الشائع

"تحالف الشرّ الرباعي" بين رؤية الدكتور محمد وليد يوسف... ونقاشات النخب الأمريكية

بقلم الزميل المقيم حسان يونس

يمثل النقاش حول خطورة وآلية التعامل مع التحالف الرباعي الصيني – الروسي – الإيراني – الكوري الشمالي إشكالية عميقة دفعت النخبة السياسية الأمريكية إلى أن تكون في انقسام عمودي حادّ.

يتبنى الحزب الجمهوري الأمريكي وبخاصة الرئيس السابق والمرشح الرئاسي الحالي دونالد ترامب استراتيجية “تعكس” استراتيجية وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر التي اتبعها مع الصين لإبعادها عن المحور الشيوعي والتي سمحت للصين أن تكون حيث هي الآن وقد نجح في ذلك.

بحسب تقرير موسع نشره ياروسلاف تروفيموف بعنوان “التحدي التالي الذي يواجه الغرب هو محور الأنظمة الاستبدادية الصاعد” في صحيفة “وول ستريت جورنال”، في 24 أغسطس 2024، واستند فيه إلى مسؤولين ومشرعين أمريكيين ومراكز أبحاث أمريكية مرموقة في الولايات المتحدة كالمعهد الأطلسي ومؤسسة راند للأبحاث، يتساءل أصحاب هذه الاستراتيجية عن جدوى الصراع المفتوح مع الأطراف الأربعة بحيث أصبحت الصين أكثر عدوانية واتجهت إلى التوسع في بحر الصين الجنوبي بطريقة صدامية مع السفن الفلبينية واليابانية ومجال الدفاع الجوي التايواني، فيما تجرأت إيران على قصف إسرائيل، في 14 أبريل 2024، وتهدد حالياً بردّ آخر، استدعى حشوداً أمريكية  ضخمة إلى الشرق الأوسط إضافة إلى عدوانية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يضع إصبعه على الزناد النووي ويلوّح به.

ويضيف الجمهوريون إلى تساؤلهم تحذيرات من أنّ الولايات المتحدة تعاني من أزمة سلاح وسط كل هذه التوترات والصراعات المحتملة. وهو ما أقر به جي دي فانس المرشّح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس.

كما أقرّت شركات صناعة السلاح الأمريكية في تسريبات مختلفة أن الولايات المتحدة تعاني من مشكلة في إنتاج الذخائر والصواريخ والسفن وكذلك تطرق هال براندز، أستاذ كرسي هنري كيسنجر المتميز للشؤون العالمية في كلية “جونز هوبكنز” للدراسات الدولية المتقدمة والزميل البارز في معهد “أميركان إنتربرايز”، في مقاله “الحرب الكبرى الشاملة المرتقبة”، المنشور في مجلة “فورين أفيرز” في 26 يناير 2024، إلى ضعف منظومة التسليح الأمريكية في حال اندلاع مواجهة شاملة.

لذا يطالب الجمهوريون بمحاولة احتواء أحد الأطراف الأربعة واستقطابه وبالتحديد الطرف الروسي، الذي صرّح المرشح الرئاسي دونالد ترامب مراراً أنّه سينهي الصراع معه خلال أربعة وعشرين ساعة في حال انتخابه من خلال التنازل لروسيا عن الجزء الشرقي من أوكرانيا في مقابل فكّ الارتباط الروسي مع الصين وإدخال روسيا في دائرة أي عقوبات محتملة على الصين وإيقاف التعاون التجاري بين البلدين بحيث لا تكون روسيا عمقاً استراتيجياً للصين يجري استعماله لابتزاز الأوروبيين ومقايضتهم بضغط صيني على روسيا وتهدئتها في مقابل  ضغط أوروبي على الإدارة الأمريكية الديمقراطية وتهدئتها في مواجهة الصين.

تفترض الاستراتيجية الجمهورية أنّ الصين هي العدو الرئيسي وأن احتواء طرف قوي من محور الشرّ الرباعي هو ضرورة للتفرغ من أجل التعامل مع التهديد الصيني.

يطرح تروفيموف في مطلع تقريره التساؤل التالي: تدرس الولايات المتحدة وحلفاؤها ما إذا كانوا سيواجهون جميع المنافسين في وقت واحد، أو يسعون إلى التسوية مع بعضهم؟!”. ويضيف “إن الشراكة المتماسكة بين الأنظمة الاستبدادية بقيادة الصين وروسيا سوف تفرض خيارات استراتيجية على الديمقراطيات الغربية، بغض النظر عمّن سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأميركية. فهل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها ردع كل هؤلاء المنافسين ــ بما في ذلك إيران وكوريا الشمالية ــ في الوقت نفسه؟”.

كان قد سبق للدكتور محمد وليد يوسف، رئيس المركز الدولي للدراسات أن طرح إجابة غير مباشرة على هذه التساؤلات في “دراسة منهجية كوانتية في بلوغ النظام الدولي ختام دورته السابقة وبدء دورة تاريخية جديدة – الجزء الثاني”، نشرت في 23 مايو 2023، واعتبر فيها أنّ “الاحلاف التي تقيمها الصين تعتورها عيوب ونواقص تطعن في جدواها وعملها باستثناء التحالف الصيني – الكوري الشمالي فإنه لا يعاني من العيوب ومواطن الضعف مثل بريكس وشنغهاي والتحالف الصيني – الروسي – الإيراني”.

وبحسب الدكتور يوسف فإنّ “من مواطن الضعف الجوهرية لهذه الأحلاف هو غياب الايديولوجيا الموحدة بين اعضائها بل التمحيص فيها يكشف عن تنافر وتجاحد كبير بين الايديولوجيا التي تصدر عنها وتنطلق منها دولها حيث يستحيل اجتماع النقائض في حلف واحد”. ويضيف “أما التحالف الصيني – الروسي – الإيراني فإنه لا يجمع بين بلدانه سوى سعي الولايات المتحدة مع حلفائها إلى احتوائها وفرض عقوبات عليها ووضع ضوابط وقيود صارمة على وصولها إلى التكنولوجيا المتطورة وحرمان روسيا وإيران من نظام سويفت للمراسلة البنكية ومنع وصولهما إلى أسواق التمويل العالمية”. وكان هال براندز قدّم تحليلا مطابقاً في مقالته: “فإن القواسم المشتركة الأساسية التي تربط الدول التعديلية (الدول التي تهدف إلى تغيير أو وضع حد للنظام الدولي القائم) هي الحكم الاستبدادي والمظالم الجيوسياسية، إضافة، في هذه الحالة، إلى الرغبة في كسر النظام الذي تقوده الولايات المتحدة والذي يحرمهم من العظمة التي يرغبون فيها. إن بكين، وموسكو، وطهران هي القوى الصاعدة والتي تكافح ضد واشنطن وحلفائها”.

يتقاطع الديمقراطيون مع رؤية الدكتور يوسف ويرون أن محور الشرّ الرباعي ينضوي على تحالف غير وثيق ويفتقر إلى الثقة بين أطرافه وهو لا يرقى إلى تعاون عسكري تقليدي تنتقل بموجبه الأسلحة بين أطرافه أو يتدفق ضمنه الغاز الروسي إلى الصين أو تنتقل وفقه طائرات “سو-35” الروسية أو نظام الدفاع الجوي “إس-400” الروسي إلى إيران أو التكنولوجيا النووية الروسية إلى كوريا الشمالية لتحديث المقذوفات النووية. فكل هذه الصفقات والاحتياجات لم تحصل وتحول دونها مصالح متباينة وحسابات مختلفة.

ينظر الديمقراطيون إلى هذا التحالف باعتباره تحالفاً وليداً غير مكتمل وتعوزه الثقة بين مكوناته الأربعة فالإيرانيون لا يثقون بالروس الذين يتباطؤون في تزويدهم بصفقة طائرات “سو 35” ونظام دفاع جوي “إس 400” بعدما تعرضوا لانتهاك إسرائيلي سيادي جسيم باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في عقر دارهم. وبعد احتشاد البحرية الأمريكية أمام السواحل الإيرانية، مهددة بدكّ المنشآت النفطية والنووية الإيرانية في حال حصول أي ردّ إيراني مرتقب على إسرائيل، رغم أن إيران زوّدت روسيا بمسيّرات “شاهد” وبصواريخ متوسطة المدى في أوج الاحتياج الروسي لمصادر أسلحة بعد الغزو الروسي لاوكرانيا في شباط 2022.

تحتاج إيران التعاون الروسي الاستخباري والعسكري لامتلاك زمام القدرة على ردّ متوازن يعيد إليها قوة الردع، لكن الروس دعوا الإيرانيين إلى امتصاص الصدمة وقدموا بضعة طائرات هيلكوبتر لا تحمي ولا تغني من خوف، كذلك تنظر الصين بترقب إلى روسيا ونفوذها المتزايد على كوريا الشمالية، الدولة الجارة والحليفة، وتضنّ باستثماراتها الحيوية والفائقة التقنية على روسيا وإيران فيما تجود بها على دول الخليج وتتمنّع عن إتمام صفقة خط غاز “قوة سيبيريا 2” رغم الإلحاح الروسي.


وبحسب تروفيموف، يدعو الديمقراطيون إلى التعامل مع ثغرات هذا التحالف الوليد غير الراسخ دون الحاجة إلى استقطاب أي طرف واحتوائه لأن اي طرف لم يصل بعد إلى قوة وخطورة تستحق الاحتواء. ويفضل الديمقراطيون توجيه اللكمات إلى أطراف محور الشر الرباعي بالوكالة من خلال تسليح أوكرانيا ومنحها الضوء الأخضر لاستهداف العمق الروسي واجتياح الأراضي الروسية  وكذلك تسليح دول اسيان والفلبين وفيتنام وتايوان وكوريا الجنوبية وأستراليا لتطويق الصين وممارسة الردع على إيران بالتعاون مع الاسرائيليين وفرض مزيد من العقوبات عليها وعندما تجد هذه الأطراف أنها لا تستطيع الاعتماد على بعضها تفقد الثقة ويتحلل هذا التحالف كما حصل بين إيران وروسيا وطالما أن الولايات المتحدة تحارب بالوكالة فإن قاعدتها العسكرية الصناعية ستكون بأمان ولن تستنزف. ويرفض الديمقراطيون مقولة  الحرب العالمية الثالثة التي يحذر منها ويهول بها “دونالد ترامب” في حملته الانتخابية لأنهم لا يخوضون حروبا مباشرة بل بالوكالة الا في حال استهداف البر الرئيسي الأمريكي من قبل الأطراف الأربعة أو احدها. وكذلك لا يبتعد هال براندز، عن رؤية الدكتور يوسف فيورد “وكما كانت الحال في الثلاثينيات، فإن القوى التعديلية (الدول التي تهدف إلى تغيير أو وضع حد للنظام الدولي القائم) لا يتفقون دائماً بعضهم مع بعض في وجهات النظر. وتسعى كل من روسيا والصين إلى التفوق في آسيا الوسطى، كما أنهما تندفعان نحو الشرق الأوسط، بطرق تتعارض أحياناً مع مصالح إيران هناك. وإذا نجحوا في نهاية المطاف في إخراج عدوهم المشترك، وهو الولايات المتحدة، من أوراسيا، فقد ينتهي بهم الأمر إلى القتال في ما بينهم على الغنائم، تماماً كما كانت قوى المحور ستنقلب بعضها على بعض بالتأكيد، لو أنها هزمت منافسيها بطريقة أو بأخرى. ومع ذلك، تزدهر في الوقت الحالي، العلاقات بين القوى التعديلية، وتصبح الصراعات الإقليمية في أوراسيا أكثر ترابطاً وتداخلاً”.


المقالة تعبّر عن رأي كاتبها فقط.

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى