الشائع

التقدّم الأوكراني في كورسك.. والفشل الروسي

بقلم الزميل غير المقيم رحيم عيزوقي

محامٍ وحقوقي

كلنا نعرف أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد وضع روسيا منذ سنتين ونصف تحت شعار: “هذه بلدك الآن هذه روسيا بلد في حالة حرب”. على الرغم من أن الروس يسمونها عملية عسكرية إلى الآن، فهم في حالة تحدٍّ لأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والغرب، وهذا يعني أنّ بوتين طالب الروس بالتضحية بلا نقاش، وهذا ما قابله “الناتو” بدايةً بالعقوبات الاقتصادية ثمّ الإمدادات العسكرية لأوكرانيا ولكن بنَفَسٍ أراد به “الناتو” ألا يُغضِب روسيا ويخرجها عن قواعد الاشتباك المعقولة لنطاق مجهول العواقب.

واليوم لا نرى أي حلول تلوح بالأفق رغم المحاولات من دول الخليج العربي والتي لم تثمر إلا عن عدة اتفاقيات لتبادل الأسرى، ومحاولات تركية لتذويب الجليد بين طرفي الحرب أدت لاتفاق يسمح بتصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر.

إنّ الفشل العسكري في كورسك ليس الأول في الحرب الأوكرانية – الروسية، فقد سبقه اضطرار الجيش الروسي لفكّ الحصار عن العاصمة الأوكرانية كييف، وأيضاً الانسحاب من خيرسون العاصمة الإقليمية الوحيدة التي استولت عليها القوات الروسية منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، ولا ننسى الصراع الذي نشب بين الإدارة الروسية وقوات “فاغنر” نتيجة الأخطاء العسكرية والتي انتهت باغتيال قائد “فاغنر” يفغيني بريغوجين.

واليوم ونحن نشهد التقدم الأوكراني في الحدود الروسية لأول مرة في منطقة كورسك، وهذا ما اعتبره الجميع فشلاً روسياً ذريعاً في وقت كان يتباهى فيه الروس وبوتين بالتقدم في المناطق الأوكرانية، وهذا إن دلّ على شيء فهو فشل روسي استخباراتي وفشل بالاستطلاع، فالتقدم الأوكراني جاء سريعاً وبدون مقاومة تذكر، وعليه نرى أن التقدم في كورسك يعني تغيّراً في قواعد الاشتباك ليس بين روسيا وأوكرانيا وإنّما الأكيد بضوء أخضر من أمريكا و”الناتو”، بعد أن كانت الولايات المتحدة تشترط على أوكرانيا الحرب والردّ ضمن المناطق الأوكرانية فقط.  

هذا وتبرز أهمية منطقة كورسك في أنها قبل الهجوم الأوكراني كانت تحوي انتشاراً للمدفعية وقاذفات الصواريخ البالستية إضافة إلى وجود المطارات العسكرية الروسية فيها مما يسمح للروس بتنفيذ ضربات يومية على منطقة سومي الأوكرانية وجوارها التي تقع على الحدود مع كورسك، وأيضاً العملية البرية في كورسك سمحت بتعطيل الدعم اللوجستي الخلفي للجيش الروسي.

فهل انتهى وقت التعنّت الروسي للذهاب للمفاوضات بعد هذا التطوّر العسكري؟ وهل تنبهت الإدارة الروسية ممثلة بالرئيس بوتين للهشاشة في البنية العسكرية الروسية وثغرات التنسيق بين الوحدات العسكرية الروسية المشاركة بالحرب حيث جاءت عملية كورسك نتيجة هذه الثغرات، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي ينكشف فيها ضعف التنسيق بين القوات الروسية؟

يبدو أن على الرئيس بوتين فتح باب التفاوض بشكل جدي واستباقي وعدم الاكتفاء بالمفاوضات من الباب الخلفي مع الولايات المتحدة والأوربيين، وفي هذا الصدد يقول العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف إنّه “إذا استطاع الجيش الأوكراني فعل ذلك قبل الانتخابات الأمريكية في نوفمبر 2024 فإنّه يضمن استمرار الدعم والمساعدة الغربية حتى لو بلغت إدارة جمهورية (دونالد ترامب – جيه دي فانس) البيت الأبيض لما سيكون بين يدَيْها من أدوات وأسباب تأخذ بها هذه الإدارة روسيا ضغطة وتفاوضها وتراوضها في قضايا كثيرة”[1].

وندلّل على هذا من الحركة الدبلوماسية والعسكرية الروسية حيث سافر بوتين للشيشان بعد ثلاثة عشر عاماً على آخر زيارة له، وبدا من هذه الزيارة أنها طلب مباشر من القوات الشيشانية للدخول إلى منطقة كورسك، فالمعروف أنّ الجنود الشيشان متمرسون في حرب المدن أكثر من الجيش الروسي الذي بدا عاجزاً في كورسك، والأهم هو زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى موسكو ثم إلى أوكرانيا والواضح أنه يحمل اقتراحات ورسائل سياسية وعسكرية من موسكو وهذه المرة الأولى التي تدخل على خط المفاوضات دولة كبرى بحجم الهند والتي اكتفت بالحياد طوال فترة الحرب الروسية – الأوكرانية ولو أن الهند كانت ميالة للجانب الروسي بتصريحاتها الرسمية. فهل استعان بوتين بصديقه الهندي، رغم تصريحات الكرملين على لسان نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف أنه لا مفاوضات بعد هجوم كورسك؟

لطالما راهنت روسيا في حرب الوكالة ضد الولايات المتحدة و”الناتو” على قوّتها العسكرية ولكنها خسرت كل حروبها من التهديد النووي والأزمة الكوبية إلى حرب أفغانستان وإلى الحرب الباردة. ولكن الفارق اليوم أن الحرب باتت في عقر دار بوتين وهذا ما لم يحدث منذ 1941 في الحرب العالمية الثانية، فما الخيارات المتاحة للقيادة الروسية؟

على الصعيد الداخلي ما زال الاقتصاد الروسي يحاول الإفلات من العقوبات الغربية ولكن الشعب الروسي يعرف أن قيادته تترنح اقتصادياً وباتت تتكل على الصين وكوريا الشمالية ومن قبلهما إيران بالسلاح والذخيرة، ولن يحتمل الغلاء والتدهور الاقتصادي أكثر بعد ارتفاع معدل البطالة وهروب الشباب الروسي خارج روسيا، أما الخطوة التي يحاول بوتين تجنبها فهي إعلان التعبئة العامة الاحتياطية للشباب الروس لتعويض الفاقد من قتلى الجيش الروسي والذي قد يلهب الشعب الروسي ضد قيادته فتكون الشعرة التي تقصم ظهر البعير، ولهذا لجأ الروس لتجنيد المرتزقة من عدة بلدان منها سوريا ومصر ودول إفريقية أخرى. 

وبالتوازي مع هذا يرفض الأوكران المفاوضات التي لا تفضي لانسحاب روسيا من المقاطعات الأوكرانية التي احتلتها ويراهنون على ازدياد الدعم الغربي والأمريكي بالسلاح النوعي. وهذا ما لاحظناه مؤخراً من إرسال طائرات F16 ومدفعية هيمارس إلى الجيش الأوكراني، ومع الصمت شبه المطبق من الأمم المتحدة وفشل مجلس الأمن من إيجاد حلّ للحرب الأوكرانية، أدرك الرئيس بوتين أنه تورط عميقاً بهذه الحرب ولا يستطيع الخروج منها إلا خاسراً أو شبه خاسر مع أن القيادة الروسية تبدي أنها غير مستعجلة بإنهاء الحرب ولكن ليس برغبتها وإنما نتيجة تعقيدات هذه الحرب، والأهم لأن لا أحد يمد لها يد المفاوضات الجدية ما دام بوتين وحده يعتقد أنه انتصر وأنه سيغير خارطة أوكرانيا، ورغم التسريبات التي صرّحت عن وجود مفاوضات أمريكية – أوروبية مع روسيا بشأن الحرب الأوكرانية والحديث عن ضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقبول مفاوضات سلام مع روسيا مقابل التخلي عن جزء من أوكرانيا لصالح الروس إلا أن الرسائل لم تنقطع يوماً بين “الناتو” وروسيا وإنما تنخفض وتيرتها وتتصاعد حسب الموقف لهذا لا يمكن التكهن بمآلاتها للآن.

وتبقى كورسك هي مؤشر التحول في هذه الحرب فقد صرح زيلينسكي أنه لا أطماع لبلده في روسيا ولا رغبة لهم في البقاء في كورسك وإنما هي قفزة لتقوية أوراق الأوكران بالتفاوض وحماية المدنيين الأوكرانيين من الهجمات الروسية القادمة عبر الحدود.

والأكيد أن بعد كورسك ليس كما قبلها وهذا يضع بوتين كما قال العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف “بين الانقلاب العسكري القومي واستخدام السلاح النووي”[2].

وأنا أتفق مع رأي الدكتور محمد وليد يوسف على أن الحرب الأوكرانية إن طالت أكثر لن يكون أمام بوتين سوى مواجهة انقلاب من الداخل الروسي وإزاحته من المشهد السياسي أو اللجوء للسلاح النووي، رغم أن استعمال السلاح النووي هو انتحار لروسيا وليس فقط للرئيس بوتين وإدارته وهذا ما لن تسمح به الإدارة الروسية وستفضل التضحية برئيسها على التضحية بروسيا كلها لما سيجعلها عرضة للتفتت والدخول في صراعات قومية داخلية.

المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط والمركز لا يتبنّى الآراء الواردة فيها.  


[1] ـ العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية في دراسته ” بوتين بين الانقلاب العسكري واستخدام السلاح النووي ” المنشورة على موقع المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية .

[2] العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية في دراسته “بوتين بين الانقلاب العسكري واستخدام السلاح النووي” المنشورة على موقع المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية.

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى