جمهورية آرتساخ إلى زوال والناتو يطمح إلى الفصل الجغرافي بين موسكو وطهران

بقلم الزميل غير المقيم كريستيان أبي خليل
صحافي مهتم بالشؤون الجيوسياسية كاتب ومحرر موقع “vdlnews”، وخريج كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية.

“نقترب من ذلك أكثر من أي وقت مضى، لدينا الآن فهم مشترك للكيفية التي يجب أن يبدو عليها اتفاق السلام، علينا فقط التعامل مع التفاصيل… يحتاج الطرفان إلى وقت، لدينا الرغبة السياسية في القيام بذلك”.
بهذه العبارات علّق رئيس أذربيجان إلهام علييف على اتفاق السلام المحتمل بين باكو ويريفان، بحيث تم الاتفاق بين الطرفين على البدء بترسيم الحدود المشتركة بينهما، في خطوة تكتنفها أهمية جوهرية على مستوى تاريخ البلدين المحفوف بالنزاعات الدامية بينهما في منطقة القوقاز. وقد وافق رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، على طلب باكو استعادة أربع بلدات حدودية استولت عليها يريفان إبان الحرب التي دارت بين الدولتين في تسعينيات القرن الماضي، الأمر الذي أثار غضب مئات السكان الأرمن في المنطقة المحاذية لأذربيجان خشية وقوعهم في العزلة وتخوفهم من أن تصبح بعض أملاكهم تحت سيادة السلطات الأذرية.
وعند النظر بتمعن إلى انسحاب قوات حفظ السلام الروسية من المناطق المتنازع عليها، فهذه الخطوة جعلت موعد المحادثات العميقة والجدية أقرب من أي وقت مضى بين أرمينيا وأذربيجان في إطار إيجاد حل نهائي للصراع بينهما. فحين نشرت روسيا قواتها العسكرية في جيب ناغورني كاراباخ وقتذاك، كانت موكلة إليها مهمة الحفاظ على وقف إطلاق النار بين الطرفين وصَونه لتجنب نزاع جديد في القوقاز، إلا أن الوضع تغير في أيلول الماضي مع سيطرة باكو على هذه المنطقة بهجوم مباغت وبغضون ساعات، حيث استعاد الجيش الأذري الإقليم ذا التضاريس والمناخ الجبلي منهيًا بذلك جمهورية آرتساخ المعلنة من جانب واحد وكان يشكل الأرمن غالبية سكانها.
وقود الصراع: ممر زنغزور
“زنغزور” منطقة أذرية، سكنها مسلمون من أصول تركية، قبيل ضمها إلى أرمينيا في عشرينيات القرن الماضي في الحقبة السوفياتية، وأصبحت المنطقة إحدى مقاطعات أرمينيا، وأطلق عليها اسم “سيونيك”.
فنتج عن الاقتطاع هذا، سلخ إقليم “نخجوان” الأذري الذي يتمتع بالحكم الذاتي عن الأراضي الأذرية الأم، وأثناء حكم الاتحاد السوفياتي، ربطت موسكو نخجوان بالأراضي الأذرية الرئيسية، عبر بناء خطين للسكك الحديدية، يمران من زنغزور الأرمينية.
وبذلك افتقرت أذربيجان اتصالها البري المباشر مع نخجوان، ولم تتمكن من الوصول إلى الإقليم برًا أو جوًا سوى عبر إيران وجورجيا، ما أدى بها أيضًا إلى فقدان الاتصال المباشر مع تركيا، التي لا تمتلك حدودًا مع أذربيجان إلا في الجزء الشمالي الغربي من نخجوان.
وترى باكو، أن افتتاح ممر زنغزور يعني إعادة بناء السكك الحديدية التي تعود إلى الحقبة السوفياتية، وبناء طرق سريعة للاتصال بنخجوان، ومن أهم مقاصد الممر بحسب باكو، منحها إمكانية الوصول غير المقيّد إلى نخجوان من دون أي نقاط تفتيش أثناء المرور عبر أراضٍ خاضعة للسيادة الأرمينية.
ويعد الممر جزءًا لا يتجزأ من طريق نقل إستراتيجي يمتد من العاصمة الأذرية باكو إلى محافظة قارص شرقي تركيا، بحيث يمكّن الممر أنقرة من الوصول مباشرة إلى أذربيجان، مرورًا بالأراضي الأرمينية، الأمر الذي يستدعي حتمًا اتفاقية شاملة بين أرمينيا وأذربيجان.
وفي حين ترفض أرمينيا فتح “ممر” فإنها تقترح إنشاء ثلاث محطات عبور حدودية للسماح بعبور المركبات الأذرية من أذربيجان إلى إقليم نخجوان على الجهة الأخرى من الممر، وذلك وفق مشروع قرار نشره جهاز الأمن القومي الأرميني في آب 2022. وحددت يريفان المحطات عند المواقع الآتية: “سوتك” الواقعة على حدود منطقة “كَلْبَجَر” الأذرية في الشمال، وفي “قرة هونغ” الأرمينية الواقعة على حدود “قُبادلي” الأذرية في الجنوب، وكذلك في “يراسك” الواقعة على حدود نخجوان نفسها.
وفي الوقت الذي اتفق فيه الطرفان على إعادة بناء خط سكة الحديد، تباينت الآراء حول الوضع القانوني للطريق، حيث تكمن المشكلة في استخدام مصطلح “ممر” الذي يشير إلى مستوى من السيادة الأذرية على الطريق، الأمر الذي ترفضه أرمينيا. والجدير بالذكر أنه وفقًا لاتفاق 2020، يجب أن ينتشر حرس الحدود الروسي على خطوط النقل الجديدة.
تطبيع تركي أرميني لجعل القوقاز أكثر أمانًا
إن الممر يتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة لأنقرة، كون من شأنه تأمين طريق مباشر من البلاد عبر أرمينيا إلى أذربيجان، مما سيمكن البلدين من زيادة التجارة الثنائية والتعاون بينهما، عدا عن أن الممر الممتد بين أوروبا وآسيا الوسطى من المتوقع أن يعود بالفائدة ليس على الدول الشريكة في المشروع وحسب، بل على الدول التي قد تشكل نقطة عبور.
جلّ ما يمكن قوله، إنه لم يكن من باب الصدفة أن يزور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إقليم نخجوان بعد ما وصفه علييف بـ “الانتصار” لأذربيجان في كاراباخ، حيث سيكون ربط الإقليم بباكو هو الهدف التالي الذي ترسمه أنقرة للمنطقة ضمن استراتيجيتها لتوطيد نفوذها في منطقة القوقاز، وربط دول “منظمة الدول التركية” عبر خط واحد. فالطموح التركي من جهة والمطلب الأذري من جهة أخرى اصطدم حتى اللحظة بمعارضة أرمينية-إيرانية، على الرغم من اختلاف الأسباب ودرجة معارضة كل منهما للمشروع.
وما لا ريب فيه أن التدخل التركي المباشر في الصراع، جعل فرضية التطبيع بين تركيا وأرمينيا موضع مناقشة فعلية، على وقع استثمار أنقرة دعمها العسكري لباكو في الحرب الثانية للضغط على يريفان، بقصد الانفتاح على التطبيع معها. فتركيا اليوم تستخدم تأثيرها على باكو وعلاقتها مع روسيا لطرح نفسها داعمة لإنهاء العداء بين أذربيجان وأرمينيا وجعل جنوب القوقاز منطقة أكثر أمانًا واستقرارًا. فالتطبيع التركي الأرميني، لا يتيح لأنقرة تقوية موقفها الجيوسياسي وتعزيز موطئ قدمها في جنوب القوقاز وحسب، بل يساعدها أيضاً في دفع أرمينيا باتجاه تقليص اعتمادها على روسيا التي تتعاطى بصرامة مع أرمينيا مؤخرًا، كنوع من عقاب لباشينيان الذي يسير في التيار المعادي لموسكو منذ العام 2018 وغالبًا ما يميل نحو الغرب والأوروبيين.
أرق تحاول طهران تفاديه
سلب صراع كاراباخ من إيران الدور الرئيسي في الأحداث المستجدة في منطقة القوقاز. وإلى جانب مخاطر التهميش الجيوسياسي، يزيد هذا التحوّل في قواعد التعاطي بين أرمينيا وأذربيجان وتركيا من إضعاف قدرة إيران على مقاومة النفوذ التركي في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، خصوصاً أن أعيُن إيران شاخصة غرباً باتجاه الشرق الأوسط المشتعل حاليًا والجزيرة العربية.
والشراكة المتنامية بين تركيا وروسيا في جنوب القوقاز التي لا تجلب لطهران سوى مزيد من التقليص لدورها الجيوسياسي في المنطقة، تشكل تحديًا آخر. مع ذلك، لا يزال إشراك إيران في أي معادلة جديدة أمرًا حتميًا وضروريًا لإنجاح أي مسعى قادم إن كان على مستوى اتفاقية سلام بين أذربيجان وأرمينيا أو على مستوى تنفيذ مشروع ممر “زنغزور”، على الرغم من معارضة طهران للممرّ.
كما أن إيران تتمسك بمعارضتها لإنشاء ممر بين نخجوان وأذربيجان عبر الأراضي الأرمينية، بيد أنها تقترح بدلا منه إنشاء ممر مماثل، ولكن على الجانب الإيراني من الحدود، وذلك لتفادي أي معارضة داخلية من الإيرانيين من أصول أذرية والبالغ عددهم حوالي 15 مليون نسمة.
ولفتت صحفية تركية رافقت أردوغان في زيارته إقليم نخجوان عبر الجزيرة.نت، إلى أنه أشار في طريق عودته من الإقليم إلى إمكانية النظر في المقترح الإيراني، ونقلت عنه قوله “إذا لم تمهد أرمينيا الطريق للممر فأين سيمر؟ سوف يمر عبر إيران”.
وقالت الصحفية إنه “يمكن لأنقرة الآن، في هذا الموقف، أن تلعب “لعبة مزدوجة”، حيث تعرض إنشاء ممر على كل من إيران وأرمينيا، ومن يوافق أولاً على التعاون سيكون المستفيد الأكبر”. واعتبرت أنه “إذا رفضت طهران العرض وقبلته أرمينيا، فإن إيران ستفقد موقعها بوصفها دولة عبور”.
أي بمعنى آخر، لا تجلب المماطلة ليريفان سوى انتكاسة أخرى لها، سيما أنها تعاني من العزلة بفعل إغلاق حدودها مع تركيا، كونها دولة غير ساحلية ولا تقيم علاقات مع جارتها أذربيجان شرقًا.
يمكن قراءة الموقف الإيراني على أنه مسعى من طهران للمحافظة على ما تبقى لها من نفوذ محدود في جنوب القوقاز مع تعاظم الدور التركي المصحوب بغض نظر روسي جزئي، فضلاً عن عدم رغبتها بفصل حدودها مع أرمينيا بفعل مرور خط زنغزور.
لذا يمكن القول إن التقاء مصالح تركيا وروسيا الراغبة في معاقبة يريفان من جهة وإيران التي تحاول تجنّب الأرق الذي قد يحدثه ممر زنغزور لها، سيؤدي في نهاية المطاف إلى ولادة “قوقاز جديد” مستقرّ، قوامه التطبيع بين تركيا وأرمينيا التي تعاني الخيارات المحدودة وإلا سوف تواجه خطر العزلة، ولن تقوم روسيا ولا إيران برمي طوق نجاة هذه المرّة لمساعدتها.
طموح الناتو بفصل إيران عن روسيا
أطلِق على مشروع ممر زنغزور “ممر حلف شمال الأطلسي”، إذ إن الحلف الذي يضم تركيا في ربوعه، لا يعارض أبدًا على المضي قدمًا بإنشاء هذا الممر حيث يسعى إلى الوصول إلى روسيا عبر بحر قزوين.
وعند النظر بكثب إلى رؤية حلف شمال الأطلسي، فالممر يمكنه ضرب اتصال طهران الجغرافي بموسكو عبر الأراضي الأرمينية، فضلًا عن أن الوصول برًا إلى مياه بحر قزوين يتربع على سلم أولويات الحلف، وذلك من خلال ممر زنغزور الذي من المحتمل تنفيذه على حساب إيران، وقطع اتصالها بأرمينيا التي تعتبر بوابة إيران نحو أوروبا الشرقية، بحال لم يتم النظر بالمقترح الإيراني الذي يرسم طريقًا رديفة تجنب طهران وروسيا خطر الانفصال الجغرافي التام.
أما بالنسبة لروسيا، فيتيح فتح الممر أمامها السيطرة على أحد الممرات الرئيسية في جنوب القوقاز، كونها المسؤول المباشر عن إرساء الأمن وضبط عمليات المرور عبره وتأمين سلاسة سير عمله عن طريق جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وذلك بالاستناد إلى اتفاق عام 2020، الأمر الذي يرسخ أكثر النفوذ الروسي في المنطقة.
وبإمكان المشروع، خلق فرصٍ جديدة لروسيا، سيما بعد قطع جميع الخطوط الجوية والبرية والبحرية بينها وبين القارة العجوز، بسبب الحرب في أوكرانيا، ما أثر على الاقتصاد الروسي واستدعى البحث عن بدائل كالصين وإيران ودول أفريقيا و”لاتينية” (جنوب أميركية).
ونتيجة لذلك، ذهبت روسيا نحو الاعتماد على إيران لنقل البضائع، وخصوصًا المعدّات العسكرية، إلى أرمينيا. ومن خلال الممر، من المتوقع أن تؤمّن موسكو اتصالًا مباشرًا بأرمينيا عبر أذربيجان وبشكل دائم ما يسمح بدوره لروسيا بإقامة علاقات اقتصادية أكثر متانة واستدامة مع حليفتها الرئيسية في جنوب القوقاز.
إذا ما قُرئَت المعطيات الواردة أعلاه بتأنٍ، تخرج العديد من الأسئلة والشكوك المشروعة إلى العيان من ناحية مقاربة روسيا وتركيا لهذا الملف.
فعلى المستوى التركي، أضحت دوافع ممر زنغزور واضحة، غير أنه لا بدّ من السؤال عما إذا كانت أنقرة تنوي فعلًا تحقيق حُلم الناتو بالوصول إلى الحدود الروسية عبر بحر قزوين أو أنها ستتخذ موقفًا يحول دون تفادي استثمار الممر في إشعال النزاع الغربي – الروسي في المنطقة.
أما على المستوى الروسي، تبقى الأيام المقبلة كفيلة للإيضاح ما إذا كانت تعرّض روسيا نفسها للخطر عبر السماح بإنشاء الممر الذي يعود عليها بفوائد ذكرناها آنفًا، إلا أن ذلك بمثابة اختبار جديد لدبلوماسية موسكو ومدى قدرتها على المضي في تحقيق مصالحها واحتواء الدول الأخرى.
المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط وليس عن رأي المركز
