انتخابات فنزويلا.. اليسار يتآكل على يد نيكولاس مادورو

بقلم الباحثة غير المقيمة أمل حسين
حائزة على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من الجامعة اللبنانية، وشهادة في
إدارة الموارد البشرية وإدارة المشاريع من جامعة هايكازيان

في عالم السياسة، الذي يبدو للبعض أنّه مسرح للأفكار والنظريات المجردة، تكمن حقيقة أعمق بكثير وهي أنّ هذا العالم محكوم بقوانين موضوعية صارمة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي تحكم علوم الرياضيات والفيزياء، وفقاً للمذهب السياسي لرئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، الدكتور محمد وليد يوسف، والتي فنّدها في كتابَيْه “جوهر النظام الدولي” (2016) و”القوانين السياسية المادية” (2019).
وليست هذه القوانين مجرّد أدوات تحليلية أو تفسيرات نظرية، بل هي قوى مادية حقيقية تشكّل بنية النظام السياسي وتوجّه مساراته. إنّ إدراك هذه القوانين وفهمها بعمق ليس مجرّد خيار فكري، بل هو شرط جوهري لاستدامة الاستقرار وتوازن القوى في المشهد السياسي. في هذا الإطار، يظهر علم السياسة كعلم يرتكز على أسس مادية راسخة، تكشف عن حقائق تكوينية قليلة العدد ولكنّها بالغة الأهمية، تقود حركة الأحداث وتحدد مصير العلاقات الدولية. فالسياسة، إذن، ليست مجرّد لعبة للأفكار، بل هي مسرح تتجلّى فيه قوانين مادية، حيث يصبح استقرار الدول والأمم مرهوناً بمدى التزامها بهذه القوانين الصارمة.
وفي السنوات الأخيرة، وبينما كانت قوى اليسار في أمريكا اللاتينية في طليعة المشهد السياسي، تواجه اليوم الأنظمة اليسارية تحديات جذرية تهدد بقاءها، مما يفتح المجال أمام صعود قوى جديدة.
فاليسار، الذي كان يومًا ما رمزًا للتغيير والأمل، أصبح في أعين الكثيرين نموذجاً للإخفاق السياسي.
وفي هذا السياق، تُعدّ فنزويلا اليوم مثالاً حيًا لإخفاق القوى اليسارية التي تظهر عندما ينتصر هدف بلوغ السلطة على إرادة الشعب. إذ يجد المواطنون الفنزويليون أنفسهم أمام مفترق طرق: إمّا البقاء تحت عباءة الاستبداد الذي فرضته السلطة الحالية برئاسة الرئيس نيكولاس مادورو، أو الانقلاب على السياسة اليسارية والسعي نحو تحقيق الديمقراطية الحقيقية التي تمنحهم الأمل في مستقبل أفضل.
إنّ ما تشهده فنزويلا اليوم هو تجسيد جليّ لأزمة سياسية عميقة، حيث تتصاعد التوترات بعد إعلان الحكومة الفنزويلية فوز مادورو بالانتخابات الرئاسية لعام 2024، بينما تدّعي المعارضة أنّ مرشحها، إدموندو غونزاليس، هو الفائز الحقيقي بأغلبية ساحقة. هذا التناقض الصارخ حول نتائج الانتخابات يعمّق الانقسامات داخل المجتمع الفنزويلي، مما يضع البلاد على حافة انفجار سياسي محتمل أو حتى حرب أهلية.
فالمعارضة الفنزويلية، التي تؤمن بأنّها انتزعت النصر من نيكولاس مادورو في انتخابات 2024، تنظر إلى تمسك مادورو للسلطة كإهانة للشعب الفنزويلي واعتداء صارخ على إرادته. في ظل هذا التصعيد، جاء اعتقال النائب السابق في البرلمان الفنزويلي (الجمعية الوطنية) بياجيو بيلييري كجزء من سلسلة إجراءات قمعية تقوم بها حكومة مادورو لتكميم أصوات المعارضة.
وقد أظهر هذا الصراع التباين في ردود الأفعال الدولية أيضاً، فقد عبرت دول مثل بيرو وأوروغواي وكوستاريكا عن شكوكها حول نزاهة الانتخابات الفنزويلية، بينما جاءت رسائل التهنئة من كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا. أمّا البرازيل والمكسيك، اللتان تربطهما علاقات وثيقة بنظام مادورو، فقد التزمتا الصمت لساعات، وهو صمت قد لا يعكس بالضرورة رضى عن النتيجة النهائية.
فقد رحبت كل من كوبا ونيكاراغوا بفوز مادورو، واتخذت دول مثل كولومبيا والمكسيك والبرازيل موقفًا أكثر تحفظًا، مطالبةً بإثباتات على فوزه. هذا التحول في المواقف يشير إلى تغيّر الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار في القارة اللاتينية، ليتحوّل الصراع إلى انقسام داخلي أكثر وضوحًا ضمن اليسار نفسه. هذا الانقسام يعكس التوتر بين الأنظمة الاستبدادية التي يحكم بها بعض اليساريين وبين المبادئ الديمقراطية التي يزعمون تبنيها.
من جانبه، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن دعمه لإجراء انتخابات جديدة في فنزويلا. وفي الوقت نفسه، يواجه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ضغوطًا دولية متزايدة لاتخاذ موقف واضح تجاه التحركات القمعية التي يمارسها مادورو ضد المعارضة الفنزويلية، مما يضعه في موقف صعب بين ولائه التقليدي لليسار الفنزويلي ورغبته في الحفاظ على صورته كزعيم ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان. هذه الضغوط تكشف عن التباين المتزايد داخل التيار اليساري وتعكس تأثير الأزمات الإقليمية على الديناميات السياسية الداخلية.
والجدير بالذكر، أنّه لا يمكن المقارنة بين الزعيم الفنزويلي السابق الراحل هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو فرغم محاولات مادورو المتكررة باتباع نهج تشافيز، إلا أنّ سياساته وقراراته كانت دومًا محلّ انتقاد دولي، ليس فقط بسبب طبيعته الاستبدادية، ولكن أيضًا لتأثيراته السلبية الكبيرة على الاستقرار.
إن الزعماء اليساريين في أمريكا اللاتينية يجدون أنفسهم اليوم عالقين بين التوفيق بين التزاماتهم الديمقراطية والحقوقية من جهة، والتحالفات السياسية التقليدية التي شكلت أساس قوتهم من جهة أخرى. فرغم أن مادورو كان حليفًا قديمًا لعدد من هؤلاء الزعماء، إلا أنّ سياساته القمعية أصبحت عقبة أمام الدفاع عنه على المسرح الدولي. هذا التوتر يعكس الصراع الداخلي الذي يعاني منه اليسار في المنطقة، حيث يواجه زعماؤه معضلة التوفيق بين المبادئ التي تأسست عليها حركاتهم السياسية والتحالفات القديمة التي كانت ركيزة نفوذهم.
فالسياسات اليسارية طالما اعتُبرت المدافع الرئيسي عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث قدمت نفسها كالدرع الحامي لمبادئ العدالة والمساواة في مواجهة الأنظمة الاستبدادية. ومع مرور الوقت، بدأ يتصاعد التوتر بين هذه القيم المثالية وبين الواقع السياسي. ففي الماضي، كان اليسار يُعتبر البديل الثوري ضد الأنظمة الاستبدادية، لكنه الآن يجد نفسه على عرش السلطة الديكتاتورية وبالتالي يواجه الزعماء اليساريون مشكلة حقيقية وهي: أنّ الابتعاد عن حلفائهم القدامى قد يفقدهم الدعم السياسي داخليًا وخارجيًا، أما الاستمرار في دعم هؤلاء الحلفاء قد يهدّد مصداقيتهم ويفرغ المبادئ التي قامت عليها حركاتهم من محتواها.
ويمكن اعتبار فنزويلا اليوم أنّها على أعتاب لحظة حاسمة تشير إلى بداية تحوّل كبير في المشهد السياسي، وربما تمهّد لهزيمة اليسار في عدة دول فمن جهة، نشهد تآكلًا في الدعم الشعبي للسياسات اليسارية التقليدية التي فشلت في تحقيق التطلعات المرتبطة بتحسين حياة الفقراء وتعزيز الديمقراطية بشكل فعّال. ومن جهة أخرى، تتزايد الانتقادات لهذه الأنظمة بسبب الفساد وسوء الإدارة والانتهاكات الحقوقية المتكررة. فأحد أكبر التحديات التي يواجهها اليسار اليوم هو عدم قدرته على التكيف مع التغيرات العالمية والمحلية.
بينما يبدو الواقع السياسي مغرٍ للحفاظ على السلطة، فإنّه يحمل في طياته خطر فقدان الروح اليسارية التي تلتزم بالمبادئ التي شكلت أساس نشأة هذه الحركات. وبالتالي، فإنّ نجاح الزعماء اليساريين في مواجهة هذه التحديات يعتمد على قدرتهم على التكيّف مع الواقع السياسي من دون التفريط في القيم التي هي أساس شرعيتهم.
وعلى الرغم ممّا قد يظهر من قدرة على السيطرة والتحكم، إلا أنّ الإفراط في استخدام القوة للحفاظ على النظام يخفي وراءه هشاشة حقيقية في بنية النظام السياسي، مما يعكس خوفًا متجذرًا من فقدان السلطة، وغياب الثقة في القدرة على إدارة البلاد بفعالية من دون اللجوء إلى وسائل قمعية. في نهاية المطاف، يولّد هذا القمع ردود فعل عنيفة، حيث قد يجد المواطنون المحبطون والمقموعون أنفسهم مجبرين على اتخاذ خطوات أكثر تطرفًا لمقاومة النظام القائم، مما يزيد من احتمالية تصاعد العنف وعدم الاستقرار.
فالزعامة الحقيقية لا تكمن في مجرّد الحفاظ على السلطة، بل في التمسّك بالمبادئ حتى في أحلك الظروف. إنّ تمسك نيكولاس مادورو بالسلطة رغم الادعاءات الواسعة بالتزوير يكشف عن ضعف جوهري في قاعدة دعمه الشعبي. فبقاؤه على عرش السلطة يعتمد بشكل كبير على القوة القسرية وليس على الدعم الشعبي فهو يكشف عن ضعف عميق يتمثل في استخدام القمع كأداة سياسية للبقاء في السلطة وكبح المعارضة ما قد يحقّق استقرارًا شكليًا على المدى القصير، لكنّه يخلق بيئة مشبعة بالخوف وعدم الثقة على المدى البعيد. كما يؤدي هذا إلى زعزعة استقرار النظام نفسه، حيث لا يمكن لأي سلطة أن تستمر إلى الأبد من دون دعم شعبي حقيقي. فالقمع ليس حلاً دائمًا، بل هو محرك أساسي للفوضى والانفجار الاجتماعي والسياسي الذي قد يطيح بالنظام من جذوره.
إنّ عالم السياسة محكوم بقوانين موضوعية دقيقة تشبه تلك التي تحكم العلوم الطبيعية. فالواقع السياسي ليس مجرد مجموعة من الأفكار أو النظريات المجردة، بل هو عالم مادي حقيقي تتشكل فيه الأحداث وفقاً لقوانين صارمة تحكم سير الأمور.
إنّ الهياكل السياسية، سواء كانت دولاً أو أمماً أو أحزاباً، ليست مجرد نتاج ثقافي أو تاريخي، بل هي نتائج طبيعية لقوى مادية تكوينية تعمل ضمن الفضاء السياسي. إنّ ظهور هذه الهياكل وتطورها ليس عشوائياً، بل يتّبع قوانين حاكمة. وإذا خالفت هذه الهياكل القوانين الموضوعية التي تحكم الفضاء السياسي، فإنّ النتيجة الحتمية هي الاضطراب السياسي والفوضى. أما إذا التزمت هذه الهياكل بالقوانين الموضوعية، فإنّ الاستقرار سيكون السمة الغالبة على النظام السياسي.
وللحفاظ على استقرار العلاقات الدولية، يجب أن نُخضِع هذه العلاقات أيضاً لنفس القوانين الموضوعية. إنّ الوقائع التكوينية في الظاهرة السياسية قليلة العدد، ولكنها محورية وجوهرية بحيث لا تقبل التعدد أو الاختلاف، مما يجعل الفهم العميق لهذه الوقائع ضرورة حتمية لتحقيق الاستقرار السياسي.
يبدو أنّ نيكولاس مادورو مدينٌ بتفسير ما حدث في الانتخابات للمجتمع الفنزويلي وللعالم اليساري ككلّ، فالانتخابات الحالية تُعتبر مؤشرًا واضحًا لبداية مرحلة جديدة في المشهد السياسي الفنزويلي، قد تكون أكثر اضطرابًا وصعوبة.
وفي الخلاصة، فإنّ الفشل المستمر في نشر الاستقرار في العالم يعكس إخفاقًا جوهريًا في الالتزام بالقوانين الموضوعية التي تضبط الوقائع السياسية في الفضاء السياسي. فالسياسة اليوم، في جوهرها، لا تختلف كثيرًا عن السياسة في عهود الطغاة السابقين، حيث يتكرّر نمط الانحراف عن القوانين السياسية المادية لصالح الأهواء والرغبات الشخصية. ونتيجة لذلك، يبقى العالم في دوامة من الفوضى والاضطرابات، مما يؤكّد على الحاجة الملحة لإعادة اللجوء إلى القوانين التي تنظم الفضاء السياسي وذلك كضمانة لاستقرار المجتمعات.
وعليه، فإن العالم السياسي هو في جوهره عالم مادي محكوم بقوانين لا يمكن تجاهلها، والجدير بالذكر أنه لا يمكن الحكم بدقة على أي ظاهرة سياسية إلا من خلال إنشاء مجموعة من المعايير الدقيقة التي يمكن القياس عليها والرجوع إليها. كما يجب أن يكون هذا الحكم مستندًا إلى الوقائع الموضوعية التي ترتبط بالظاهرة ذاتها، بعيدًا عن التحليلات التي تتأثر بالأهواء والرغبات السياسية.
المصادر
- كتاب “جوهر النظام الدولي” (2016)- الدكتور محمد وليد يوسف
- كتاب “القوانين السياسية المادية” (2019)- الدكتور محمد وليد يوسف
- Link-Reuters
- Link-Aaawsat
- Link-Hespress
