البلوش يهدّدون مشروع "الحزام والطريق" الصيني.. هل تسحب بكّين استثماراتها من باكستان؟!

شهدت باكستان يوم الأحد 25 أغسطس 2024 هجمات دموية أسفرت عن مقتل أكثر من 70 شخصاً في إقليم بلوشستان الذي يعدّ إقليماً غنياً بالموارد، كما أنّه يشكّل محطّة أساسية في المشروع الصيني الاقتصادي (الحزام والطريق)، فيما اتّهمت حكومة إسلام آباد من تطلق عليهم صفة “المتمرّدين الانفصاليين” بأنّهم يسعون إلى عرقلة مشاريع التنمية المرتبطة بالممرّ الاقتصادي الصيني – الباكستاني.
وأعلن “جيش تحرير بلوشستان” الانفصالي مسؤوليته عن الهجمات التي وقعت بشكل متزامن على أقسام شرطة وخطوط سكك حديدية وطرق سريعة في الإقليم الذي يعدّ أكبر أقاليم باكستان لكنه الأقل تطوراً.
استثمارات صينية بالمليارات
وتعدّ الهجمات الأخيرة الأوسع نطاقاً التي يشنّها المسلحون القوميون منذ سنوات في إطار سعيهم لتحقيق انفصال الإقليم الغنيّ بالموارد والذي تستثمر فيه الصين مشاريع كبرى مثل ميناء غوادار بمياهه العميقة إضافة إلى منجم للذهب والنحاس.
ويتضمّن الممرّ الاقتصادي الصيني – الباكستاني، التزامات تنموية بقيمة 65 مليار دولار، وهو جزء من مشروع “الحزام والطريق” الذي جعل منه الرئيس الصيني شي جين بينغ مشروعاً استراتيجياً يهدف من خلاله لإعادة الصين إلى موقع القطب العالمي لمقارعة الولايات المتحدة الأمريكية.
وتستعين باكستان بالصين لبناء البنية التحتية اللازمة للاستفادة من الموارد المعدنية في إقليم بلوشستان المضطرب والفقير، وقد ندّدت بكّين بالهجمات وتعهدت على لسان المتحدّث باسم وزارة خارجيّتها، لين جيان، بمواصلة دعم باكستان بقوة في مكافحة الإرهاب، للحفاظ بشكل مشترك على السلام والأمن الإقليميين”.
كما عبّرت الصين في وقت سابق عن قلقها إزاء أمن مواطنيها الذين يعملون في مشاريع البنية التحتية داخل باكستان وخاصة في بلوشستان، بعد مقتل عدد من المهندسين الصينيين الذين كانوا يعملون في مشروع سدّ في مارس 2024 في شمال غربي البلاد.
عرقلة المشاريع الصينية في باكستان
وعقب الأحداث الأخيرة، اتّهمت إسلام آباد على لسان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف “الانفصاليين” بأنّهم يسعون إلى عرقلة مشاريع التنمية المرتبطة بالممر الاقتصادي الصيني -الباكستاني.
وتعدّ العلاقة بين باكستان والصين من أهم العلاقات الاستراتيجية في منطقة جنوب آسيا، وتلعب دورًا حيويًا في السياسة الإقليمية والدولية. وتشكّل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية جزءًا كبيرًا من هذه العلاقة، إذ تُعد باكستان إحدى الدول الرئيسية المشاركة في هذا المشروع.
فمن خلال الممرّ الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، الذي يُعتبر محطّة رئيسية ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، تسعى الصين لتعزيز بنيتها التحتية وتوسيع تجارتها عبر آسيا إلى أوروبا وأفريقيا. ويشمل هذا المشروع الاستثماري بناء شبكات طرق وسكك حديدية وموانئ، ومن أبرزها ميناء غوادار في إقليم بلوشستان والذي يمتاز بمياهه العميقة التي تسمح للسفن العملاقة بالرسوّ فيه وإنزال البضائع أو تحميلها لاستكمال طريقها إلى وجهاتها في بقية الدول الآسيوية وأوروبا وافريقيا.
من جهتها، تعتبر باكستان هذه المبادرة فرصة كبيرة لتنمية اقتصادها وتحسين بنيتها التحتية، خاصة في المناطق النائية مثل بلوشستان. ومع ذلك، يواجه هذا المشروع تحديات كبيرة من قِبل الانفصاليين البلوش، الذين يرون أن هذه المشاريع لا تعود بالنفع على سكان الإقليم، بل تفيد الحكومة المركزية في إسلام آباد والصين فقط.
ويعتبر البلوش أنّ ثروات الإقليم تُستغل من دون فائدة تُذكر للسكان المحليين، مما دفعهم لمهاجمة المشاريع الصينية والعاملين فيها في محاولة لتعطيل تنفيذ هذه المشاريع.
ووقع هجوم انتحاري على سيارة متحركة يستقلّها مهندسون صينيون، في 26 مارس 2024، حيث قُتل جميع الصينيين الخمسة الذين كانوا على متنها، إضافة إلى سائقهم الباكستاني، في منطقة بيشام بإقليم خيبر بختونخوا شمال غربي باكستان.
وقالت الشرطة الباكستانية إنّ 6 أشخاص لقوا حتفهم في انفجار عند تعرض موكبهم لهجوم انتحاري، وهذا هو ثالث هجوم كبير يستهدف المصالح الصينية في باكستان خلال أسبوع. واستهدف الانفجاران السابقان قاعدة جوية وميناء استراتيجياً في إقليم بلوشستان.
وتشكّل هذه الهجمات تحديًا كبيرًا للحكومة الباكستانية والصينية على حدّ سواء. في حين تسعى الحكومة الباكستانية إلى تأمين المناطق التي تجري فيها المشاريع، إلا أن هذه الجهود لم تُحقق نتائج دائمة، إذ تستمر الهجمات وتتزايد في بعض الأحيان.
الصين تسحب استثماراتها من باكستان؟
وضعت الهجمات البلوشية ضغوطًا على العلاقات الصينية – الباكستانية، حيث تطالب الصين بضمانات أكبر من باكستان لحماية استثماراتها ومواطنيها، فيما تولي باكستان أهمية كبرى للحفاظ على العلاقة مع الصين، نظرًا للدعم الاقتصادي والسياسي الكبير الذي توفره بكّين لها.
إلّا أنّ استمرار هذه الهجمات الدموية وتأثيراتها على الاستثمارات الصينية الضخمة في باكستان قد يدفع الصين ضرورة إلى الانسحاب من باكستان حفاظاً على حياة مواطنيها العاملين هناك وبنية مشاريعها الضخمة التي تضخّ فيها مليارات الدولارات.
إلّا أنّ نتائج كارثية قد تحلّ على الصين إن تمّ دفعها إلى اتّخاذ هذا القرار، إذ أنّ ذلك سيشكّل ضربة قاصمة لمشروع الصين “الحزام والطريق” برمّته، وقد يهدّد مسعى الصين لتكون قطباً عالمياً في الدورة التاريخية المقبلة من النظام الدولي، إذ أنّ بلوغ الصين هذه المنزلة القطبية اقترن تاريخياً، بحسب ما يذكر الدكتور محمد وليد يوسف، باستكمال بناء طريق الحرير القديم الذي يشكّل الأداة الأعظم لدى الصين لتبوّؤ منزلة قطب عالمي في النظام الدولي.
