الهند بين إسرائيل والفلسطينيين.. كيف توازن نيودلهي في علاقاتها الخارجية؟!

مع استمرار العملية الانتخابية البرلمانية لعام 2024 في الهند في ظلّ الاضطرابات الداخلية بين الهندوس والمسلمين، وعلى وقع الحرب القائمة في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس منذ أكثر من سبعة أشهر، تتجه الأنظار إلى ما ستفضي إليه نتيجة هذه الانتخابات وانعكاساتها على العلاقات الخارجية للهند التي تعمل منذ تأسيسها على التوازن بين الالتزام بمبادئ الحزب الحاكم من جهة ومصالح الدولة العليا من جهة أخرى.
في المرحلة الأولى ما بعد تأسيس الدولة الهندية التي كانت تحت سيطرة حزب المؤتمر الوطني بزعامة المهاتما غاندي، كانت الهند داعمة للفلسطينيين ورافضة للاعتراف بدولة إسرائيل إلا بعد عامين من تأسيسها وتحديداً عام 1950، كما رفضت إقامة قنصلية إسرائيلية في مومباي حتى عام 1953 مع رفضها إرسال ممثلين هنود إلى إسرائيل، بل كانوا يشيرون إليها باسم فلسطين لا إسرائيل، كما لم يرحب الهنود بمرور الرئيس الإسرائيلي زلمان شازار في مارس عام 1966 في دلهي. وكانت الهند الدولة غير العربية الأولى التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1974، وأنشأت مكتباً للسلطة الفلسطينية في العاصمة نيودلهي عام 1975، وأصبحت هناك علاقات دبلوماسية كاملة بين الهنود والفلسطينيين عام 1980، وكانت الهند من أوائل الدول التي اعترفت بفلسطين عند اعلان قيام الدولة الفلسطينية عام 1988.

إلا أنه في تسعينيات القرن الماضي، اكتسبت العلاقات الثنائية بين الهند وإسرائيل زخماً كبيراً بشكل تدريجي بعد أن لمست الهند حاجتها لإسرائيل سواء اقتصادياً عندما واجهت أزمة اقتصادية طاحنة عام 1991، أو دفاعياً عندما اكتشف الجيش الهندي في مايو 1999 تسلل قوات باكستانية كبيرة إلى خط السيطرة الذي يفصل بين الجزأين المتنازع عليهما في ولاية كشمير وطلبت المساندة من إسرائيل التي زودتها بالأسلحة وقدمت الدعم الجوي لقواتها البرية، وتطورت هذه العلاقات لتصبح الهند اليوم شريكاً اقتصادياً كبيراً لإسرائيل التي أصبحت سوقاً للعمال الهنود، وأكبر سوق لصادرات إسرائيل الدفاعية.

ومع سيطرة حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي على السلطة في الهند عام 2014، تعززت العلاقات الهندية الإسرائيلية من خلال اتفاقيات اقتصادية وعسكرية عالية المستوى وزيارات متبادلة بين رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كما قامت الحكومة الهندية بعد ساعات قليلة من انطلاق عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 بإدانة حركة حماس واصفة هجومها “بالإرهابي”، وكان البيان الهندي التضامني مع إسرائيل هو أوّل بيانات الإدانة حتى أنه سبق البيان الأمريكي، وأصبحت الهند في عهد مودي من أبرز مناصري إسرائيل.

وتنتهج الهند توجهاً معيناً في سياستها الخارجية التي من خلالها تتبلور العلاقات الدولية، لا تخرج فيه عن إطار مصلحتها القومية أو مبادئ وتوجهات الحزب الحاكم. فقد أظهرت السياسة الخارجية الهندية أنها توزان ما بين مواقفها المبدئية ومصالح الدولة الاقتصادية والاستراتيجية والدفاعية التي تجعلها تتقارب مع إسرائيل في مواجهة المسلمين من جهة، وتكون حليفاً للولايات المتحدة في مواجهة الصين من جهة أخرى.

فقد حافظت الهند تاريخياً على مبدئيتها في ظل حكم حزب المؤتمر “ذي التوجه العلماني الاشتراكي” المناصر لقضايا تحرر الشعوب والمناهض للهيمنة والاحتلال، فناصرت الفلسطينيين ودعمت قضيتهم. لكن في الوقت عينه حافظت نيودلهي على الحد الأدنى من التواصل والتمثيل الديبلوماسي مع تل أبيب من أجل مصالح الهند العليا، فعلى الرغم من اعترافها بدولة إسرائيل عام 1950 لتفادي الدخول في عداء مع الدول العربية التي من الممكن أن تقف إلى جانب باكستان عدوّة الهند عند نشوب نزاع حول كشمير، إلا أنها أبقت العلاقات الثنائية مع إسرائيل لمدة 40 عاماً مقتصرة على المستوى القنصلي فقط.

كما حافظت الهند على مبدئيتها أيضاً عندما بلغ حزب بهاراتيا جاناتا “اليميني القومي الهندوسي المتشدد” صاحب الخطاب المعادي للمسلمين الحكم عام 2014، حيث شهدت الهند تحولاً في موقفها السياسي من مساند للفلسطينيين في ظل حكم حزب المؤتمر إلى متحفظ أو معارض لهم بل وداعم لإسرائيل. لكن في الوقت عينه تحافظ نيودلهي أيضاً على مستوى العلاقة مع الدول العربية والإسلامية المناصرة لفلسطين على الرغم من أن هذه الدول تشترك أيديولوجياً مع عدوتها باكستان.

فعلى الرغم من أنّ مودي كان أول من أنكر على حماس غزوة 7 أكتوبر، إلا أنه دعا بعدها إلى عقد هدنة في قطاع غزة وإلى الذهاب نحو حلّ الدولتين بين إسرائيل وفلسطين كي لا تتضرر العلاقات الهندية – العربية. حيث تسعى الهند إلى الحفاظ على علاقاتها مع الدول العربية في المنطقة لضمان تنفيذ مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط، والذي يضم كلاً من الهند والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، كما أنّ الأرقام تشير إلى أنّ الجالية الهندية تُقدَّر بنحو ثلث إجمالي العمالة الأجنبية في بلدان الخليج العربية.

وعززت الهند العلاقات مع المملكة العربية السعودية “المناصرة لفلسطين” وأبرمت الاتفاقيات معها، حيث تعد السعودية اليوم من أكبر موردي النفط إلى الهند التي تغدو اليوم من أكبر الشركاء التجاريين للسعودية والمستثمرين فيها.

كما استثمرت الهند بالتقارب العربي الإسرائيلي تحت الرعاية الأمريكية، فانضمت إلى المنتدى الاقتصادي الرباعي الذي أنشئ عام 2021 مع كل من إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية، والذي يعمل على إنشاء استثمارات مشتركة في مجالات المياه والطاقة والنقل والفضاء والصحة والأمن الغذائي، واعتبرت مجلة Foreign Policy الأمريكية أن المنتدى يمكن أن يخدم أهداف السياسة الخارجية للهند، حيث يمكِّن نيودلهي من توسيع دورها على المسرح العالمي، والانخراط بصورةٍ أعمق في الشرق الأوسط، وتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة.

كما تتجلى أولوية الهند في البحث عن مصالحها في الاتفاق الذي تم عقده مع إيران الشيعية “عدوة إسرائيل” لإدارة ميناء تشابهار في جنوب شرقي إيران. وذكرت مصادر هندية أنّ نيودلهي تدرس استئناف استيراد النفط الخام من إيران بعد تصاعد التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن بسبب الضربات الحوثية التي تستهدف السفن في تلك المنطقة، وهذا ما نوقش في أعقاب زيارة وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار إلى إيران في يناير هذا العام.

وبالتالي هذا دأب الهند التي لا تزال تحافظ على التوازن بين مبدئيتها في ظل الحزب الحاكم أياً كانت توجهاته وبين المصالح العليا للبلاد منذ نشأتها عام 1947، وبالتالي من المرجّح أن تبقى نيودلهي تحافظ على هذا التوازن مهما تكن نتيجة الانتخابات البرلمانية باعتبار أنّ الهند تقوم بتجهيز الموارد لتصبح قطباً عالمياً في الدورة المقبلة من النظام الدولي بحسب ما ذكر الدكتور محمد وليد يوسف في كتابه “جوهر النظام الدولي” إلا أن السؤال الذي يطرح هنا: كيف ستعمل الهند على تحقيق التوازن بين مبدئيتها ومصالح الدولة العليا في ظل بروز إرهاصات الاصطفاف الهندي – الإسرائيلي – الإيراني في مواجهة الاصطفاف السني العربي التركي الباكستاني، واللذان كان تحدث عنهما الدكتور محمد وليد يوسف في دراسة له بعنوان “غارة حماس على إسرائيل.. وزوال التركيب الجيوسياسي الشرق – أوسطي القديم”؟


حنين جركس

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة آسيا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان ـ بيروت. .حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى