الشائع

الكونغو الديمقراطية والأزمة التي لا تنتهي

بقلم الباحث المقيم جمال خضرو

مجاز في علم التاريخ، وباحث مقيم لدى المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، ومسؤول الدائرة الجيوسياسية لمنطقة أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى.

عندما نتحدث عن أزمة الكونغو الديمقراطية فنحن نعني بذلك حالة الفوضى وعدم الاستقرار والنزاعات الدائمة التي تشهدها الأقاليم الشرقية في الكونغو الديمقراطية منذ ثلاثة عقود، فمنذ ذلك الوقت شهد هذا البلد العديد من الصراعات الإقليمية التي اتسمت بالعنف والدمار، وشهد أيضاً العديد من المحاولات الفاشلة لتحقيق الاستقرار وإرساء السلام.

وفي هذا المقال سنعرض أهم جوانب الأزمة من خلال الإجابة على هذه الأسئلة: كيف بدأت أزمة الكونغو الديمقراطية؟ وما هي العوامل التي تعمل على استمرارها؟ ولماذا فشلت بعثة الأمم المتحدة في حلّها؟  

جذور الأزمة

تعود جذور أزمة الكونغو الديمقراطية إلى جارتها رواندا التي شهدت عام 1994 أحداثاً صادمة عرفت بـ”الإبادة الجماعية في رواندا”، حيث تعرضت أقلية التوتسي التي كانت تتمتع بشيء من النفوذ خلال حقبة الاستعمار لإبادة عرقية هي الأسوأ في التاريخ المعاصر، وقد راح ضحية هذه الإبادة قرابة الـ800 ألف ضحية تمت تصفيتهم بأبشع الطرق والأساليب خلال ثلاثة أشهر فقط من قبل متعصبي الهوتو الذين كانوا يحكمون البلاد في ذلك الوقت.

وبدأ التوتسي بعد ذلك بتمرد انطلق من أوغندا وكان هذا التمرد تحت راية “الجبهة الوطنية الرواندية” التي كان يتزعمها بول كاغامي، وبعد معارك ضارية نجحت الجبهة في السيطرة على كامل البلاد، مما أدى إلى نزوح ما يقارب 1.5 مليون شخص من الهوتو إلى الكونغو الديمقراطية حيث فروا من رواندا ودخلوا الأراضي الكونغولية، ليعيدوا بعد ذلك تنظيم صفوفهم واستئناف عملياتهم ضدّ التوتسي، وقد أصبحوا مصدراً للتهديد والقلق بالنسبة لحكومة رواندا، فكان تواجدهم في شرق الكونغو سبباً كافياً لبدء حرب الكونغو الأولى عام 1996.

بدأت حرب الكونغو الأولى حين هاجمت كلُّ من رواندا وأوغندا أراضي الكونغو لمطاردة مسلحي الهوتو، وكان ذلك بالتنسيق مع المتمردين الكونغوليين الذين كانوا يسعون للقضاء على موبوتو سيسي سيكو الذي حكم الكونغو الديمقراطية بقبضة من حديد زهاء ثلاثة عقود.

وقد نجح هذا الحلف في إزالة موبوتو عن العرش، ليتسلّم زعيم المتمردين لوران كابيلا حكم البلاد، وفي بداية حكمه عيّن كابيلا العديد من الروانديين كمسؤولين في حكومته، لكنه سرعان ما انقلب على حلفائه السابقين الذين سيطروا على أجزاء شاسعة من البلاد، فطالبهم بأن يخرجوا من الكونغو، وقام أيضاً بإقالة المسؤولين الروانديين الذين عينهم في مناصب حكومية هامة.

وما فعله كابيلا كان كفيلاً بأن يشعل شرارة حرب الكونغو الثانية (1998 – 2003) إذ قامت كلُّ من رواندا وأوغندا بالتوسع داخل أراضي الكونغو للقضاء على كابيلا ولإنشاء منطقة حدودية تحت إدارة القوات الرواندية وذلك من أجل حماية الأراضي الرواندية من خطر مسلحي الهوتو.

وفي هذه الحرب تعددت أطراف الصراع، حيث شاركت كلُّ من أنغولا وناميبيا وزيمبابوي إلى جانب الكونغو الديمقراطية ضد رواندا وأوغندا، فكانت هذه الحرب من أكثر الحروب دماراً، حيث “تسببت في أكثر من 350 ألف حالة وفاة نتيجة للعنف، وأكثر من خمسة ملايين حالة وفاة إضافية بين المدنيين نتيجة لظروف الحرب وأجوائها”([1]) وقد انتهت هذه الحرب حين انخرطت أطراف الصراع في اتفاقيات سلام متتالية لإنهائها.

وقود الأزمة

بالرغم من انتهاء الحرب الكونغولية الثانية إلا أن الأزمة لم تنتهِ بعد، إذ لا يزال النزاع قائماً في شرق البلاد، حيث انزلقت الكونغو الديمقراطية نحو حلقة مفرغة من الصعب جداً الخروج منها، وإلى يومنا هذا تدور الأزمة الكونغولية داخل هذه الحلقة، فهناك العديد من العوامل التي تحجب الاستقرار عن الكونغو وتعمل على تغذية الأزمة فيها، ومن أبرز هذه العوامل: الفساد السياسي، وغياب القانون، والمركزية الهشة، وتهميش بعض الإثنيات، وتصاعد خطاب الكراهية، والانتشار الكبير للمليشيات المسلحة في شرق البلاد… كل هذه العوامل التي ذكرناها لا تؤدي فقط إلى استمرار الأزمة، بل تؤدي إلى تفاقمها أيضاً.

ويعد توزع المليشيات المسلحة في شرق الكونغو الديمقراطية من أكثر العوامل وضوحاً وتجلّياً في هذه الأزمة، إذ أن عدد الجماعات المسلحة في شرق الكونغو يفوق الـ 200 جماعة.

من أبرز هذه الجماعات (حركة 23 مارس) التي يشكل التوتسي غالبية أعضائها، وقد ظهرت هذه المليشيا عام 2012 وبدأت بالتوسع شرق البلاد إلا أنها هُزِمَتْ وغابت عن المشهد، لكنها أعادت ترتيب صفوفها من جديد واستأنفت القتال أواخر عام 2021 ونجحت في السيطرة على العديد من المناطق الاستراتيجية الواقعة بالقرب من الحدود الرواندية والأوغندية.

وهناك العديد من الأدلة التي تأكد تلقي هذه الجماعة الدعم من رواندا، فمنذ ظهورها على ساحة النزاع بدأت الحكومة الرواندية بدعمها حيث قدمت لها الدعم العسكري واللوجستي، وبفضل هذا الدعم فرضت “حركة 23 مارس” سيطرتها على العديد من المناطق الغنية بالثروات الطبيعية.

فرواندا تجد نفسها مضطرة لدعم “حركة 23 مارس”، وذلك لحماية أمنها من خطر (القوات الديمقراطية لتحرير رواندا) المكونة من الهوتو الروانديين الذين لجأوا إلى الكونغو بعد ارتكابهم للمجازر بحق التوتسي عام 1994، وإلى اليوم تشكل هذه القوات الخطر الأكبر بالنسبة لرواندا، إذ يعتنق أفرادُها آيديولوجية عرقية متطرفة معادية للحكومة الرواندية واثنية التوتسي.([2])

وبالإضافة إلى رواندا، تقوم أوغندا أيضاً بدعم “حركة 23 مارس”، وذلك حسبما ورد عن تقرير للأمم المتحدة جاء فيه قيام كامبالا بالسماح لقادة هذه الحركة بممارسة أنشطتهم داخل الحدود الأوغندية دون أي مساءلة.

ولأوغندا دوافع اقتصادية وأخرى أمنية تدفعها إلى التدخل في شرق الكونغو الديمقراطية، إذ يتمثل الدافع الاقتصادي بالنسبة لكامبالا في استخراج الذهب والمعادن الأخرى من المناجم الغنية، أما على الصعيد الأمني فتحاول كامبالا حماية أراضيها من خطر مليشيا (القوات الديمقراطية المتحالفة) الموالية لتنظيم داعش، وتتواجد هذه المليشيا في شرق الكونغو منذ عام 1995 وتهدف إلى إسقاط الحكومة الأوغندية.([3])

ولمواجهة المليشيات التي تعادي حكومة الكونغو الديمقراطية، تستعين كينشاسا بمرتزقة أوروبيين يعملون لصالح شركة عسكرية بلغارية، حيث تعتمد عليهم في صراعها ضد الجماعات المسلحة المناوئة لها.([4])

لكن اعتماد كينشاسا على المرتزقة الأوروبيين يُظهر لنا مدى هشاشة وضعف الجيش الكونغولي، كما ويكشف الستار عن الدور الفاشل لبعثة الأمم المتحدة (مونوسكو) في تحقيق الاستقرار في البلاد.

بعثة الأمم المتحدة وفشلها في حل الأزمة

لقد تحدث العالم السياسي الدكتور محمد وليد يوسف في كتابه (القوانين السياسية المادية) عن عجز منظمة الأمم المتحدة في تحقيق السلام والاستقرار في المناطق التي تعاني من الأزمات والصراعات، فمنذ نشأتها فشلت الأمم المتحدة في حل الكثير من الأزمات حول العالم، ولا سيما في القارة الإفريقية، حيث فشلت هذه المنظمة في منع الإبادة الجماعية التي تعرض لها التوتسي في رواندا عام 1994، كما عجزت في السودان عندما ارتكب الجيش السوداني المجازر في إقليم دارفور عام 2003، وهي الآن تقف عاجزة أمام الأزمة المتفشية في الكونغو الديمقراطية، فلذلك “يقتضي الإنصاف والحق بيان أن الأمم المتحدة مؤسسة عاجزة لا تقدر على شيءٍ سوى أن تكون منبراً يخطب فيه رؤساء الدول والحكومات وغيرهم من السياسيين”.([5])

لقد عجزت بعثة الأمم المتحدة (مونوسكو) عن معالجة الأسباب والعوامل التي تعمل كوقود لاستمرار الأزمة، فبالرغم من امتلاكها للعتاد والدعم، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله، حيث فشلت في تحييد الجماعات المسلحة عن الصراع، وظهر عجزها أيضاً في حماية المدنيين من خطر الجماعات المسلحة، وبسبب ذلك فقدت كينشاسا ثقتها بدور هذه البعثة.

مما دفع الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسكيدي إلى المطالبة بمغادرة  بعثة الأمم المتحدة من أراضي الكونغو الديمقراطية وشدد على أن انسحاب البعثة الأممية ضروري للغاية وذلك لتخفيف التوترات بين البعثة والمواطنين، وقال بأنه قد آن الأوان لكي تتسلم الكونغو الدفاع عن مصالحها وأن تقوم بالدور الرئيسي لاستقرار البلاد.([6])

وبعد إلحاح كينشاسا على مغادرة البعثة وافق مجلس الأمن على هذا الطلب، وقام بوضع خطة لانسحابها، وقد تضمنت هذه الخطة ثلاث مراحل.

 ففي المرحلة الأولى غادرت البعثة إقليم جنوب كيفو بتاريخ 25 يونيو 2024، أما في المرحلة الثانية فستنسحب البعثة من إقليم شمال كيفو وذلك بعد أن تتهيأ لها الظروف الملائمة للمغادرة، أما في المرحلة الثالثة فستغادر البعثة بشكل كامل من إقليم ايتوري والأجزاء المتبقية من شمال كيفو.

في نهاية المطاف، وبعد أن سلّطنا الضوء على أهم جوانب هذه الأزمة، يتضح لنا بأن أزمة الكونغو الديمقراطية من أكثر الأزمات تعقيداً في القارة الأفريقية، إذ أن العوائق التي تقف أمام التسوية بين الأطراف المتصارعة تفوق جميع الحلول، وهذا بالضبط ما يجعل من أزمة الكونغو أزمةً عصية على الحل.


[1])) مايكل روبين، هل تؤدي سياسة أمريكا الفاشلة في الكونغو الديمقراطية إلى حرب أهلية ثالثة؟، قراءات إفريقية، 10/7/2024، الرابط.

([2]) الشيخ محمد، احتدام التوتر على الحدود بين رواندا والكونغو الديمقراطية، الشرق الأوسط، 25/10/2023، الرابط.

[3])) كريستوف تيتكا، مصالح أوغندا في نزاعها مع الكونغو الديمقراطية، قراءات إفريقية، 21/8/2024، الرابط.

[4])) د. بوجانا كوليبالي، صراع شرق الكونغو الديمقراطية.. حركة “إم 23” بين إلقاء السلاح والعودة إليه، الجزيرة، 20/7/2024، الرابط.

[5])) د. محمد وليد يوسف، القوانين السياسية المادية، صـ 161، دار المصور العربي، لبنان ـ بيروت، 2022.

([6]) رئيس الكونغو الديمقراطية يؤكد أهمية انسحاب بعثة الأمم المتحدة من بلاده، أخبار الأمم المتحدة، 21/9/2023، الرابط.


المقالة تُعبّر فقط عن رأي الكاتب

فريق عمل ICGER

لمّا كان لكلّ علمٍ قواعد كلاسيكية وقوانين مادية، فإنّنا في المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية نعمل على نقل السياسة من فنٍّ قائم على الاحتمالات والرجم بالغيب إلى علمٍ قائم على القواعد العلمية وتسخير التحليل السياسي الكلاسيكي والكوانتي لتأويل العلاقات الدولية وتفسير المعادلات الجيواستراتيجية ابتغاء بلوغ ومعرفة الوقائع الجيوسياسية وضبطها وإعادة تركيبها ومعرفة القوانين المادية التي تربط الواقعة السياسية بالواقعة الاقتصادية، وذلك بقصد منع وقوع الحروب وحلّ عقد الأزمات والفتن وابتغاء نشر السلام في العالم

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى