منطقة جبل قنديل.
على الرغم من أن ظاهر الاتفاق الأولي يكمن في توجه تركيا نحو إعادة تنظيم العلاقات مع العراق بسبب تحول بنية حزب العمال الكردستاني في العراق وارتفاع حدة التصعيد العسكري مع تركيا، بالإضافة إلى مشروع طريق التنمية، إلا أنّ السبب الرئيسي يكمن في طموحات تركيا وأردوغان التوسعية في المنطقة والجوار، وما زال إرث الدولة العثمانية حاضرا في أجندة أردوغان.
إن نظرة تركيا الاستعلائية للعراق، وعدم نسيانها لمعاهدتي سيفر ولوزان في العشرينات من القرن الماضي، تمثلان تحدياً لمصالحها الاستراتيجية والأمنية. من جانبها، تتبنى السياسة الخارجية التركية خطابًا يعتبر استعراضاً للقوة والتفوق، ويلمّح إلى انتهاء صلاحية معاهدة لوزان بعد مرور مئة عام على توقيعها. ويعكس هذا الخطاب توجهًا نحو تأكيد الهوية القومية التركية وإعادة تقييم العلاقات الإقليمية بما يخدم مصالحها.
إنّ تصريحات أردوغان التي أشار فيها إلى أن مدينتي الموصل وكركوك “كانتا تابعتين لتركيا” تثير الكثير من الجدل وتحمل العديد من الرسائل السياسية والتاريخية. ويشير تقرير أعدته وكالة الأناضول الرسمية باللغة التركية، إلى أن الأرشيف الرسمي في تركيا يضم أكثر من 77 ألف و63 وثيقة تسجيل أملاك أصلية “طابو” تعود لفترة الحكم العثماني في مدينتي الموصل وكركوك العراقيتين. وقد لفت الرئيس أردوغان في خطاب سابق بشكل مباشر إلى أن مدينتي الموصل وكركوك “كانتا تابعتين لتركيا”، حيث قال: “يجب فهم أن كركوك كانت لنا، وأن الموصل كانت لنا.. لماذا هذا الكلام لا يعجبهم؟ أنا فقط قدمت درساً في التاريخ، يجب فهم هذا”.[1]
وكان آخر هذه التصريحات وصف الرئيس التركي العاصمة العراقية بغداد بـ”إحدى مدن حضارتنا العريقة”، في تغريدة عبر حسابه على موقع “إكس” أثناء زيارته الأخيرة لبغداد. وتعكس هذه التصريحات الرؤى والتصوّرات التاريخية والسياسية التي تسعى لها تركيا لإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية.
تسعى أنقرة إلى القضاء على مجموعات حزب العمال الكردستاني وتسعى أيضًا إلى إنهاء تواجد هذه العناصر في شمال العراق، ولكنها تفضل ألا يتم ذلك في إطار إبعادها فقط عن الحدود التركية العراقية وإبقاء الملف بيد دول مثل إيران وغيرها كورقة أمنية وسياسية تستخدم ضدها عند اللزوم.
إن الاتفاق الأمني الذي تم توقيعه بين تركيا والعراق يمكن أن يحقق أهدافاً تركية على حساب العراق، تتمثل في زيادة الصادرات التركية البلد الأكبر تصنيعاً في المنطقة، إلى جانب الضغط على العراق للتحكم بتمدد حزب العمال الكردستاني.
ولكن هذا الاتفاق الأمني لن يقوم بحلّ الأزمات وانهاء الخلافات بين الطرفين. حيث تستخدم أنقرة بطاقة النفط في محادثاتها مع حكومة بغداد كوسيلة للضغط عليها لحلّ أزمة حزب العمال الكردستاني، مما يقلل من استقلالية أربيل عن حكومة بغداد. وتعتبر قضية المياه أيضًا أداة ضغط تستخدمها أنقرة للتأثير في ملف حزب العمال الكردستاني، كما يُعتبر الماء في الداخل التركي قضية أمن قومي، وتعتبر الحكومة العراقية الموقف المتساهل من هذه القضية عائقًا في حل الأزمة. وبالمقابل، تسعى حكومة بغداد إلى التمسك بورقة حزب العمال الكردستاني كوسيلة للضغط على تركيا وأمنها.
من الصعب أن يقوم هذا الاتفاق بحلّ جميع القضايا الخلافية بين البلدين، بسبب انعدام الثقة حيث لا يمكن لأي منهما التخلي عن أي من أوراق الضغط على الطرف الآخر عند الحاجة. فإذا قامت بغداد بالتماهي مع أنقرة للحدّ من توسع حزب العمال الكردستاني، ولم تحصل على حصتها من الموارد المائية، فستكون بنود هذا الاتفاق ذات منفعة “غير متبادلة” بين أنقرة وبغداد، مما يجعل من الصعب التكهن بمصير هذه العلاقة المعقّدة بينهما.
[1] arabicrt.com, 23.10.2016.
