السنغال.. ديمقراطية غرب أفريقيا الاستثنائية

شهد السنغال تحولاً سياسياً بعد انتخابات رئاسية أجريت في ظروف استثنائية، كادت ان تشكل نقطة سوداء في بلد أطلق عليه “مهد الديمقراطية”، نتيجة تجربة سياسية نادرة حظي بها في تاريخه السياسي.
وعلى الرغم من المخاض العسير للعملية الانتخابية التي أفرزت فوزاً كاسحاً لمرشح مشروع “باستيف” باسيرو ديوماي فاي، إلا أن النتيجة كانت انعكاساً طبيعياً لموقف الشعب، ومتوقعة أيضاً لمن كان يراقب عن كثب تطورات المشهد السياسي في السنغال.
الانتخابات.. اختبار للمرونة الديمقراطية
في الأول من فبراير/شباط بدأت رسمياً الحملات الانتخابية، والتي كان من المتوقع ان تنتهي في يوم الاقتراع المحدد له يوم 25 فبراير/ شباط. ورغم أن أحزاباً كبيرة إعترضت على استبعاد مرشحيها من المنافسة، بما في ذلك الحزب الديمقراطي المعارض “باستيف”، إلا أنها اتبعت الطرق القانونية، ورفعت شكواها للمحاكم المختصة التي حددها الدستور السنغالي.
ولكن في الثالث من فبراير/شباط شهدت البلاد تحوّلاً بارزاً، عندما ألقى الرئيس السنغالي المنتهية ولايته ماكي سال خطاباً للأمة السنغالية، أعلن فيه أنه قرر تأجيل الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في 25 فبراير/شباط إلى أجل لاحق، وأعلن أنه سيرفع قراره إلى البرلمان للنظر فيه، ومن ثم سيدعو إلى حوار وطني شامل حول “مستقبل التجربة الديمقراطية العريقة” في السنغال. واختتم سال خطابه مؤكداً ما سبق أن أعلنه والتزم به بأنه شخصياً لن يترشح في الانتخابات القادمة عملاً بأحكام الدستور.
وأثار هذا الامر ردة فعل عنيفة على مستوى الشارع والأحزاب المعارضة، وبالذات من رئيس حزب “باستيف” المعارض عثمان سونكو الذي دعا إلى النزول للشارع للوقوف أمام طموحات سال. وفعلاً شهد السنغال تظاهرات وأعمال عنف شملت العاصمة دكار، راح ضحيتها عدد من القتلى والجرحى، وعليه كان لا بد من تعاون المشيخة الصوفية وهيئات العلماء التي تشكّل المرجعية الدينية للشعب مع السلطة السياسية في البلاد أن تتدخل لإنهاء هذه الحالة من الفوضى. (انظر دراستنا: العقد الاجتماعي بين الدولة العلمانية والطرق الصوفية.. السنغال نموذجاً”).
ولم تشهد السنغال، منذ حصولها على الاستقلال عام 1962، مثل هذه الدراما الانتخابية، ومع ذلك فقد تمت مواجهة حالة عدم الاستقرار التي نتجت عن مناورات الرئيس المنتهية ولايته، ماكي سال، من قبل الجسم القضائي إذ ألغى المجلس الدستوري قرار الرئيس بتأجيل الانتخابات، ونظراً لمماطلات السلطة الحاكمة تم تحديد موعد ملزم للتصويت في الانتخابات وتأكدت قوة المؤسسات الدستورية في السنغال.
وبالفعل أجريت الانتخابات الرئاسية في 24 اذار/مارس وصدرت النتائج بفوز ساحق لمرشح حزب “باستيف” المعارض من الدورة الأولى باسيرو ديوماي فاي، وهزيمة سال الذي تولى السلطة في السنغال لمدة 12 عاماً.
السياق والتسلسل
إن إجراء الانتخابات بشكل سلمي وقبول النتائج من قبل المرشح الخاسر يدل على التزام السنغال بالمبادئ الديمقراطية، وهذا ما يؤكد مقولة أنّ السنغال هي “الديمقراطية الاستثنائية” في تقاليد غرب افريقيا، ولعل ذلك يتناقض تماماً مع تاريخ عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية التي ابتليت بها بلدان أخرى كثيرة في القارة الافريقية.
فعلى غرار العديد من الدول الافريقية، التي استقلت، وشرعت فوراً في البحث عن مقومات بناء دولة حديثة لائقة بشعوبها، انطلقت مسيرة بناء الدولة السنغالية عقب الاستقلال مباشرة. وبالفعل، كانت ظروف المرحلة قاسية، ومطلب بناء الدولة عاجلاً، والنخب غير مستعدة علمياً وتكوينياً بما فيه الكفاية. لكن على الأقل نجحت النخبة السنغالية، رغم الخبرة الزهيدة عندها آنذاك، في إرساء الحد الأدنى لدعائم دولة حديثة مع ما شابها من بعض الخلل، لأسباب داخلية وخارجية.
وقد تميزت دولة السنغال خلال مرحلة بناء أو التشكُّل، بإجماع نخبتها السياسية على قواسم مشتركة، يرجع إليه الفضل الكبير في قدرة الدولة على الصمود، دون تلاشي مؤسساتها ومكتسباتها الديمقراطية منذ الاستقلال.
وفي وقت وجدت بعض النخب الافريقية نفسها عاجزة عن الاستجابة مع تحديات هذه المرحلة الخطيرة، وانفجرت بسبب ذلك أزمات متعددة، ومع فشل عموم الدول الافريقية في بناء هوية وطنية حاضنة، تزيل الفروقات الدينية والعرقية والاثنية، نجد أن النخبة السياسية في السنغال جنبت نفسها الوقوع في هذه المفارقة، ووجدت لنفسها معادلة خاصة، مكّنتها من تجاوز معضلة الانقسام الاجتماعي. فاستطاعت بناء هوية وطنية مشتركة، جعلت افراد الشعب يدركون بشكل كلي مفهوم الوطن، ومقتضى العيش المشترك، واولوية المصلحة العليا، وحدود العملية السياسية، وإن اختلفت الافراد والجماعات احياناً في بعض التفاصيل. ولعل هذا هو السر في قدرة الدولة على تخطي الازمات السياسية التي عرفتها في تاريخها كأزمة سنغور، ووممدو جاه 1962 مروراً بأزمة محاولة توريث الحكم في عهد الرئيس الأسبق عبد الله واد 2012 وصولاً إلى ازمة الانتخابات الأخيرة في شباط/فبراير الماضي.
أجندة فاي
في أعقاب الانتصار الانتخابي الذي حققه فاي، تقف السنغال عند منعطف محوري، حيث تستعد لتغيير وتحوّل تحت قيادته. فمن الأمور الأساسية في اجندته، استعادة هيبة الدولة ومكانة المؤسسات الديمقراطية فإن أساس مشروع فاي السياسي هو “إعادة تأهيل مؤسسات الجمهورية واستعادة مبدأ سيادة القانون الذي لم يتم احترامه في عهد ماكي سال”، ومن المعروف ان الديمقراطية بالنسبة للسنغاليين ليست شعاراً أو حتى مجرد الالتزام بحكم القانون، بل إنها طريقة للحياة، إذ تؤمن جميع طبقات المجتمع بهذه الثقافة الديمقراطية. كذلك تعهد الرئيس المنتخب بالحد من تغول السلطة التنفيذية عن طريق الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية، كما أنه يخطط لإعادة التفاوض بشأن المعاهدات الدولية، وربما إدخال عملة جديدة بدلاً من الفرنك الافريقي الذي يكرس الهيمنة الفرنسية، مما يعني تقليص النفوذ الفرنسي في المنطقة.
تحديات منتظرة
على الرغم من أن مشروع “باستيف” قد قدم تضحيات محكمة، تناغمت مع الحس الشعبي فلاقى قبولاً من فئات جديدة من السنغاليين، إلا أن تحقيق تطلعات وطموح الشعب يبقى طريقاً طويلاً دونه الكثير من العوائق.
لقد وضع “باستيف” حداً نهائياً لنظام حكم تداول السلطة لمدة عقود، وأعلن الحرب على الفساد، وتحدى القوى العظمى التي استفادت من الوضع الذي كان سائداً فأحكمت هيمنتها على الشعب السنغالي. وعليه فإن تحقيق التغيير المطلوب، يحتم على الرئيس المنتخب مواجهة تحديات البقاء في السلطة، وتحييد الدولة العميقة، وخلق علاقة متزنة مع الدول الأخرى.
ختاماً، يمثل ظهور باسيرو ديوماي فاي رئيساً للسنغال، دون خبرة سابقة في القيادة، فصلاً جديداً في تاريخ السنغال السياسي، وبتوليه منصب الرئاسة يواجه عدة تحديات مع تركيز الامة السنغالية والمجتمع الدولي أعينهم على كيفية تعامله مع تعقيدات الحكم، بدءًا من التنشيط الاقتصادي وحتى الإصلاح المؤسسي.
ومن الواضح ان نجاحه لن يقاس بمدى قدرته على الوفاء بوعوده الانتخابية فحسب، بل أيضاً بقدرته على توحيد أمة متنوعة في ظل رؤية مشتركة للمستقبل.
واخيراً، تحمل رئاسة فاي آثاراً أوسع نطاقاً على مسار الديمقراطية في غرب افريقيا، بإعتبارها منطقة تتصارع مع عدم الاستقرار السياسي المتكرر والتراجع الديمقراطي، ويشكل التزام السنغال بالتحول السلمي للسلطة والحكم التعددي مثالاً قوياً لجيرانه في المنطقة، ويلهم الدول الأخرى لدعم القيم الديمقراطية وتعزيز الحكم الرشيد فيها.
