الشائع

كونفدرالية مالي وبوركينا فاسو والنيجر.. الأهداف والتداعيات على منطقة "الساحل الأفريقي"

في خضم الصراعات الدموية التي تشهدها القارة الأفريقية، يتبلور في عمق هذا المشهد تطور جديد ومثير للاهتمام يتمثل في تكوين كونفدرالية جديدة بين ثلاثة دول هي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي خطوة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي في منطقة الساحل الأفريقي وترسخ قطيعة واضحة مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا “ايكواس”.

فبالتزامن مع اكتمال مغادرة القوات الأمريكية للقاعدة 101 في النيجر، انعقدت في العاصمة نيامي القمة الأولى لما يعرف بـ”تحالف دول الساحل” الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر لبحث مصير التحالف وأهدافه. وفي بيان ختامي للقمة، أعلنت هذه الدول أن حكّامها العسكريين قرّروا الانتقال نحو مرحلة جديدة من الاندماج أكثر عمقاً بين الدول الأعضاء، ولهذا الغرض وقّع القادة الثلاثة على معاهدة تؤسّس كونفدرالية فيما بين دولهم تحت مسمّى “كونفدرالية دول الساحل”، ما يؤكّد تصميمها على رسم مسار مشترك خارج “ايكواس” التي تحث الدول الثلاث على العودة إلى الحكم الديمقراطي.  

ورغم أن “تحالف دول الساحل” تمّ إنشاؤه بعد التوقيع على ميثاق “ليبتاكو غورما” للتعاون الأمني في عاصمة مالي باماكو، وصدرت عنه قرارات مشتركة، فإنّ قادته لم يجلسوا قبل قمة السادس من يوليو/تموز 2024 على طاولة مشتركة.

علاقات ممزقة  

وبحسب بيان صادر عن الدول الثلاث التي تشكّل هذه الكونفدرالية، فإنّ هذا التحالف يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز السيادة الوطنية والتعاون بين هذه الدول في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة، ويظهر التحديات التي تواجه الجهود الإقليمية والدولية في تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل وغرب افريقيا، كما يهدف إلى كسر الهيمنة الأجنبية والنفوذ الغربي داخل هذه الدول.

وصرّح الحاكم العسكري في النيجر عبد الرحمن تشياني، قائلاً: “إن المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا (إيكواس) التي تأسست منذ ما يقرب 50 عاماً أصبحت تهديداً لدولنا”. وأضاف: “سنقوم بإنشاء نظام للشعوب يشكّل بديلاً عن المجموعة الاقتصادية التي تملي عليها قوى غريبة عن أفريقيا توجيهاتها وتعليماتها”.  

ويقول قادة الدول الثلاث إنّ الكتلة الاقتصادية التي تأسست من أجل أن تكون فضاء تكاملياً لدول غرب افريقيا قد انحرفت عن القيم والمثل العليا التي وضعها الآباء المؤسسون وأصبحت أداة لخدمة فرنسا وأجنداتها في المنطقة.

وكانت الدول الثلاث قد أرسلت في 29 يناير/كانون الثاني الماضي إشعاراً للمجموعة بإنسحابها النهائي منها ومن كل الهياكل التي تتبع لها.

وتعود الأزمة بين “تحالف دول الساحل” و”ايكواس” إلى أحداث الانقلابات التي عرفتها مالي عام 2020 وبوركينا فاسو 2022، ثمّ انقلاب 26 يوليو/تموز 2023 في النيجر الذي ساهم كذلك بتدهور العلاقات مع تكتل غرب إفريقيا. وعلى خلفية ذلك، فرضت “ايكواس” عقوبات اقتصادية على النيجر، ولوحت بالتدخل عسكرياً لإعادة الرئيس المخلوع محمد بازوم، لكن في فبراير/شباط الماضي تم رفع العقوبات، إلا أنّ ذلك لم يساعد في عودة إلى العلاقات بين الجانبين.

أهداف كونفدرالية دول الساحل

تسعى دول هذا التحالف لتحقيق عدد من الأهداف سواء السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية على مستوى منطقة الساحل الافريقي، ومن أبرز هذه الأهداف:

  • الضغط على “ايكواس”، في محاولة للإنتقام منها والسعي إلى تفكيكها بسبب العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها على تلك الدول بسبب الانقلابات العسكرية على الأنظمة المدنية الحاكمة فيها، مع رفض الحكّام العسكريين الالتزام بمدة زمنية للفترة الانتقالية، أو تسليم السلطة للمدنيين في وقت قريب. ومن المحتمل أن توفر الكونفدرالية الجديدة خياراً أو بديلاً محتملاً لدول “اإيكواس” الأخرى التي قد تجد نفسها في وضع مماثل للدول الثلاث وتحاول تفادي ضغوط العودة إلى الديمقراطية.
  • صناعة نظام إقليمي جديد موازٍ ومكافئ لـ”إيكواس” التي تتّهمها الدول الثلاث بأنّها خاضعة لهيمنة فرنسا عليها وأنّ باريس هي التي تتحكم في قراراتها، ولعلّ هذا الهدف هو أهم أهداف إنشاء “تحالف دول الساحل” بعدما تصاعد العداء بين القادة العسكريين الحاكمين لتلك الدول مع فرنسا، ورفعهم لشعارات الاستقلال ورفض التبعية لها.
  • محاولة تغيير الحلفاء الدوليين في منطقة الساحل الافريقي وغرب افريقيا، وخاصة التخلص من نفوذ فرنسا، وفتح الباب لحلول روسيا والصين وإيران وتركيا خلفاً لها، خاصة بعدما تم دعم تلك الأنظمة العسكرية من قبل روسيا.
  • التنسيق الأمني بين قادة “تحالف دول الساحل” من أجل مكافحة الإرهاب، خاصة بعد تصاعد العمليات الإرهابية في المنطقة، وظهور حركات معارضة مسلحة تسعى إلى إسقاط تلك الأنظمة العسكرية الحاكمة وخاصة في النيجر التي ظهرت فيها عدة حركات معارضة مسلحة مؤخراً تطالب بتحرير رئيس النيجر المعزول محمد بازوم من قبضة المجلس العسكري الحاكم.

تداعيات التحالف

سيكون لكونفدرالية الساحل الجديدة تداعيات سواء على مستوى العلاقات بينها وبين دول الجوار إضافة لتداعيات إقتصادية وأمنية وجيوسياسية، وهي تتلخّص في الآتي:

  • علاقات إقليمية متوترة: من المحتمل زيادة التوترات في منطقة غرب افريقيا، وحدوث مزيد من الانقسامات السياسية بين قادة دول التحالف وباقي دول غرب افريقيا، الامر الذي سيعكر صفو العلاقات الإقليمية التي لا تخلو من التوتر والتأزم مع بعض دول الجوار، فقد دخلت العلاقة بين النيجر وجارتها بنين أزمة حادة بعد الانقلاب الذي حصل في النيجر، مما أدى إلى تعليق تصدير النفط النيجري عبر ميناء كوتونو في دولة بنين. وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2023 توترت العلاقات بين مالي والجزائر حيث تمّ استدعاء السفراء، بسبب خروج مالي من اتفاق السلام الذي رعته الجزائر عام 2015 ووضع حداً للحرب بين مجتمع ازواد والجيش المالي.
  • تداعيات اقتصادية: إن تصميم دول “تحالف الساحل” على مغادرة مجموعة “ايكواس” سيكون له تداعيات سلبية على اقتصاداتها لكونها تتمتع بالعديد من المزايا الاقتصادية والسياسية التي توفرها لها عضويتها داخل مجموعة “ايكواس” وعلى رأسها حرية نقل البضائع والخدمات والتنقل مما سيحرم شعبها وتجارها من تلك المزايا، وفعلاً هذا ما فعلته مجموعة “ايكواس” حيث اتخذت قراراً بفرض تأشيرة على مواطني الدول الكونفدرالية مما سيحرمهم من إقامة أعمال تجارية بحرية تحت مظلة “ايكواس” وسيخضعون للقوانين الوطنية المختلفة لكل دولة، وسيزداد الضغط المحلي ضد الحكومات العسكرية في الدول الثلاث بسبب عدم قدرة مواطنيها على السفر إلى دول “ايكواس” في غرب افريقيا، أو على الجانب الآخر من الحدود.
  • تداعيات أمنية: بالرغم من أن دول الكونفدرالية سجلت نجاحات ملموسة في مكافحة الإرهاب والتمرد المسلح في الأشهر الأخيرة، وخاصة دولة مالي، إلّا أنّ نقص الموارد والتصحر والجريمة المنظمة، إلى جانب استمرار أنشطة الجماعات الإرهابية والمتمردة، مثل “بوكو حرام” و”أنصار الإسلام” و”تنظيم ولاية الساحل” كلها تترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية إنفجار جو من التوتر المحلي، وإنعدام الأمن، وتفاقم حالة عدم الاستقرار في دول الكونفدرالية.
  • توسّع النفوذ الروسي: اعتمدت دول التحالف على روسيا في دعم انظمتها العسكرية الحاكمة، ولا تزال موسكو تعمل على دعم هذه الأنظمة من خلال حضورها العسكري اللوجستي عبر مدرّبين يزورون هذه الدول بشكل دوري، وبالفعل بدأت هذه العلاقات تتوطّد ولا سيما على الصعيد العسكري، مما سيزيد من حروب الوكالة بين روسيا والغرب في المنطقة بخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي ستحاول بكل ما تستطيع، الضغط حتى لا تنجح هذه الكونفدرالية، إمّا بإشعال الحروب والتمرد، أو بدعم القوى المسلحة، حتى لا تنعم هذه الدول الثلاث بالاستقرار ومواجهة التمدّد الروسي.

فهل ستذهب الولايات المتحدة الأمريكية في حال ترسخ الوجود الروسي الفعلي في منطقة الساحل الافريقي وبلغ حدود المصالح الأمريكية لدعم الجماعات المسلحة في المنطقة، كما فعلت بالاتحاد السوفياتي في أفغانستان في ثمانينات القرن العشرين؟


ريم عطوي

باحثة مقيمة ومسؤولة عن الدائرة الجيوسياسية لمنطقة افريقيا وجنوب الصحراء الكبرى في المركز الدولي للدارسات الجيوسياسية والاقتصادية، لبنان- بيروت. حائزة على شهادة الماجستير البحثي في القانون العام من الجامعة الإسلامية في لبنان

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى