الفوضى تضرب مالي.. كيف تفاقم الصراع مع الانفصاليين في الشمال؟

تعرضت القوات العسكرية المالية ومجموعة فاغنر الروسية، يوم السبت 27 يوليو/تموز 2024، لكمين كبير خلال مواجهات مع الحركات الأزوادية المسلحة المعروفة بـ”الإطار الاستراتيجي الدائم للدفاع عن الشعب الازوادي” شمالي مالي في منطقة تينزاوتين قرب الحدود مع الجزائر، ما أدى إلى مقتل قائد مجموعة فاغنر الروسية سيرغي شيفتشينكو إضافة الى سقوط عدد من عناصر القوات المالية ومجموعة فاغنر بين قتيل وجريح وأسير.
وأعلن مسلحو الطوارق في شمالي مالي أنّهم قتلوا واصابوا العشرات من الجيش المالي والمقاتلين التابعين لمجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة، خلال قتال استمرّ يومين بالقرب من الحدود الجزائرية، وقالت حركة “الإطار الاستراتيجي الدائم للسلام والامن والتنمية” وهي تحالف جماعات انفصالية يهيمن عليها الطوارق، إنها استولت على مركبات مدرعة وشاحنات وناقلات خلال القتال، وأضافت الحركة في بيانها أنها نجحت في إسقاط طائرة مروحية تابعة للجيش المالي في مدينة كيدال.
بدأت المعارك بعد تقدم الجيش المالي وفاغنر نحو آخر معقل للأزواديين، وذلك في محاولة لاستكمال السيطرة على الأراضي الأزوادية بعد سقوط كيدال نهاية العام الماضي، ويسعى الجيش المالي إلى بسط سيطرته على الإقليم الغني بالمعادن، خاصة الذهب، تلبية لتعهداته لفاغنر وروسيا وتركيا، التي تزوده بطائرات مسيّرة كان لها دور كبير في التفوق العسكري المالي.
الانسحاب من اتفاق الجزائر خطوة أولى نحو تفاقم الصراع
مع بداية هذا العام اتجهت مالي إلى إنهاء اتفاق السلام الموقع في الجزائر عام 2015 بين مختلف الفصائل، بحجة “عدم التزام الأطراف الأخرى الموقّعة ببنوده”، الامر الذي رأت فيه الجزائر أنه قرار خطير قد ينعكس سلباً على مالي وعلى المنطقة برمتها، وسبق للناطق الرسمي باسم حكومة مالي عبد الله مايغا، أن أكد في تصريح له عبر التلفزيون الرسمي أن “اتفاق الجزائر تمّ انهاؤه بسبب تغيّر موقف بعض المجموعات الموقعة”، مشدداً على أن الاتفاقية أصبحت غير قابلة للتنفيذ في ظل هذه الظروف، وأن قرار الانهاء سيدخل حيز التنفيذ.
ومباشرة بعد هذا الإعلان، حذرت الجزائر الماليين من التورط في مثل هكذا خطوة، ووفق بيان لوزارة الشؤون الخارجية جاء فيه “أن هذا القرار خطير على مالي بحد ذاتها، وعلى المنطقة برمتها التي تتطلع إلى السلام والأمن وللمجتمع الدولي برمته الذي وضع كل ثقله ووسائله المتعددة لمساعدة مالي على العودة إلى الاستقرار من خلال المصالحة الوطنية” وحسب البيان ذاته “يجب على الشعب المالي أيضاً أن يعرف بأن القائمة الطويلة من الأسباب المقدمة دعماً للانسحاب من الاتفاق لا تتطابق إطلاقاً مع الحقيقة أو الواقع، مؤكداً ان الجزائر لم تتقاعس يوماً عن العمل على تنفذ اتفاق السلام والمصالحة في مالي، المنبثق عن عملية الجزائر بإخلاص وحسن نية وتضامن.
وقد تمّ توقيع اتفاق السلام والمصالحة مع تنسيقية الحركات الازوادية عام 2015، بواسطة الجزائر لإنهاء العنف في المنطقة التي يطلق عليها الطوارق اسم “ازواد”، والتي تضم مدن مثل تمبكتو وغاو وكيدال في شمال مالي، وبدأ التوتر بين تنسيقية الحركات الازوادية والحكومة عندما غادرت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة قواعدها في المنطقة وسلمتها للجيش المالي.
إن ما تشهده منطقة شمالي مالي اليوم هو نتيجة حتمية لانسحاب الحكومة المالية من الاتفاق وهذا ما أدى إلى تدهور الأوضاع، وقد شهدت هذه المنطقة في الآونة الاخيرة العديد من التوترات كان أولها انسحاب القوات الفرنسية بدعوة من الحكومة المالية.
القاعدة تدخل على الخط
صرحت مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة، أن هذه ليست المعركة الأولى غير المتكافئة مع من سمتهم “الإرهاب العالمي”، ولن تكون الأخيرة. وأوضحت المجموعة في بيان عبر تلغرام، أن قافلة تابعة لها وللجيش المالي، تعرضت لهجوم من قبل مسلحي جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، لكنها أشارت إلى أن مقاتلي أزواد، أعلنوا مسؤوليتهم عن الهجوم.
وفي سياق متصل، قالت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم القاعدة، في بيان تحققت من صحته منظمة سايت الأمريكية غير الحكومية المتخصصة برصد التنظيمات المتطرفة على الانترنت، إن مقاتليها نصبوا كميناً لقافلة تابعة للجيش المالي وحلفائه الروس من فاغنر جنوب بلدة تينزاوتين. وأكدت الجماعة المتشدّدة، أن الكمين أسفر عن مقتل 50 مرتزقاً روسياً وعشرة عسكريين ماليين، في حصيلة لم تتحدث عنها فاغنر ولا القوات المالية.
وسارعت “تنسيقية حركات ازواد” المتمردة من الطوارق، إلى نفي أي مشاركة لعناصر القاعدة في قتال الجيش المالي وحلفائه الروس، متهمة جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بمحاولة سرقة هذا الانتصار الكبير.
رؤية مستقبلية
هناك ترقب لتداعيات المعركة الأخيرة في شمالي مالي على أكثر من مستوى أهمها:
- اهتزاز صورة فاغنر لدى الرأي العام الافريقي خلال المرحلة المقبلة، في ظل المخاوف من تكرار تجربة الغرب المخفقة في مجال الحرب على الإرهاب، مما قد يدفعها إلى إعادة ترتيب صفوفها وشن حملة عسكرية في شمالي مالي كمحاولة لإعادة اعتبارها، وبالفعل فقد شن الجيش المالي مجموعة من الغارات استهدفت عمال مناجم الذهب في منطقة تينزاوتين. وتتزايد أيضًا مخاوف بعض دول الساحل إزاء قدرات فاغنر في مواجهة الإرهاب، مما قد يدفع تحالف كونفدرالية دول الساحل (مالي، النيجر وبوركينا فاسو) نحو توسيع دائرة تحالفاته الدولية وعدم الاعتماد على حليف دولي وحيد فقط هو روسيا، وذلك من أجل ضمان تعزيز القدرات الإقليمية في مواجهة التحديات الأمنية.
- من المتوقع أن تدفع المجموعات المتمردة في شمال مالي نحو البناء على الانتصار الأخير من خلال تكثيف عملياتها ضد الجيش المالي ومجموعة فاغنر من أجل الضغط عليهما بهدف إجبارهما على التراجع التكتيكي من الشمال المالي، وذلك لاسترداد المناطق التي فقدتها على يد قوات الجيش خلال الأشهر الأخيرة مثل كيدال. مما يعني توسيع القتال في شمال مالي خلال المرحلة المقبلة، مما يؤشر إلى استبعاد التوصل لإتفاق سلام جديد بين الحكومة المالية والمجموعات الانفصالية في شمالي البلاد.
- توتر العلاقات بين مالي والجزائر خلال الفترة المقبلة في ضوء الاتهامات الموجهة للأخيرة بدعمها للطوارق والمجموعات المسلحة في شمالي مالي، لا سيما في ضوء قلقها من وجود فاغنر عند حدودها الجنوبية، وهو ما قد يقلص علاقاتها مع الجانب الروسي أيضاً، بما يعزز حالة التوتر الإقليمي في الساحل، الامر الذي قد تستغله التنظيمات الإرهابية في توسيع عملياتها من أجل تعزيز نفوذها الجهادي في المنطقة خلال الفترة المقبلة، على نحو يهدد الامن والاستقرار الإقليمي في الساحل.
- ومن المتوقع ايضاً أن يتصاعد التنافس الروسي – الغربي في منطقة الساحل، خاصة أن الغرب سوف يستغل إخفاق فاغنر في محاولة لتأليب الرأي العام الأفريقي ضدها، وربما ينخرط الطرفان في مواجهات عديدة عبر ادواتهما في المنطقة. مما قد يتيح لتركيا فرصة تقديم نفسها كبديل في المنطقة من خلال تكثيف صادراتها التسليحية بخاصة المسيرات، الامر الذي يساهم في احتدام التنافس الدولي في المنطقة.
لقد تساءلنا في مقالتنا السابقة تحت عنوان “كونفدرالية مالي وبوركينا فاسو والنيجر.. الأهداف والتداعيات على منطقة الساحل الأفريقي”، عمّا إذا كانت ستذهب الولايات المتحدة الأمريكية لدعم الجماعات المسلحة في المنطقة، في حال ترسخ الوجود الروسي الفعلي في منطقة الساحل الافريقي وبلغ حدود المصالح الأمريكية؟ واليوم نتساءل ما إذا كانت بالفعل قد بدأت الولايات المتحدة بمواجهة روسيا في المنطقة، أما أنّ المعركة القائمة تأتي في سياق آخر منفصل؟
