عودة النظام الدستوري إلى تشاد.. محمد ديبي رئيساً في مواجهة التشكيك والتحديات

تعد الانتخابات الرئاسية التي أجريت في تشاد يوم 6 مايو 2024، نقطة تحول حاسمة في طريق العودة إلى النظام الدستوري. فقد صادق المجلس الدستوري على نتائج الانتخابات الرئاسية بتأكيد فوز محمد ادريس ديبي، حاصلاً على 61% من إجمالي الأصوات متقدّماً على أقرب منافسيه ورئيس وزرائه السابق سيكسيه ماسرا، ورئيس الوزراء الأسبق باهيمي باداكي الذي حل ثالثاً. وتأتي هذه الخطوة التي عدها البعض على أنها شكلية لتنهي فترة انتقالية استمرت ثلاث سنوات قادها مجلس عسكري برئاسة ديبي، إثر مقتل والده الرئيس السابق إدريس ديبي إتنو، عام 2021 والذي قُتل في معركة قادها ضد جبهة التغيير والوفاق “فاكت”، إحدى أكبر الجماعات السياسية المسلحة ذات النزعة الانفصالية والمتمركزة على الحدود مع ليبيا. وتم حينها التغاضي عن النص الدستوري الذي يمنح رئيس البرلمان سلطة الإشراف على العملية الانتقالية، لصالح إنشاء مجلس عسكري انتقالي برئاسة نجل ديبي.
وبعد أشهر من توليه الفترة الانتقالية، بدأ ديبي باتخاذ سلسلة من التدابير الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية، وعرض على شخصيات معارضة بارزة مناصب رسمية، وتم إطلاق حوارين وطنيين. وبناءً على ذلك، تم تمديد الفترة الانتقالية من 18 شهراً إلى مدة عامَيْن، من أبريل 2021 إلى أبريل 2024.
بيد أن اللافت في الحالة التشادية هو أن خريطة الفترة الانتقالية حظيت بقدر من الشرعية التي أقرتها الجهات الفاعلة الإقليمية والقارية والغربية على عكس دول “حزام الانقلابات” الأخرى: مالي، النيجر وبركينا فاسو.
مواجهة التشكيك
إنّ مسألة القبول بنتائج الانتخابات الرئاسية تبقى تحدياً للرئيس المنتخب في ظل تشكيك المعارضة التي قاطعت الانتخابات، واعتراض ماسرا على نتائجها، وإعلانه انه تقدم بطلب إلى المجلس الدستوري لإلغاء نتائجها، كما حث أنصاره على الاحتجاج في الشارع رفضاً لنتيجة الانتخابات.
ولدى النظر إلى تجارب الانتخابات السابقة في تشاد، يتبيّن أن الرئيس الراحل ادريس ديبي نجح في الصمود أمام قوى المعارضة الداخلية بالفوز 6 مرات في استحقاقات انتخابية خلال 3 عقود، مع أن تجربة الممارسة السياسية التشادية تشير إلى ضعف المعارضة السياسية وانقسامها وعجزها في بلوغ السلطة إلا عبر الصدام المسلح.
وهذه المرة تتفاقم المخاوف من توسّع رقعة الاحتجاجات على نتائج الانتخابات، خاصة أنّ 7 مرشحين في هذه الانتخابات ينتسبون إلى مناطق الجنوب، التي تواجه توترات متصاعدة مع انتشار الجماعات المتمردة.
التحديات الداخلية
ووسط التوترات السياسية والأمنية على امتداد منطقة الساحل في افريقيا، تتطلب العودة إلى النظام الدستوري في تشاد استقراراً سياسياً وأمنياً في ظل تحديات أمنية وخارجية تعصف بالبلاد، لا سيما مشكلة الوفاق الوطني والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، بجانب تأثيرات المشهد الإقليمي وحالة التنافس الدولي في الساحل الافريقي.
- المصالحة الداخلية: شهدت الفترة الانتقالية الكثير من حملات المعارضة ضد المجلس العسكري الانتقالي، وقد أدى إعلان الرئيس محمد ديبي ترشحه للرئاسة إلى انشقاقات داخل الأسرة الحاكمة، ولا سيما مع مقتل يحيى ديلو، زعيم “الحزب الاشتراكي بلا حدود” وابن عمة الرئيس ديبي التي ادعت الحكومة أنهُ قتل أثناء مقاومة الاعتقال، لكن المعارضة تقول إنّه قُتل في العملية العسكرية نفسها التي اعتقل بها عمّ الرئيس صالح ديبي أيضاً. ومما لا شك فيه أن هذه العمليات من شانها أن تزيد حدة التوتر والانشقاق المتزايد داخل قبيلة “الزغاوة” التي تعُد عائلة ديبي جزءاً منها. ففي حديث للدكتور حمدي عبد الرحمن أستاذ العلوم السياسية في جامعة زايد بالإمارات العربية المتحدة والخبير في الشأن الافريقي لصحيفة “الشرق الأوسط” قال إنّ “المهمة الأساسية امام الرئيس التشادي الجديد تنطوي على استكمال المصالحة الوطنية الداخلية، وإنهاء صراعات النخبة الحاكمة، والسيطرة على خلافات القبائل نتيجة لسيطرة إثنية الزغاوة على الحكم لأكثر من 30 عاماً”. وتوقف الدكتور عبد الرحمن عند ما أسماه “البعد القبلي الهجيني” للرئيس الجديد، فهو ينتمي لقبائل الزغاوة من جهة الأب، ويحمل انتماء لقبائل التبو من جهة الأم، الامر الذي يمكن استثماره على الصعيد الشعبي لتحقيق الوفاق الداخلي”[1].
- التحديات الاجتماعية والاقتصادية: تعاني تشاد مثل باقي الدول الافريقية من التوترات العرقية والاجتماعية، والتي تؤثر بشكل واضح على الوضع الأمني للبلاد لكن الحكومة الانتقالية لم تقدم أي حل حقيقي لهذه الأزمة التي يعاني منها التشاديون منذ سنوات. فيعاني الجنوب والوسط من صراع دائم بين المزارعين والرعاة والذي يتفاقم بسبب الانقسامات القائمة على أساس الهوية مما أدى للمطالبة بالانفصال عن المركز. إضافة إلى أزمة اللاجئين السودانيين في الشرق التي تساهم في خلق التنافس للوصول إلى الموارد، مما سيساهم في زيادة التوترات.
أما على الصعيد الاقتصادي فيعتبر القطاع النفطي من أهم القطاعات في البلاد حيث تمتلك تشاد عاشر أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وقد وقعت الحكومة التشادية العديد من الشراكات البترولية مع شركات كبرى مثل شركة “ألف” الفرنسية، وشركة “سي أن بي سي” الصينية، وأصبح النفط هو الركيزة الأساسية للقطاع الاقتصادي في تشاد. وعليه فقد ساهم النفط منذ البداية وبشكل أساسي في تشكيل سياسات تشاد الخارجية والداخلية، فكان بمثابة أداة للسيطرة الداخلية ووسيلة لبسط النفوذ في الخارج، ومع ذلك لا يزال الكثير من الشعب يواجه أزمات على مستوى الطاقة ونقصاً في خدمة الكهرباء. ولعل هذا التحدي التنموي يشكل أولوية قصوى للرئيس المنتخب.
التحديات الخارجية
- الجوار المضطرب: يفرض الموقع الجيوسياسي لتشاد تحديات أمنية وسياسية تنعكس اضطراباً يتمثّل بتهديدات جماعات المعارضة المسلحة المتمركزة على الحدود الشمالية للبلاد مع الجنوب الليبي، وغرباً بهجمات تنظيم “بوكو حرام”، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار جنوباً بجمهورية افريقيا الوسطى، وتداعيات الحرب السودانية شرقاً، وفرار مئات الآلاف من السودانيين لأراضيها، فوفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون للاجئين، تتصدر تشاد قائمة الدول المستقبلة للاجئين السودانيين الفارين من الحرب السودانية القائمة منذ اكثر من سنة حيث استقبلت تشاد أكثر من 550 ألف لاجئ سوداني بحلول فبراير الماضي يتخذون من منطقة وداي مستقراً لهم وهي منطقة هشة اقتصادياً واجتماعيا. وعلى ما يبدو فإن الرئيس المنتخب يسعى للسير على نهج والده بتحويل تلك المخاطر لصالحه، والظهور كلاعب إقليمي يُعتمد عليه في بناء الاستقرار السياسي والأمني في محيط يعج بالأزمات الأمنية والسياسية.
وعليه من المحتمل أن تؤدي حالة عدم الاستقرار هذه إلى حدوث كارثة ليس فقط للشعب التشادي، ولكن ايضاً لمنطقة الساحل وجمهورية افريقيا الوسطى. وبالتالي يبقى التحدي الأصعب الذي سيواجه الرئيس ديبي هو مكافحة الإرهاب حيثُ بات على حكومته خوض المواجهة بنفسها بعد إعلان تشاد وموريتانيا حل ائتلاف دول الساحل لمكافحة الإرهاب في ديسمبر الماضي، إثر انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر منه.
- التنافس الدولي: لا يمكن فصل تشاد عن مشهد التنافس الدولي في منطقة الساحل الافريقي، فخلال الفترة الأخيرة أجبرت سلطات مالي وبوركينا فاسو والنيجر كلاً من فرنسا والولايات المتحدة على سحب قواتهما من أراضيها، في مقابل تقارب مع روسيا بهدف محاربة الجماعات الإرهابية في تلك المنطقة، وعليه سيتعيّن على الرئيس المنتخب أن يكشف عن خططه ويضمن التنسيق بين مختلف القوى الفاعلة على الساحة الدولية مثل فرنسا والولايات المتحدة وروسيا لتجنب المواجهة بينها على الساحة التشادية.
يرى بعض الخبراء الأمنيين أن قرار التهديد بطرد الولايات المتحدة من تشاد الذي صرح عنه ديبي، هو خطوة تكتيكية لتعزيز صورته قبل الانتخابات، وهو جزء من المساومة لزيادة الدعم الأمريكي للحكومة التشادية، كما أن رحلة ديبي إلى العاصمة الروسية موسكو في يناير الماضي من هذا العام تعد إشارة قوية إلى باريس التي أكدت على الفور بالتزامها الأمني تجاه نجامينا، وإدراكاً منه لتزايد المشاعر المعادية لفرنسا، خصوصاً مع تأكيده أن مباحثاته مع الرئيس الروسي جاءت بصفته رئيس دولة مستقلة، ولتعزيز وتقوية العلاقات مع روسيا.
ويعود هذا الاهتمام العالمي بالتمركز في تشاد على أهميتها الجيوستراتيجية، فهي تقع على مفترق طرق بين الشمال والغرب والوسط الافريقي، مما يجعلها مكاناً مثالياً للجهات الفاعلة العالمية.
وفي حين أن تنوع الشركات الأمنية ساعد في ترسيخ النظام الحالي من خلال التمويل والمعدات العسكرية، إلا إنه من الممكن أن تنفتح جبهات جديدة من عدم الاستقرار، ومن الممكن أن تنشأ انقسامات بين عناصر النظام الموالية لروسيا والعناصر الأخرى الموالية للغرب، وذلك هو التحدي القادم الذي سيواجه الرئيس المنتخب.
ختاماً، يمكن القول ان مستقبل تشاد يحمل في طياته مزيجاً من الحذر والتفاؤل بعد العودة إلى الحكم الدستوري، لكن الرئيس المنتخب وحكومته أمام تحديات كثيرة لا بد من مواجهتها تفادياً للتوترات الأمنية والاستفادة من الفرص المحتملة، والحاجة إلى تنويع الشراكات الاستراتيجية، ومن خلال مواجهة هذه التحديات يمكن لتشاد أن ترسم طريقاً نحو الاستقرار والتنمية، ومن الممكن أن تؤدي جهود تحقيق الاستقرار والإصلاح إلى فترة من النمو والازدهار، ولا بد من معالجة حالة ضعف المؤسسات الحكومية ومعالجة وسد الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.
فهل سيتمكن الرئيس المنتخب من الصمود أمام هذه التحديات للنهوض وتحقيق السلام في تشاد؟
[1] Aawsat.com, 17-05-2024.
