التحالف الهش بين الصين وروسيا

بقلم الزميل المقيم حسان يونس

تطفو على سطح السياسة الدولية وقائع ومظاهر خادعة إذا ما قيست بما يحدث في العمق.
وغالباً ما تعكس التصريحات الرسمية والتسريبات والبيانات المتداولة واقعاً مخادعاً، يتولى استقراءه وتحليله جيش من المحللين السياسيين وعلماء الاجتماع والتاريخ، وتذهب إلى تسليط الضوء عليه أسراب من وسائل الإعلام، بحيث يغدو هذا الواقع المخادع حقيقة راسخة، يتطلب الخروج عليها وتفنيدها شجاعة وبصيرة خاصة.
إنه نوع من صناعة واقع بناءً على سطوة إعلامية زائفة كلياً أو جزئياً، من خلال قوة المعلومات وقدرة وسائل نشر المعلومات على تحويلها إلى قناعات وأفكار لدى قطاع واسع من الجمهور. يمثّل الحديث الرائج بقوة عن التحالف الروسي – الصيني أحد أشكال هذا الواقع الزائف والذي يشارك في تصنيعه إلى جانب صناع الرأي العام، المسؤولون الرسميون في الصين وروسيا، وللمفارقة يشارك المسؤولون الغربيون في هذا “التصنيع” من خلال حملة التصريحات القلقة والمحمومة والتي تندّد باستمرار العلاقات التجارية الصينية – الروسية في مجال السلع ذات الاستعمال المزدوج المدني والعسكري وهي علاقات سمحت حتى الآن للاقتصاد والصناعات العسكرية الروسية بالافلات من أنشوطة العقوبات الغربية غير المسبوقة التي فرضت على روسيا منذ فبراير 2022.
يشير رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، إلى طبيعة هذا التحالف في كتابه “القوانين السياسية المادية” الذي عمل على تصنيفه عام 2019، فأوضح أنّ “العلاقة بين روسيا والصين لا تقوم على أساس تحالف استراتيجي رغم عشرات الزيارات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين، وتذهب الصين دائماً إلى تأكيد أن الاقتصاد يقوم في أساس العلاقة مع روسيا، وتأبى إقامة شراكة أو تحالف استراتيجي معها، وذلك إيثاراً لعلاقاتها مع الولايات المتحدة على علاقاتها مع روسيا”. وهو ما يعني أنّ الضغط الأمريكي على كلّ من الصين وروسيا دفع بهما إلى التقاء موضوعي، لا مكان فيه للخيارات الاستراتيجية والانحيازات التاريخية وبمجرد أن يتوقّف الضغط الأمريكي على كلا البلدين أو أحدهما ستتغير خارطة العلاقات والتحالفات في الشرق الأقصى بسرعة انقلابية. وهذه الديناميكية السياسية أكدها الدكتور يوسف، في دراسة نشرها المركز الدولي للدراسات، في 23 مارس 2023، تحت عنوان: “دراسة منهجية كوانتية في بلوغ النظام الدولي ختام دورته السابقة وبدء دورة تاريخية جديدة.. آسيا والمحيطان الهادي والهندي”، حيث ذكر أنّ التحالف الروسي – الصيني هو تحالف الضرورة الملحّة وليس تحالف الخيارات الاستراتيجية: “التحالف الصيني- الروسي- الإيراني لا يجمع بين بلدانه سوى سعي الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها إلى احتوائها وفرض عقوبات عليها ووضع ضوابط وقيود صارمة على وصولها إلى التكنولوجيا المتطورة وحرمان إيران وروسيا من نظام سويفت للمراسلة البنكية ومنع وصولهما إلى أسواق التمويل العالمية وغيرها من ضروب التقييد والضبط”.
يمكن تلمّس هشاشة التحالف الروسي – الصيني في تعثر الطموحات الروسية لعقد اتفاق مع الصين لتأسيس خط أنابيب “قوة سيبيريا 2” للغاز الذي من شأنه أن يوفر لموسكو سوقاً بديلاً لتصدير الغاز عن السوق الأوروبي الذي توقف بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، رغم تأكيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ختام زيارته لبكين، في 17 مايو 2024، أن موسكو وبكين أكدتا اهتمامهما بالمضي قدماً في مشروع خط أنابيب الغاز المقترح “قوة سيبيريا 2” (Power of Siberia 2).
في هذا الإطار علقت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في 21 اغسطس 2024، على المعلومات التي تفيد بأنّ منغوليا لم تدرج خط أنابيب الغاز في خطتها للتنمية الوطنية حتى عام 2028، قائلة إنّ “المشروع على درجة عالية من الجاهزية، وبدء التنفيذ العملي سيكون ممكناً فور الاتفاق مع الجانب الصيني على الأسعار وحجم إمدادات الغاز وتوقيع الوثائق الملزمة”. وأشارت إلى أنّ المفاوضات حول هذه المسألة جارية بين شركة “غازبروم” الروسية وشركة البترول الوطنية الصينية.
ومن المفترض أن يضخ خط “قوة سيبيريا 2” خمسين مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى شمال شرق الصين، وهو ما يعادل تقريباً خط أنابيب “نورد ستريم 1” بين روسيا وألمانيا، المتوقف حالياً. وستضاف إلى 38 مليار متر مكعب تصدَّر من روسيا للصين عبر خط قوة “سيبيريا 1” القائم حالياً. وقد تكررت المحاولات الروسية في العام الماضي خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى موسكو وكذلك خلال زيارة بوتين إلى بكين، لكن المفاوضات خلال العامين الماضيين لم تسفر عن إحراز تقدم بشأن خط الغاز، كما لم تسفر زيارة بوتين الاخيرة الى بكين عن التوصل إلى اتفاق بشأن خط أنابيب “قوة سيبيريا 2”.
بحسب تقرير لمجلة News Week الأمريكية، في 14 يناير 2024 ، تطالب الصين روسيا بتحمل المزيد من تكاليف بناء الخط إن لم يكن كلها، فيما كشف تقرير لصحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية في 25 مايو 2023، أنّ تعثر محاولات روسيا لإبرام صفقة كبيرة حول خط أنابيب غاز “سيبيريا 2” مع الصين؛ ناتج عن مطالبات بكين بشأن مستويات الأسعار. حيث طلبت الأخيرة بأن تدفع ما يقارب الأسعار المحلية المدعومة في روسيا ولم تلتزم إلا بشراء جزء صغير من الطاقة السنوية المخططة لخط الأنابيب البالغة 50 مليار متر مكعب من الغاز. وهكذا فإن تصريح ماريا زاخاروفا حول “الاتفاق مع الجانب الصيني على الأسعار وحجم إمدادات الغاز” يعكس حالة من العبث السياسي باعتبار أن الاتفاق على هذه النقاط متعثر ومستعصٍ منذ عامين.
