أميركا وإيران.. صديقٌ لدود أم عدوٌ حميم؟

بقلم الزميل المقيم فرهاد باقر
محامٍ وحقوقي، باحث مقيم في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، ومسؤول دائرة الأمريكيتين

قبل الثورة الإسلامية في إيران كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية تتسم بالكثير من الود والتحالف وخاصة أثناء حقبة حكم الشاه محمد رضا بهلوي 1941 – 1979 م حيث كانت متسمة بدبلوماسية سلسة و مرنة وحماية خاصة للحفاظ على التوازنات السياسية و الاستقرار الإقليمي في منطقة مثقلة بتوترات إقليمية جمة (أثنية – عرقية – أمنية – اقتصادية) وخاصة في مواجهة الخليج العربي إلا أن هذه العلاقة الحميمة دخلت نفقاً ضبابياً واتخذت طابعاً عدائياً بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وفرار الشاه رضا بهلوي إلى خارج إيران حيث انقطعت العلاقات الدبلوماسية وتغير السلوك والإدراك الاستراتيجي للولايات المتحدة تجاه إيران وأصبحت تشكل تحدياً للسياسة الأمريكية في المنطقة حتى بات الشعار الأول لنظام الملالي برئاسة آية الله الخميني وخلفائه هو “الموت لأمريكا” وبالتالي تأثرت العلاقات بالأزمات المستمرة والتوترات وتباينت بين فترات التقارب الحذر وأحيانا التصعيد نظراً للأهمية الجيوسياسية لموقع إيران كسياج متين فاصل بين وسط وجنوب آسيا والشرق الأوسط وكشرطي يقظ للمصالح الغربية في مواجهة الروس و لكونها متربعة على مكامن هائلة من الثروات الباطنية وخاصة النفط حيث كانت تزود الشركات النفطية الامريكية بسخاء وكانت متحكمة بأهم بوابة للملاحة البحرية (مضيق هرمز) في اطلالتها الجنوبية الغربية وحوض بحر قزوين من الجهة الشمالية الشرقية ناهيك عن انها كانت أيضا فزاعة وعصا غليظة بيد الولايات المتحدة الامريكية في مواجهة العمق العربي وخاصة الخليج العربي حين الطلب لوجود خلافات مذهبية تاريخية وكمنافس قوي لأسعار خام النفط والغاز في الأسواق العالمية ليس هذا فحسب بل تمادت السياسة الإيرانية لتتخطى الحدود بعيدا من خلال البوابة المذهبية لتمتد من قم الى بيروت عبر العراق وتبني الحوثيين في اليمن لتتحكم من خلالهم بثاني أهم ممر بحري (باب المندب) في المنطقة وفي هذا الغضون لم تتوقف المساعي الإيرانية الحثيثة لامتلاك ترسانة عسكرية صاروخية وتطوير مفاعلها النووي سعياً لامتلاك سلاح نووي بالرغم من المعارضة الغربية و عقوباتها القاسية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هل كل هذا يحصل بمنأى عن أنظار الغرب و خاصة الولايات المتحدة الأمريكية؟! وبالأخص بعدما شهدت المنطقة خلال العقود القليلة المنصرمة وإلى يومنا هذا ابتداءً من الحرب الإيرانية العراقية وليس انتهاءً بالهجوم الجوي بمسيرات وصواريخ على إسرائيل رداً على استهداف قنصليتها في دمشق وما أعقبها من رد إسرائيلي على مواقع عسكرية في أصفهان وبهذا الخصوص وبقراءة متأنية لمقالة للدكتور محمد وليد يوسف (سلسلة عودة الأسدين.. الاستطالة الإيرانية الثالثة على الشرق الأوسط) نستشف ما يلي.
يذهب الدكتور يوسف الى أنه عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003 وخلعت نظام صدام حسين وقام الحاكم المدني بول بريمر بحل الجيش العراقي وحظر حزب البعث وحل الأجهزة الأمنية وإعادة انشاء مؤسسات الدولة العراقية وأعرضت البلدان العربية السنية عن التدخل في الشأن العراقي ونأت بنفسها وتركت الولايات المتحدة وايران تعيدان تأسيس السلطات وهياكل الدولة فيها فتغلغلت ايران منذ إقامة نواة هذه المؤسسات فيها وحشدت أنصارها وحلفاءها القدامى منذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانيات القرن المنصرم حتى غلبت ايران عليها، أي أن العمل كان شبه تشاركي أو على الأقل كان مع غض النظر الأمريكي عن التجذر والتمترس الإيراني في العراق.
هذا و قد استمرت هذه السياسة الأمريكية في التغاضي عن امتداد النفوذ الإيراني وتجذره في المنطقة وذلك بتمويل وتسليح الفصائل الموالية لها في المدن والبلدات العراقية والسورية والى تخوم الحدود الإسرائيلية في لبنان و كذلك الى السواحل اليمنية عبر تبني و مساندة الحوثيين في المدن اليمنية الى ان ظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في يونيو 2014 حيث تحول هذا التنظيم الى حاضنة دافئة للتيار الراديكالي السني المتشدد واستقطب معظم انصار القاعدة والاخوان المسلمين والتيار السلفي المتشدد وأعلن الحرب الضروس على الشيعة و كل من هو غير مسلم في المنطقة وسط غياب موقف صريح من الدول و الأنظمة السنية في المنطقة لا بل وكانت مواقفها مناصرة للتنظيم من خلف الكواليس بينما سخرت ايران كل امكانياتها العسكرية و المالية و البشرية لمحاربته الى ان انكسرت شوكته في أواخر 2019 حين أعلنت القوات الأمريكية بقيادة التحالف الدولي قضاءها على تنظيم الدولة الإسلامية في الباغوز السورية و بالتالي ظهور ايران بلبوس المنتصر في الصراعات القائمة في المنطقة بالرغم من عدم مشاركتها المباشرة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
ويتابع الدكتور يوسف في نفس السياق حيث يقول ان ايران جمعت بين يديها أدوات النهوض والصعود الى موقع قطب إقليمي وتسعى الى منزلة قطب فوق إقليمي وليس بين ايران وتلك المنزلة سوى عدة أمور تتلخص في صنع رأس نووي واجراء اختبار له تحت انظار العالم والتغلب على المشكلة التكنولوجية القائمة في تركيب رأس نووي على صاروخ باليستي وإعادة هيكلة سلاح الجو والدفاع الجوي وخاصة بعد اختباره في هجومها الجوي الأخير على إسرائيل بالصواريخ و المسيرات الى جانب بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية في الداخل وعدم الدخول في حرب معلنة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن هيهات تحقيق هذا الطموح الإيراني بوجود المارد الأمريكي من خلف المحيطات والذي يريد ايراناً بمقاساتها وتوازناتها الجيوسياسية في المنطقة فبمتابعة بسيطة للإدارات الأمريكية المتعاقبة وخاصة في العقدين الأخيرين نجدها تمارس سياسة العصا والجزرة فهي وبالرغم من وقوفها بالمرصاد أمام طموحات ايران في تأسيس امبراطورية فارسية و لجم رغباتها في امتلاك السلاح النووي وكبح جموحها في المنطقة إلا انها قطعاً لا ترغب في افناء ايران وشل قدراتها بحيث يستسهل القضاء عليها وبهذا الصدد يقول الدكتور محمد وليد يوسف مدير المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية بأن الولايات المتحدة تعلم جيداً أن في اضعاف أو تدمير ايران كسر وإفساد لتوازن تاريخي منذ أكثر من الف عام قائم بين تركيا وايران وكذلك كسر للتوازن بين السنة والشيعة لأنه اذا تم ذلك طغى السنة وانفردوا بالشرق الأوسط وشمال افريقيا ووسط أسيا وهو ما لا يحقق مصالح إسرائيل والهند والولايات المتحدة الامريكية وروسيا والصين وكذلك فإن ضعف ايران يفضي الى أن تطغى تركيا وتهيمن على الشرق الأوسط ووسط أسيا وجنوب قوقاز وهو ما يضر بالمصالح الامريكية والروسية والإسرائيلية.
وبالتالي فإن اضعاف ايران أو إفنائه لا يصب في مصلحة معظم الأقطاب العالمية العظمى وكذلك ايران قوية بترسانة عسكرية هائلة أيضا تهدد مصالحهم كما هو الحال اليوم في مضيقي الهرمز و باب المندب و كأن لسان حال الأمريكي يقول لإيران: تمدد الى حيث ما أضع لك الإشارة الحمراء ولا تنكفئ وتبتعد الى حيث ما يتمناه العالم العربي السني وتركيا.
المقال تُعبّر عن رأي الكاتب فقط وليس عن رأي المركز.
