تركيا على طريق الحرير العراقي وإعادة إعمار سوريا

بقلم الباحث الاقتصادي الدكتور أيمن عمر

يشهد العالم توجّهًا نحو بناء تكتلات اقتصادية من عدة دول تجمعها قواسم مشتركة في الجغرافيا والإثنيات والمصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة، لذلك تسعى تركيا إلى تأسيس تكتل يجمعها مع عدة دول في المنطقة على رأسها العراق وسوريا لتوفر عناصر عديدة يسهل الاعتماد عليها في تأسيس هذا التكتل، بحيث تكون تركيا هي محوره الاقتصادي-السياسي بحكم موقعها الجغرافي، وكقوة اقتصادية عالمية فهي تحتل المرتبة 19 بين اقتصاديات الدول الكبرى.
العلاقات التركية- العراقية: طريق التنمية/ طريق الحرير العراقي:
تسعى تركيا إلى تطوير علاقاتها مع العراق في كافة المجالات الديبلوماسية والسياسية لتصل إلى توظيفها في العلاقات الاقتصادية، لما تمتلكه العراق من ثروات اقتصادية وإمكانيا بشرية كبيرة تجعل من السوق العراقي سوقًا استهلاكية كبيرة أمام المنتجات التركية، ولموقع العراق الجغرافي كبوابة أمام المنتجات التركية نحو دول الخليج العربي. بلغ عدد سكان العراق أكثر من 43 مليون نسمة في نهاية 2023، ويحتل المرتبة الخامسة عربيًا، والمرتبة 52 عالميًا ضمن اقتصاديات دول العالم بناتج محلي 265.894 مليار دولار في العام 2023، مع توقع أن يصل إلى 345.074 في العام 2029. وقد توقّع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد 1.4% في 2024 و5.3% في 2025. ويُشكّل النفط والغاز شريان الحياة للبلاد، مساهمَين بأكثر من 95% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد ارتفع الإنتاج من ثلاثة ملايين برميل يوميًّا عام 2003، إلى أكثر من 4.22 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2023. وقفزت الصادرات النفطية إلى 3.4 ملايين برميل يوميًّا في الربع الأول من عام 2024، محققة عائدات مالية تتراوح بين 8 و11 مليار دولار شهريًّا، ومع وجود خطط توسعية تستهدف الوصول إلى مستوى 5 ملايين برميل بحلول عام 2025. ومن أهم المشاريع التي تؤسّس لعلاقات اقتصادية وتجارية مميّزة مع تركيا هو مشروع “طريق التنمية” الذي يربط العراق بتركيا وأوروبا من خلال خطوط سكك حديدية حديثة وقاطرات نقل تجاري سريعة، على امتداد مسافة 1200 كيلومتر، انطلاقًا من ميناء الفاو في البصرة (يجري العمل على إنشائه) جنوبًا ويمر عبر بغداد والموصل باتجاه الحدود العراقية التركية شمالًا، ويدخل عبر بوابة أوفاكوي الحدودية التركية ثم يقطع الأراضي التركية غربًا باتجاه إسطنبول ليصل إلى أوروبا حتى لندن. وتبلغ كلفة المشروع 17 مليار دولار، على أن يتم إنجازه على 3 مراحل، تنتهي الأولى عام 2028 والثانية عام 2033 والثالثة عام 2050. وإن المدة التي يستغرقها وصول سفينة تنطلق من ميناء الفاو إلى أوروبا عبر قناة السويس، ستكون قد خُفّضت إذ ستصل الحمولة نفسها بمدة أقصر 15 يوماً من خلال المرور عبر طريق التنمية. هذا المشروع الذي تولّيه تركيا أهمية كبيرة وتعتبره بمثابة طريق الحرير الصيني، من هنا جاءت الزيارة المهمة التي قام بها وزيرا الدفاع والخارجية التركيَيْن يشار غولر وهاكان فيدان، ورئيس وكالة الاستخبارات الوطنية التركية إبراهيم كالين إلى بغداد في 14 آذار/مارس الماضي، ومن ضمن ملفاتهم مشروع “طريق التنمية” وكيفية توفير الأمن لهذا الطريق. وفي نيسان/أبريل الماضي وقّع الرئيس التركي مذكرة تفاهم رباعية مع وزراء النقل والمواصلات العراقي والقطري والإماراتي للتعاون في تنفيذ هذا المشروع.
العلاقات التركية- السورية: إعادة إعمار سوريا
تشهد العلاقات التركية – السورية تطوّرًا لافتًا وخاصة في الآونة الأخيرة بعد قطيعة استمرت زهاء 13 عامًا عقب اندلاع الأحداث في سوريا حين طالبت تركيا الأسد بالتنحّي حقنًا للدماء، والدعم التركي للمعارضة في سوريا ضد النظام فيها، بالإضافة إلى احتلال تركيا جزءَا من شمال سوريا. بدأ هذا التحوّل في العلاقات في كانون الثاني/يناير 2020 حين تمّ أول لقاء أمني معلن بين وفدين رسميين سوري وتركي، حيث التقى رئيس مكتب الأمن الوطني السوري يومئذ اللواء علي مملوك مع رئيس جهاز الإستخبارات التركية يومها هاكان فيدان في اجتماع ثلاثي حضره عدد من المسؤولين الروس في موسكو، إلى أن أعلن الرئيس التركي إردوغان في 7 تموز/ يوليو 2024 “أنّنا سنوجّه دعوتنا للأسد، وبهذه الدعوة نريد استعادة العلاقات التركية السورية إلى نفس المستوى الذي كانت عليه في الماضي”، وتأكيد سوري في بيان رسمي سابق صادر عن رئاسة مجلس الوزراء السوري في27 حزيران/ يونيو 2024 يؤكد انفتاح سوريا على جميع المبادرات المرتبطة بالعلاقة بين سوريا وتركيا. ويعود هذا التحوّل الاستراتيجي في العلاقات التركية السورية إلى الأسباب التالية:
- التغيّر في خرائط العلاقات الدولية، وانكفاء النفوذ الأميركي والتوسّع في النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة، والمصلحة التركية في العلاقات الاقتصادية مع دول منظمة البريكس والتي تشكل 28.3% من الاقتصاد العالمي و20 % من التجارة العالمية في 2023، والسعي التركي إلى الاستفادة منها.
- الضغوط التي يمارسها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وإصراره على تسوية هذه العلاقات، وهي ضغوط تمتد لعدة سنوات خلت، والتي أثمرت عن لقاء رباعي جمع وزراء خارجية كل من روسيا، إيران، تركيا وسوريا في 10 أيار/مايو 2023.
- المشاركة في إعادة إعمار سوريا في المناطق التي يسيطر عليها الأتراك وخاصة حلب والشمال السوري.
- الوساطة العراقية وهذا ما أعلن عنه رئيس الوزراء العراقي بالقول إن بغداد تعمل على خط المصالحة بين سوريا وتركيا.
- تعزيز الدور التركي المحوري اقتصاديًا في المنطقة، وخاصة دورها في نقل وتوزيع الغاز إلى أوروبا والعالم بحكم موقعها الجغرافي، وترسيخ هذا الموقع جيو سياسيًا.
- السعي إلى تأسيس سوق مشتركة وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وتجارية مشتركة، تكون تركيا هي المحور فيها لما تمتلك من إمكانيات اقتصادية وماكينات إنتاجية تتفوق على نظيراتها في المنطقة.
عوامل عديدة تحكم العلاقات بين الدول بعضها ثابت مثل الجغرافيا وتلاصق الدول بحدود مشتركة والتاريخ والثقافة والدين والقوميات، وبعضها الآخر متغير بحسب مصالح الدول السياسية والأمنية والاقتصادية. وإن ما يجمع العلاقات التركية – السورية من جهة والعلاقات التركية –العراقية من جهة أخرى وخاصة من عوامل ثابتة تبقى أقوى بكثير من مصالح السياسة والأمن والاقتصاد. ويبدو أنه في المرحلة المقبلة تتضافر العوامل هذه جميعها لتؤسّس لمرحلة من العلاقات المميزة قد تمتد لعقود من الزمن.
المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط وليس عن رأي المركز.
