الشرق الأقصى على صفيح ساخن

بقلم الزميل المقيم حسان يونس

تمتاز العلاقات الصينية الأمريكية بدرجة من التعقيد والغموض، تجعل من الصعب بمكان الاستقراء والتنبؤ بمسار هذه العلاقات ومآلاتها.
خلال اجتماعه الطويل بالرئيس الصيني شي جين بينغ في بالي بإندونيسيا أواخر عام 2022، على هامش قمة مجموعة العشرين، أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن عزم الولايات المتحدة على إدارة المنافسة بين الطرفين، مستبعداً فكرة الصراع، حيث لا زال المسؤولون الأمريكيون يصرّون على امتناع بلادهم عن خوض الصراع مع الصين وإنما يريدون المنافسة القائمة على قواعد سلمية (1).
وفي سياق مشابه ذهبت التقديرات الاستخبارية الأمريكية لعام 2024 إلى أنّ تايوان “تعد نقطة اشتعال محتملة كبيرة للمواجهة بين جمهورية الصين الشعبية والولايات المتحدة”، لكن هذه التقديرات رجّحت أن تواصل الصين “ممارسة الضغط العسكري والاقتصادي بالإضافة إلى الرسائل العامة وأنشطة التأثير مع تعزيز التكامل الاقتصادي والاجتماعي طويل المدى عبر مضيق تايوان لحثّ تايبيه على التحرك نحو التوحيد” (2)، مستبعدة هي الأخرى خوض الصراع مع جمهورية الصين الشعبية.
خلافاً للتقديرات الاستخبارية والسياسية الأمريكية، يعتقد رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، أنه “لا سبيل إلى وصف التنابذ الأمريكي – الصيني في آسيا والمحيطين الهادي والهندي بالحرب الباردة كما لا سبيل إلى وصف ذلك بالتنافس بين هاتين القوتين
وأن جوهر النظام الدولي يأبى ذلك حيث غدا عهد التنافس أي عهد الحرب الباردة وراء ظهورنا ونستقبل عهد الصراع من الدورة التاريخية الجديدة لنظام عالمي متعدد الأقطاب ونودع عهد التعايش من الدورة التاريخية الآفلة لنظام دولي وحيد القطب”.
وعليه لا مناص من خوض الحروب الكبرى الإقليمية والدولية في عدة ساحات جيوسياسية حول العالم مثل شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا” (3).
وقد عقدت لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين، وهي منظمة مموّلة من الحكومة الأمريكية وتتابع العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، جلسة استماع، في 13 يونيو 2024، لبحث المخاوف المتعلقة باستعداد الصين لغزو تايوان. وجرى نشر تقرير حول جلسة الاستماع في موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكيCouncil on Foreign Relations كما نشر موقع “ذا دبلومات” (4) الأمريكي تقريراً تضمن تصريحات غريغوري ويشر من شركة دي غراسيا مينيرالس، التي أدلى بها للجنة؛ حيث قال: “إن قيام الحكومة المركزية الصينية بتخزين المعادن هو أحد المؤشرات المحتملة على أنها ربما تستعد لغزو تايوان”، مشيراً إلى أن المخزون الصيني، الذي تديره الإدارة الوطنية للاحتياطيات الغذائية والإستراتيجية الصينية، هو المسؤول عن إدارة “الكميات الكبيرة من المعادن مثل الألومنيوم والكوبالت والنحاس” التي تقوم الصين بتخزينها، على الأرجح “لأسباب إستراتيجية”. ولفت الى أن التخزين هو إجراء ليس فقط للتغلب على نقص الإنتاج من الموارد المختلفة، ولكن أيضًا لتجاوز المشاكل المتعلقة بتوريد وشراء تلك الموارد في حالة وقوع الدولة في حالة من السخط الدولي، كما ستفعل معظم دول العالم إذا حاولت السيطرة العسكرية على تايوان.
فيما قال مانوج كيوالراماني من معهد تاكشاشيلا في الهند في شهادته أمام اللجنة إنّه “خلال جلستَيْ مارس 2023، كان شي صريحاً في قوله إنّ البيئة الخارجية للصين أصبحت أكثر غموضًا وغير متوقّعة بشكل متزايد. واتهم الولايات المتحدة بالسعي إلى “الاحتواء والقمع الشامل للصين”. وكان هذا اتهامًا مباشرًا نادرًا من شي”.
وذكر الموقع مقارنة أوردها اثنان من الشهود قارنا بين تخزين الصين الحالي للموارد الرئيسية وأنشطة التخزين التي قامت بها ألمانيا النازية في أواخر الثلاثينيات، خاصة في فترة التحضير لغزو بولندا في سنة 1939. حيث شهد ويشر أمام اللجنة أن “ألمانيا خزنت كميات كبيرة من النحاس في سنتي 1938 و1939، وعندما غزت بولندا في سبتمبر 1939، كان لدى ألمانيا مخزون من النحاس يكفي لتغطية ما يقرب من تسعة أشهر من الاستهلاك المقدر في زمن الحرب”. وأضاف أن اليابان فعلت الشيء نفسه مع معادن مثل القصدير والبوكسيت في السنوات التي سبقت هجماتها في جميع أنحاء المحيط الهادي.
ونقل الموقع عن غوستافو فيريرا، من وزارة الزراعة الأمريكية، أنّ الصين “هي أكبر منتج للغذاء في العالم… وقد حققت مستويات عالية من الاكتفاء الذاتي الغذائي في المحاصيل الرئيسية مثل الأرز والقمح”، مبينًا أن هناك “نقاط ضعف” في النظام الغذائي الصيني. ونتيجة لذلك، تعتمد الصين على الواردات من “السلع الزراعية الرئيسية مثل الذرة وفول الصويا، وهي أكبر مشترٍ لهذه المنتجات في العالم”. وهو ما دفع الأكاديميين والمشرعين والتجار الأمريكيين الى طرح السؤال التالي: “ما الذي تستعد له الصين؟”.
وفي هذا الصدد تساءل أرلان سودرمان، كبير اقتصاديي السلع في مجموعة ستون إكس غروب، عن سبب قيام الصين بمشتريات محفوفة بالمخاطر ومكلفة من الذرة من أوكرانيا، مما يتطلب أن تمرّ الشحنات إما عبر البحر الأحمر أو حول الطرف الجنوبي من قارة أفريقيا (رأس الرجاء الصالح)، مشيرا إلى أنّه “من المفارقات أن الصين تشتري تلك الذرة لأن محصول الذرة لديهم كان وفيرًا، وذلك استنادًا إلى مصادرنا الخاصة في الصين”، مضيفًا أنهم يعتقدون أن محصول الذرة في الصين كان أكبر مما كانت الحكومة على استعداد للاعتراف به.
وخلص الموقع في تقريره الى أنّ هناك أسباباً كثيرة لتخزين الصين الحبوب، منها: الاستعداد للحرب والحصول على النفوذ على المنافسين والسيطرة على السوق وجنون العظمة وتهدئة المخاوف المحلية من نقص الغذاء وتأجيج المخاوف الدولية من الحرب.
إلى جانب التقارير التي تتحدث عن تخزين الصين للمواد الأساسية استعداداً “لطارئ ما”، كشف موقع بلومبيرغ الأمريكي، في 17 أغسطس 2024، أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) عزّز وجوده في غرب المحيط الهادي من خلال إرسال حاملة الطائرات الإيطالية “كافور”، وهي المرة الأولى التي تنشر فيها روما حاملتها الوحيدة في المحيط الهادي. وأجرت “كافور” وفرقاطة إيطالية مؤخراً تدريبات مع حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” بالقرب من جزيرة غوام. قبل أن تعلن وزارة الدفاع الأمريكية عن تحرك حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” إلى الشرق الأوسط لتنضم الى 35 قطعة بحرية أمريكية في منطقة الخليج وشرق البحر المتوسط، بما في ذلك حاملتَي الطائرات “يو إس إس ثيودور روزفلت” و”فرجينيا” اضافة إلى أربعين ألف مقاتل و200 طائرة، بحسب موقعIej المهتم بتتبع الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو ما يعني أنّ قوة الردع البحرية الأمريكية في المحيط الهادي ستعتمد على حاملة الطائرات الإيطالية “كافور” في ظل الانهماك الأمريكي بمنع حدوث تصعيد إقليمي في الشرق الأوسط.
في هذه اللحظة التي تتّجه فيها أنظار العالم إلى تصعيد محتمل في الشرق الأوسط، قد يكون الشرق الأقصى على موعد مع تصعيد غير محتمل وهذا يؤكد ما ذهب إليه الدكتور محمد وليد يوسف، من “أن العالم اليوم على أعتاب عهد الصراع من الدورة التاريخية القادمة من النظام الدولي وفي نهاية عهد التعايش من الدورة الآفلة وهو ما سيدفع العالم إلى خوض الحروب الفاصلة في الأعوام 2025 – 2030” (5) وهو صراع يتجنّب المسؤولون الأمريكيون مواجهته ويمارسون حالة إنكار له.
المراجع
- د.محمد وليد يوسف، دراسة منهجية كوانتية في بلوغ النظام الدولي ختام دورته السابقة وبدء دورة تاريخية جديدة ، اسيان والمحيط الهادي والهندي، 23 مايو 2023.
- تقرير تقييم التهديدات الأمريكي لعام 2024.
- د.محمد وليد يوسف، دراسة منهجية كوانتية في بلوغ النظام الدولي ختام دورته السابقة وبدء دورة تاريخية جديدة ، اسيان والمحيط الهادي والهندي، 23 مايو 2023.
- https://thediplomat.com/2024/06/why-is-china-stockpiling-key-resources/
- د.محمد وليد يوسف، دراسة منهجية كوانتية في بلوغ النظام الدولي ختام دورته السابقة وبدء دورة تاريخية جديدة، الشرق الأوسط 12 مايو 2023.
