الخطوط الحمراء الروسية... هل تتشظّى نووياً!

بقلم الزميل المقيم حسان يونس

تزايدت حدة النقاش مؤخرا في أروقة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبين القيادة الأوكرانية ونظيرتها الأمريكية حول جدية الخطوط الحمراء الروسية ومرونة تعاطي موسكو معها.
“لقد حاولت روسيا رسم الخطوط الحمراء بوضوح، ولكن الولايات المتحدة، التي تشارك في الصراع، قررت أنها لن تتجاوز أي خطوط حمراء كبيرة ولكن خطوط صغيرة فقط، لقد قررت أن تقطع هذه الخطوط الحمراء إلى عشرات الخيوط الحمراء الصغيرة الرفيعة، لتعبرها شيئًا فشيئًا حتى لا يكون هناك حدث كبير يمكن أن يصبح سببًا للحرب”.
هكذا وصفت صحيفة “واشنطن بوست” المقربة من الادارة الديمقراطية الأمريكية استراتيجية الولايات المتحدة للتعامل مع خطوط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحمراء في مقال لها، في 24 أغسطس 2024، تحت عنوان “أوكرانيا تستمر في تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعتها روسيا. وبوتين يستمر في التغاضي عن ذلك”.
وأتت الصحيفة على ذكر كافة هجمات أوكرانيا التي تجاوزت الخطوط الحمراء الروسية بدءاً بإغراق السفينة الروسية في البحر الأسود، “موسكفا” وتفجير جسر القرم عام 2022، وهجمات صواريخ ستورم شادو على مقر الأسطول في سيفاستوبول؛ إضافة إلى الهجمات الطائرات بدون طيار عام 2023 على الكرملين وموسكو؛ وممارسة الاغتيال على الأراضي الروسية؛ والهجمات على القواعد الجوية الاستراتيجية على بعد مئات الأميال من أوكرانيا. كما أنّ الأسلحة الغربية التي تستخدمها القوات الأوكرانية، HIMARS، والدبابات، وATACMS وطائرات F-16، كلها خطوط حمراء أيضًا. وأخيراً كان التوغل الذي شنته كييف في كورسك في غرب روسيا بمثابة اختراق للخطوط الأكثر حمرة على الإطلاق، خاصة أن رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين صرح في27 أغسطس 2024، أن بلاده لا تصدق تأكيدات الغرب بأنه لا علاقة له بالهجوم على كورسك. كما أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف تورط الولايات المتحدة في الهجوم باعتباره “حقيقة واضحة”. وخاصة أنّ صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية كشفت أن الولايات المتحدة وبريطانيا زودتا أوكرانيا بصور من الأقمار الصناعية ومعلومات أخرى عن منطقة كورسك في الأيام التي أعقبت الهجوم الأوكراني.
استخدم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم الثلاثاء توغل كورسك للتعبير عن رفضه للقيود التي فرضتها واشنطن والتي تمنع كييف من استخدام الأسلحة الغربية لضرب أهداف عسكرية العمق الروسي (مثل القواعد الجوية التي تستخدمها روسيا لهجماتها المدمرة بالقنابل الانزلاقية). وقال زيلينسكي “نحن نشهد تحولًا أيديولوجيًا كبيرًا، المفهوم الساذج الوهمي لما يسمى بالخطوط الحمراء فيما يتعلق بروسيا، والذي هيمن على تقييم الحرب من قبل بعض الشركاء، قد انهار هذه الأيام”.
وفي الحقيقة فإنّ ما قاله الرئيس الأوكراني صائب نوعا ما، فقد نشر معهد دراسات الحرب الأمريكي، في 28 أغسطس 2024، خريطة تتضمن مواقع دقيقة لمئتين واربعين قاعدة عسكرية روسية تحيط بالحدود الشرقية لاوكرانيا وتمثل مراكز إمداد لوجستي حيوية للتقدم الروسي في إقليم الدونباس وفي الهجوم المضاد على كورسك، بحسب معهد الحرب الأمريكي.
إن كافة هذه القواعد معرضة للقصف بصواريخ ATACMS الأمريكية بعيدة المدى في حال أعطت واشنطن الضوء الأخضر لكييف، وفق ما تحاجج وتطالب به الأخيرة منذ عام.
ويفترض معهد دراسات الحرب الأمريكي أن صواريخ ATACMS قد تستخدم لضرب القواعد الروسية المحيطة بأوكرانيا والتي تمثل مراكز إمداد وتجمع وتمركز للقوات الروسية على رقعة كبيرة وهو ما من شأنه أن يوقع روسيا في أزمة كبيرة ستطال خطوط امداد القوات الروسية على خط المواجهة سواء كان في الداخل الروسي أو خط المواجهة في إقليم الدونباس الآخذ بالاتساع، وستمثل اختباراً آخر للخطوط الحمراء الروسية.
ولأن الامر يخصهم، أدلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بدلوه في النقاش الغربي حول خطوط بلاده الحمراء فحذر، في 27 أغسطس 2024، من أن الغرب يسعى إلى تصعيد الحرب في أوكرانيا “ويبحث عن المتاعب” من خلال التفكير في طلبات أوكرانية لتخفيف القيود على استخدام الأسلحة المستوردة.
وأضاف: “نؤكد الآن ثانية أن اللعب بالنار، أمر خطير جدا (للكبار) المؤتمنين على الأسلحة النووية في دولة غربية أو أخرى”، مشيراً إلى أن عقيدة روسيا النووية واضحة.
إنّ التهديد بالحرب العالمية الثالثة أو الحرب النووية الشاملة هو الورقة المتبقية بيد “اللاعب الروسي” كي لا يخسر ويتم إخراجه من اللعبة.
فهل اقترب العالم من هذه اللحظة أم أن الولايات المتحدة ستتابع إدارة الخطوط الحمراء الروسية بتأنٍّ وتدرج منضبطَيْن.
